في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
خلقت جنازة القيادي اليساري شكري بلعيد في فبراير/شباط 2013، وهمًا بأن لليسار قوة في الشارع، فخُيّل للمراقبين الدوليين والمحليين أن هذا التيار يملك القدرة على تقدم الصفوف، وأنه بصدد أن يتحول جذريا من قوة احتجاجية هامشية ونخبوية، إلى قوة حكم مركزية وجماهيرية.
كان الرجل محاميا من الأرياف لا يحمل شهادة من جامعة تونسية، ويتزعم فصيلا هامشيا. لم يأخذه اليسار الثقافي الحضري على محمل الجدية، لكن بعد وفاته تم توليد زعيم كاريزمي لمضاهاة سردية الزعامة البورقيبية أو الحضور الطاغي للنهضة والإسلاميين. وبعد أن تواري الضجيج، لوحظ أن الجنازة العاطفية لم تُترجم إلى أصوات وازنة داخل صناديق الاقتراع في المحطات الانتخابية اللاحقة (2014 و2019)، بما كشف الطبيعة السياسية لحشود الجنازة.
رغم هذا سنتابع السؤال المركزي لهذ المقال: كيف يمكن لتيار سياسي وفكري أن يمتلك نخبة من ألمع الأكاديميين والمثقفين في المنطقة العربية، ويسيطر ببراعة تنظيمية على مفاصل أحد أهم الكيانات النقابية العربية والعالمية، وهو الاتحاد العام التونسي للشغل، ويهيمن على السردية الثقافية والإعلامية للدولة ومؤسساتها الأيديولوجية لعقود، ومع ذلك يفشل فشلا ذريعا ومستمرا في إنتاج "زعيم كاريزمي" قادر على حشد الجماهير وصناعة التاريخ، على غرار الحبيب بورقيبة أو حتى خصومه الأيديولوجيين مثل راشد الغنوشي.
لقد عرفت الساحة السياسية والفكرية التونسية ثلاثة زعماء لا تزال آثارهم بينة في المشهد الثقافي والسياسي التونسي وهم عبد العزيز الثعالبي (زمن الحركة الوطنية) والحبيب بورقيبة (زمن بناء الدولة) وراشد الغنوشي (زمن بناء الديمقراطية) لكنْ بموازاة هؤلاء كان اليسار حاضرا ومؤثرا بدرجات وفي مراحل متتابعة من تاريخ الدولة الحديثة. لكنّ التأثير الكبير الذي نعاينه خصوصا في نصف القرن الأخير (1970 إلى 2025) لم يكن بأثر من بصمة زعيم، لكنْ بفعل تيار قليل العدد شديد الفعالية. وقد عوضت الفعالية الجماعية في اليسار دور الزعيم الفذ بما يجعلنا نطرح أسئلة معرفية عن سر قوة اليسار التونسي وما جدوى القيادات الكبيرة إذا كان يمكن الفعل بدونها؟
نحاول في هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة عبر استعراض محطات مهمة من تاريخ اليسار التونسي، والنظر في أثره لفهم أسباب قوته وعمق تأثيره لنعرف من خلال ذلك كيفية بناء المشهد السياسي التونسي الراهن وطبيعة صراع النخب، ودورها في فشل البناء الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2011.
اتجه اليسار التونسي، وخاصة شقه الثقافي، نحو عقد صفقة تاريخية غير مكتوبة، مع الدولة الجديدة في عهد بورقيبة ثم تكرس مع نظام زين العابدين بن علي بالخصوص. كان مضمون هذه الصفقة: التنازل عن "الشارع" وعن طموح الوصول المباشر إلى سدة الرئاسة، مقابل التغلغل المؤسساتي في أجهزة الدولة الأيديولوجية (التعليم، الثقافة، الإعلام، المرأة) لحماية مكتسبات الحداثة من "الخطر الإسلامي" الصاعد. هذا الخيار الإستراتيجي، حصّن اليسار ثقافيا ومنحه نفوذا بيروقراطيا هائلا، لكنه عزله سياسيا واجتماعيا عن الفئات الشعبية المهمشة، مما جعله يبدو في نظر التونسيين جزءا عضويا من المنظومة أو "الدولة العميقة"، وليس بديلا ثوريا عنها.
