أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انه "ألغى" هجوماً عسكرياً ثانياً كان مقرراً على فنزويلا بعد أن بدأت السلطات هناك بالإفراج عن سجناء سياسيين، مضيفاً: "الشركات النفطية ستستثمر 100 مليار دولار على الأقل في فنزويلا".
وكتب ترامب عبر حسابه على منصة "تروث سوشل": "تُطلق فنزويلا سراح عدد كبير من السجناء السياسيين كدليل على سعيها للسلام. وبناءً على هذا التعاون، تم إلغاء موجة ثانية من الهجمات كانت مقررة سابقاً".
وبدأت فنزويلا الخميس الإفراج عن "عدد كبير" من السجناء السياسيين بينهم أجانب، في خطوة اعتبرها البيت الأبيض نتيجة "ضغوط" مارسها ترامب عقب إطاحة نيكولاس مادورو.
وأعلن رئيس البرلمان الفنزويلي خورخي رودريغيز أن "الحكومة البوليفارية ومؤسسات الدولة قررت الإفراج عن عدد كبير من الأشخاص الفنزويليين والأجانب من أجل تعزيز التعايش السلمي"، مشيراً إلى أن "عمليات الإفراج جارية".
ولم يُكشف عن العدد الدقيق للمفرج عنهم، لكن منظمة "فورو بينال" غير الحكومية ذكرت أن 806 سجناء سياسيين كانوا محتجزين في البلاد، بينهم 175 عسكرياً.
ومن بين المفرج عنهم المرشح الرئاسي السابق للمعارضة إنريكي ماركيز، الذي قال في مقطع مصوّر: "انتهى كل شيء الآن"، وزعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو—الحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2025—التي رحّبت بالخطوة قائلة: "الظلم لن يستمر إلى الأبد".
كما أطلِق سراح الناشطة الإسبانية الفنزويلية روسيو سان ميغيل، المسجونة منذ فبراير/شباط 2024 بتهمة التخطيط لاغتيال مادورو، إلى جانب أربعة مواطنين إسبان آخرين، وفق وزارة الخارجية الإسبانية.
وقالت نائبة الناطقة باسم البيت الأبيض آنا كيلي: "هذا مثال على طريقة استخدام الرئيس أقصى أدوات الضغط من أجل تحقيق ما هو صائب للشعبين الأميركي والفنزويلي".
في غضون ذلك، كشف ترامب في مقابلة نُشرت الخميس في صحيفة "نيويورك تايمز" عن رؤيته الأوسع للسياسة الخارجية والعسكرية الأمريكية، والتي تتجاوز فنزويلا إلى ملفات حساسة مثل أوكرانيا، روسيا، وأمن الأمريكتين.
قال ترامب إنه لن يلتزم بالدفاع عن أوكرانيا مستقبلاً إلا لأنه "يشعر بيقينٍ تام أن روسيا لن تغزوها مجدداً"، مضيفاً: "وإلا لما وافقت على ذلك".
وأكد ترامب أنه ما زال يرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "مستعداً للسلام"، قائلاً: "أعتقد أنه يريد إبرام اتفاق. لقد فكّرت في ذلك طويلا".
وأشار إلى أن مفاوضات سابقة كادت أن تنجح، لكنها فشلت بسبب رفض زيلينسكي، ثم العكس في مراحل لاحقة: "مررت بحالات كنتُ فيها على وشك إبرام اتفاق مع بوتين، لكن زيلينسكي رفض - وكان ذلك مفاجئاً لي. ومررت بأخرى العكس فيها". وأضاف: "أعتقد الآن أن كليهما يريد الاتفاق، لكننا سنرى".
رفض ترامب تحديد إطار زمني لإنهاء الحرب، وهو تغيير عن موقفه العام الماضي حين وضع مواعيد عديدة لإبرام اتفاق لم تُحقّق.