ونفترض هنا أن اليسار التونسي بمختلف فصائله وشخصياته قد سبق إلى فهم نموذج الحداثة الغربية في الجوانب المتعلقة بإدارة الدولة الحديثة وقيادة المجتمعات ما بعد الاستعمار واستوعبه وكيّفه لصالحه. وقد تبنى هذه الحداثة فتعلم أن يكون سريع التأقلم مطواعا لمقتضياتها السياسية بما مكنه من تملك مواقع قيادية ذات تأثير بالغ. لم يحتج إلى زعامات فكرية بقدر ما اعتمد على فعالية الشخص المسؤول ووعيه بموقعه بناء على وضوح هدفه، بما خلق تيارا غير متلاحم تنظيميا ولكنْ يعمل بانسجام حول غاية محددة. هي تملّك السلطة من داخلها وفرض اللون الفكري عبر توجيه القرار العمومي، فضلا عن قيادة مجتمع مدني حديث يرسخ مشروع الحداثة الغربية أو يستنسخها بشروطها.
ولفهم حاضر اليسار المأزوم، تجب العودة إلى لحظة التأسيس المشوهة. فخلافا لليسار في فيتنام أو كوبا الذي التحم بحركات التحرر الوطني وشكل قيادات جماهيرية من قلب المعارك، ولد اليسار التونسي وهو يحمل جينات اغترابه.
لقد ظهر الفكر اليساري في تونس في مرحلة مبكرة من النضال الوطني ضد الاستعمار وخط لنفسه مسارا غير معادٍ له متحدثا عن أهمية استيعاب مشروع التحديث الغربي والبناء على مخرجاته. ولم يكن اليسار وحيدا في هذه الطريق فقد راقت هذه الفكرة لطيف من شخصيات غير يسارية يمكن نعتها بالليبرالية أو التوفيقية في زمن كان يُطرح فيه سؤال إستراتيجي عابر للمنطقة العربية عما نأخذ من الغرب وعما نترك (سؤال النهضة).
فمنذ بدايات العمل السياسي المبكر في تونس، تأسس الحزب الشيوعي التونسي في عشرينيات القرن الماضي كفرع للحزب الشيوعي الفرنسي. كانت قيادته وجل قواعده في البداية من الأوروبيين واليهود التونسيين، مع حضور محدود للمكون العربي. هذه التركيبة الديمغرافية جعلت اليسار يبدو في المخيال الشعبي غريبا ثقافيا ولغويا عن الجماهير الفلاحية والكادحة، التي كان الحزب الحر الدستوري (حزب الثعالبي) يستقطبها ثم استولي عليها لاحقا الحزب الجديد (بقيادة بورقيبة) ونجح في تعبئتها ببراعة باستخدام الرموز الدينية والوطنية المحلية. بينما كان اليسار يتحدث بلغة "الصراع الطبقي" الفرنسية المستوردة، كان بورقيبة يتحدث بلغة "الجهاد" و"الكرامة الوطنية"، مما ووسع الهوة بين "الطليعة" اليسارية و"الجماهير" منذ اللحظة الأولى.
في الستينيات، وعقب استقلال تونس، برز جيل جديد من اليساريين الراديكاليين من رحم الجامعة التونسية والجامعات الفرنسية، كان عنوانه الأبرز حركة "آفاق" وهي مؤسسة ما يُسمى باليسار الثقافي التي انقسمت إلى جماعات متعددة أميل إلى الفعل الحركي الثوري، وأبرزها منظمة "العامل التونسي" وجماعة الشعلة.
كان هؤلاء الشباب (وأبرزهم نور الدين بن خضر، جيلبار نقاش، محمد الشرفي، أحمد بن عثمان) يمثلون النخبة المثقفة الأرقى تعليما في البلاد، وقدِم أغلبهم من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة. طرح هؤلاء تحليلا نقديا لاذعا لنظام بورقيبة، واصفين إياه بالرجعية والتبعية للإمبريالية، وحاولوا "تونسة" الماركسية. لكنّ معضلتهم الكبرى ظلت في التعالي المعرفي والانفصال اللغوي. لقد امتلكوا "رأس مال ثقافيا" هائلا، بلغة المفكر الفرنسي بيير بورديو، لكنهم مارسوا نوعا من التمايز الطبقي الثقافي حتى وهم يدافعون عن العمال، وهو ما جعلهم يفتقرون إلى "رأس المال الاجتماعي" الذي يربطهم بالعمق الشعبي في القرى والأرياف.
اصطدم اليسار بعد الاستقلال بمشروع بورقيبة وبشخصه. وقد هيمن بورقيبة وحزبه على المشهد السياسي وذوّب الكيانات غير المنسجمة مع المشروع المسمى الجبهة القومية. فاختفى الصوت الإسلامي الزيتوني نهائيا وتحول إلى نوستالجيا عاجزة عن كل فعل، وخف ظهور اليسار الكلاسيكي وهمد صوته إلى حين ظهور يسار جديد احتل موقع المعارضة النشطة وطعن في شرعية الزعيم ونقد مشروعه بقوة مصنفا إياه في الرجعية والماضوية أيضا.
قمع نظام بورقيبة اليسار بقسوة مفرطة في محاكمات شهيرة (عامي 1968 و1974)، حيث تعرض أفراده للسجن والتعذيب الوحشي. هذه التجربة القاسية صنعت "سردية الضحية" داخل اليسار، وخلقت لحمة داخلية قوية بين صفوفه، لكنها رسخت أيضا عزلتهم عن الشارع. ففي السجن، كان اليساريون يقرؤون لماركس وينظّرون للثورة العالمية، بينما كان الشارع التونسي يتابع خطب بورقيبة وبدأ تدريجيا في الاستماع للدعاة الإسلاميين القادمين من المشرق، والذين تكلموا لغة أقرب للوجدان الشعبي التونسي.
حتى وسط السبعينيات كان المشهد السياسي التونسي منقسما بين بورقيبة الزعيم المؤسس في السلطة واليسار الراديكالي في المعارضة، إلى ظهر التيار الإسلامي، فاضطرب المشهد برمته وأعيد تنظيم المواقع والصفوف، وهنا ظهر اليسار قريبا جدا من مشروع بورقيبة، وتدرج في القرب حتى تبنى مشروعه وصار لسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها.
وقد استفاد اليسار في هذا التحول التدريجي من وجود إسلاميين يفكرون في السياسة من خلال أطر فكرية جامدة، أعاقت القدرة على التأقلم السريع مع مشروع تحديث مغر للنخب ولقطاع واسع من الجمهور المتعلم منه خاصة. لقد استولى اليسار على مشروع "الحداثة" ووضَعه -بيسر كبير- من خلال وسائل الدولة نفسها في مواجهة برنامج لم يملك أية سلطة فعلية تم وصمه بالظلامية، وأفلحت هذه السياسة إلى حد كبير في عزله ومنع تطوره.
واليوم تقف تونس في موقع يمكن وصفه بأنه مشروع تحديث تديره الدولة بواسطة يسار يلتقي موضوعيا مع كل من يتبني مشروع النمط الحداثي الغربي والفرنسي منه خاصة، في مواجهة مشروع تأصيل إسلامي حائر بين إغراء التحديث نفسه، وبين الحنين إلى أصل إسلامي، وفي نفس الوقت لا يقدم حلولا عملية لإدارة دولة حديثة وبناء هوية لمجتمع حديث.
في هذا الموقع نعيد طرح السؤال عن سر قوة اليسار وتيار التحديث المتوافق معه فكريا في مشهد لا يملك له العدد لكنه رغم ذلك يقوده ويوجهه بفعالية.
يمكن لليسار التونسي أن يحتفل -لو رغب- بمرور قرن على وجوده في تونس. لكنّ اليسار ليس جماعة واحدة بل تيارات وتنظيمات متعددة الرؤوس ومتنوعة الخطاب. يمكن اعتبار ميلاد حزب شيوعي في تونس سنة 1920 بداية قانونية وعملية لليسار في تونس. كان ميلادا نخبويا على يد مثقفين تلقوا تعليما أجنبيا بلغة المستعمر، وكانت الفكرة اليسارية بوهجها الرومانسي الذي يسقط الأباطرة في روسيا قد بدأت تصل إلى أطراف الأرض بنسق إعلام زمنها.