كما رفض التعهّد بزيادة الدعم الأمريكي لأوكرانيا إذا واصل بوتين رفض الهدنة، معلّقاً: "لا أريد أن أضع نفسي في موقف أجبر فيه على قول ذلك، لأن لدي التزاماً بمحاولة إنقاذ الأرواح".
وأوضح أن دور الولايات المتحدة في أي ضمان أمني مستقبلي سيكون “ثانوياً”، قائلاً: "دعنا نضع الأمر هكذا: حلفاؤها، كل أوروبا، دول أخرى ستدخل — والولايات المتحدة أيضاً".
يأتي ذلك في ظل سعي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للحصول على ضمانات أمنية من دول الغرب—لا سيما الولايات المتحدة—تتعهّد فيها بالدفاع عن بلاده حال تم التوصّل إلى هدنة مع روسيا.
وفي قمة عُقدت في باريس مطلع الأسبوع، تعهّد قادة فرنسا وبريطانيا بإرسال قوات لردع روسيا عن الغزو مجدداً حال وافقت على هدنة. إلا أن الاجتماع، الذي حضره المبعوث الخاص للبيت الأبيض ستيف ويتكوف وزوج ابنة ترامب جاريد كوشنر، ترك مدى الدعم الأمريكي لهذه القوة متعددة الجنسيات غير واضح.
وصرّح ويتكوف بأن المجموعة "حقّقت تقدماً ملحوظاً في عدة مسارات عمل أساسية" ستكون جزءاً من اتفاق سلام نهائي.
وصفت وزارة الخارجية الروسية، الخميس، فكرة نشر قوة لدعم أوكرانيا بأنها "إعلاء للعسكرة، وتصعيد، ومزيد من تأجيج النزاع"، مما يطرح تساؤلات حول استعداد موسكو لقبول أي اتفاق يتضمّن دعماً عسكرياً غربياً لأوكرانيا وقواتها المسلحة.
وفي جزء آخر من المقابلة مع نيويورك تايمز، قال ترامب إن "أخلاقه" هي الشيء الوحيد الذي يقيّد سلطته في إصدار أوامر بشن عمليات عسكرية في أنحاء العالم.
وجاءت تصريحاته بعد أيام من إطلاقه هجوماً خاطفاً لإطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتهديده لعدد من الدول الأخرى، بالإضافة إلى إقليم غرينلاند ذي الحكم الذاتي.
وعند سؤاله إن كانت هناك أي حدود لتحركاته العسكرية الخارجية، ردّ: "نعم، هناك شيء واحد. أخلاقي... إنها الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني". وأضاف: "لست في حاجة إلى قانون دولي. أنا لا أسعى لإيذاء الناس".
وأشار إلى أن عليه التزام القانون الدولي، لكنه قال إن "الأمر يتوقف على تعريفك للقانون الدولي".
وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية التي تحاكم مجرمي الحرب، وقد رفضت مراراً قرارات محكمة العدل الدولية، وهي أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة.
ورغم تقديمه نفسه "رئيساً للسلام" وسعيه لنيل جائزة نوبل، شنّ ترامب سلسلة من العمليات العسكرية خلال ولايته الرئاسية الثانية. فقد أمر بشن هجمات على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران، والعام الماضي أشرف أيضاً على ضربات على العراق ونيجيريا والصومال وسوريا واليمن، وأخيراً فنزويلا.
ومنذ القبض على مادورو، هدد ترامب عدداً من الدول الأخرى، منها كولومبيا، وكذلك غرينلاند التابعة للدنمارك العضو في حلف شمال الأطلسي.
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت أولويته هي الحفاظ على التحالف العسكري أو الاستحواذ على غرينلاند، قال ترامب: "قد يكون هذا خياراً". وأضاف الملياردير الجمهوري، الذي جمع ثروته كمطور عقاري، أن ملكية الولايات المتحدة لغرينلاند هي "ما أشعر بأنه ضروري من الناحية النفسية لتحقيق النجاح".