لكنّ من آمن بها في تونس التقط منها أعسر عناوينها على القبول بين الناس، وهو بناء المستقبل على شرط التحرر من عقائد الناس أي دينهم (أفيونهم) بالمفهوم الماركسي، الذي شكل هويتهم ومزاجهم وخيالهم منذ زمن قرون. هنا بدأت القطيعة مع الشيوعيين ولم يُصغِ الناس إلى بقية عناوين اليسار مثل العدالة الاجتماعية. وزاد القطيعة عمقا أن الشيوعيين كانوا في منشئهم بقيادة فرنسية فاجتنبوا الاصطدام بالاستعمار فلم يضعوا معاداة المحتل على أجندتهم، بل كان خطاب التحديث العلماني أسبق على ألسنتهم من تأصيل فكرهم الوافد في ثقافة الناس الذين يخاطبونهم. وكانوا يروجون بوعي أو بدونه لنموذج القيادة الغربي أو نموذج الدولة المدنية الحديثة في مواجهة يسمونه بالتخلف التاريخي للمنطقة وينسبونه إلى عقائد الناس. ولم تخِفّ غربتهم في زمن لاحق وهم ينخرطون على استحياء في حركة التحرر الوطني ويشاركون بمقدار في الحركة الوطنية، دون أن يبلغوا مواقع قيادتها.
نخبوية الفكرة أسست لعزلتها الدائمة وكان لها خصوم محافظون عارضوها بقوة الانتماء إلى عقائد الناس (مثل الثعالبي وحزبه القديم) وآخرون أقل محافظة لكنهم انتبهوا إلى خطورة تأسيس السياسة ضد مزاج الناس (مثل بورقيبة وحزبه الجديد). وفي مرحلة لاحقة سيظهر فيها يسار جديد سيعيد الانطلاق من نفس النقطة فيقع في المطب الفكري نفسه، فيغترب عن جمهور محافظ وإن لم يكن متعبدا في المساجد.
يستهين التاريخ التونسي بوزن الحزب الشيوعي ودوره في الحركة الوطنية خضوعا للرواية البورقيبية المنتصرة، التي وصمتهم منذ وضع الزعيم خطوط كتابتها بالتبعية للمستعمر وبجلب الأفكار الإلحادية وبتهم منها الخيانة الوطنية حتى قبل أن يستفرد بورقيبة بالسلطة ويحل الحزب الشيوعي سنة 1963. فأعقب ذلك فترة همود وتحول إلى العمل السياسي غير المباشر فلم تكن معارضة الزعيم المنتصر متاحة خاصة أمام قدرته على استعمال الخطاب الديني في مواجهة الشيوعية، فلم يستنكف الزعيم أن يكون تكفيريا ليوطد سلطته السياسية وأطروحته التحديثية.
كمن الشيوعيون القدامى وهم نخبة نوعية منذئذ في مواقع الفعل في الجامعة وفي الإدارة والمؤسسات الحديثة وهمد نشاطهم وصوتهم السياسي كأنما لبسوا طاقية إخفاء. وفي فترة الهمود والصمت (الستينيات) ولد يسار جديد من خارج الحزب الشيوعي، قادته مجموعة مثقفين شباب موزعة بين باريس وتونس، يتجاذبها تيار ماركسي لينيني (على النمط السوفياتي) وتيار ماوي (التجربة الصينية).
وكانت تيارات البعث العربي الاشتراكي والماركسيين العرب غير بعيدة من اليسار في هذه المرحلة. وقد سمت المجموعة الشبابية نفسها جماعة "آفاق" أو مجموعة العمل الاشتراكي التونسي. واتخذت موقعا معارضا للزعيم بورقيبة ونظامه الناشئ ولمن بقي حيا من الحزب الشيوعي متهمة إياه بالتحريفية والعمالة للحزب الحاكم. وقد كان وجود عناصر من أصل يهودي ضمن جماعة آفاق (مثل جلبار نقاش وسارج عدة) ورقة مناسبة لتشويه المجموعة لدى قواعد الحزب الحاكم القريبين من العامة الذين لم يتورعوا عن التكفير والتخوين.
لم يتأخر النظام البورقيبي في مطاردة هذه المجموعة الشابة، ففتح لها المحاكم والسجون وشرد الكثير من منتسبيها فبدأت المعارضة التونسية تبحث عن مكامن لها في فرنسا بالخصوص فكانوا أول المعارضين من الخارج. وفي السجون تحول الشباب المعتقل إلى أبطال ورموز وأوشكت أن تخرج من بينهم زعامات متميزة، لكنْ في السجون أيضا تعمقت النقاشات الفكرية بينهم فتوزّعتهم المذاهب والمدارس اليسارية وأفكار البعث بشقيه العراقي والسوري فخرجوا من سجونهم مشتتين تنظيميا.