وكشف ترامب أن الولايات المتحدة "ستدير" فنزويلا التي تملك أكبر احتياطات نفطية مثبتة في العالم، معتبراً أن ذلك قد يستمر "لفترة أطول بكثير" من بضعة أشهر.
وبحسب "وول ستريت جورنال"، يدرس ترامب خطة تمنح واشنطن نفوذاً على شركة النفط الوطنية الفنزويلية، عبر اتفاق يقضي بتسليم كراكاس بين 30 و50 مليون برميل نفط للولايات المتحدة.
وحذّر ترامب الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز من أنها ستدفع "ثمناً باهظاً، ربما أكبر من الثمن الذي دفعه مادورو" إذا لم تمتثل.
وردّت رودريغيز الخميس قائلة: "نحن لسنا تابعين ولا خاضعين"، مؤكدة أن "الرئيس مادورو اختُطف"، وأن "القتال مستمر من أجل الوطن".
في واشنطن، اتخذ مجلس الشيوخ خطوة نحو تمرير قانون لكبح العمليات العسكرية ضد فنزويلا، انعكاساً لاستياء واسع من العملية السرية التي نُفذت دون موافقة المشرعين.
ويُتوقع إقرار التشريع الأسبوع المقبل، رغم معارضة محتملة في مجلس النواب ذي الأغلبية الجمهورية.
وتعتمد الخطة الأمريكية حالياً على حصار بحري والتهديد باستخدام القوة، إذ لا تملك واشنطن قوات برية في فنزويلا.
وأعلن ترامب الخميس أن الولايات المتحدة ستشن ضربات برية ضد كارتيلات المخدرات، دون تحديد مكانها، بعد الغارات التي استهدفت قوارب في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ.
وقال في مقابلة ثانية على قناة فوكس نيوز: "سنبدأ ضربات برية ضد الكارتيلات. الكارتيلات تسيطر على المكسيك. من المحزن جداً رؤية ومشاهدة ما يحدث في هذا البلد".
دانت الحكومة الانتقالية اليسارية في كراكاس الضربات الأمريكية على فنزويلا، معتبرة أنها تهديد للاستقرار الإقليمي.
وقالت رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم، الاثنين، إن الأميركتين "لا تنتميان" إلى أي قوة، وذلك بعدما صرح ترامب بأن واشنطن "تهيمن" على نصف الكرة الأرضية بعد القبض على مادورو.
وكان ترامب قد صرح الأحد بأنه يضغط على شينباوم للسماح له بإرسال قوات أمريكية لمحاربة كارتيلات المخدرات في المكسيك، وهو عرض قال إنها رفضته سابقاً.
وفي جانب شخصي من المقابلة مع نيويورك تايمز، سُئل ترامب عما إذا كان قد تناول أياً من أدوية إنقاص الوزن وأدوية مرض السكري من فئة "الببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1"، والتي تُعرف شعبياً باسم "أدوية الدهون". فأجاب: "لا، لم أفعل. ربما يجب علي ذلك".
وذكر التقرير الطبي لترامب الصادر في أبريل/نيسان أن طوله يبلغ 190.5 سنتيمتراً (6 أقدام و3 بوصات) ويزن 101.6 كيلوغراماً (224 رطلاً)، وهو أقل وزناً بـ9.1 كيلوغرامات (20 رطلاً) عما كان عليه في فحص عام 2020 في ولايته الأولى، والذي أظهر أنه كان على وشك السمنة.
وأشارت نيويورك تايمز إلى أن ترامب واجه مشكلات قانونية في بلاده، إذ أطلق الكونغرس مرتين إجراءات عزل بحقه خلال ولايته الأولى.
كما دُين بتهم جنائية تتعلق بمدفوعات غير معلنة لممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيلز، وواجه اتهامات اتحادية بمحاولات غير قانونية لقلب نتائج انتخابات عام 2020، قبل أن تساهم عودته إلى السلطة في إسقاط ملفه.
المصدر:
يورو نيوز