لكنْ يبقى السؤال: لماذا لم يخرج من رحم "آفاق" زعيم بحجم تشي جيفارا أو جورج حبش؟ يمكن ردّ ذلك إلى عدة عوامل هيكلية، أولها: تساوي الرؤوس في تنظيم أفقي. والنفور من نموذج بورقيبة "الزعيم الأوحد" والمجاهد الأكبر. فمجّدت القيادة الجماعية والمركزية الديمقراطية، مما قطع الطريق على أي مشروع لبروز قائد كاريزمي فردي يمكن أن تتماهى معه الجماهير عاطفيا.
أما السبب الثاني فيمكن القول إنه متعلق بحاجز اللغة. ففي هذه المرحلة كان الخطاب غارقا في المصطلحات الماركسية المعقدة (مثل البروليتاريا، الكمبرادور، البنية التحتية والفوقية) التي لا تلامس المواطن البسيط، مما جعلهم بعيدين عن ممارسة "المثقف العضوي" بمفهوم غرامشي الذي يلتحم بطبقته ويعبر عن همومها اليومية. كما أن اليسار في هذه المرحلة كان يتكلم الفرنسية وبها يعلق منشوراته الجامعية، فإذا حاول الاقتراب من الناس استعمل العامية التونسية كبديل عن العربية الفصحى وكانت هذه فجوة استغلها حزب بورقيبة الحاكم ليوسع الهوة بين اليسار والناس.
في هذه المعارك الغريبة عن الناس ظهر تيار ماوي يؤمن بثورة الفلاحين ودورهم، وتيار ماركسي ثقافي يقدم العمل الثقافي على العمل السياسي، وتيار ماركسي لينيني احتكر لنفسه صفة الثورية ووصم البقية بالتحريفية، لينقسم بدوره إلى تيارات ومجموعات تبرز وتختفي في الأوساط الطلابية في عقد السبعينيات، مثل مجموعة العامل التونسي (التي انتهت الآن إلى حزب العمال الشيوعي) ومجموعات الوطن (أو التيار الوطني الديمقراطي). وقد مارست هذه المجموعات العنف الثوري ضد بعضها وكانت صراعاتها في الجامعة لا تخلو من دماء. لكنها في لحظة من التاريخ توقفت عن الصراع البيني لتتوحد في معركة جديدة هي المعركة ضد التيار الإسلامي الجديد، الذي بدأ يعلن عن نفسه في الجامعة وينشط في المساجد وخارجها في حركة بدت دعوية غير سياسية. وهذا مفصل مهم جدا في فهم التاريخ التونسي الحديث حيث لا يمكن تفكيك ما يجري الآن بعيدا عن تلك المرحلة المهمة.
لتوسيع بؤرة النظر نقول إن هذه المرحلة هي المماثل التاريخي لمرحلة أنور السادات في مصر التي هادن فيها جماعة الإخوان المسلمين، وتفرغ لمحاربة مراكز القوى المتبقية من عقد عبد الناصر وقد التقت تلك القوى معه في معاداة الشيوعيين. ففي تونس في ذات العقد (السبيعنيات) وتحت تأثير الحالة المصرية بنى اليسار سرديته التي لا تزال قائمة ومفادها أن النظام البورقيبي قد خلق التيار الإسلامي خلقا لمحاربة القوى التقدمية خاصة.
كانت حجتهم أن النظام قد سهل طريق التيار الإسلامي بطبع جريدتهم في مطابع الحزب، ولم يضيق عليهم في المساجد التي كانت تستقطب جمهورا غفيرا خاصة خطب الزعيمين المؤسسين الغنوشي ورفيقه عبد الفتاح مورو. لكن النظام كان يراقب خطاب الإسلاميين بحذر شديد ولم يكن حديثهم النقدي عن التغريب والفرنسة بلغة تكفيرية يروق له. لذلك لم يطل بينهما التغاضي فنشأ من داخل الحزب الحاكم تيار يعاديهم، وهو تيار يمكن وصفه بالعلمانية أو بالحداثة الليبرالية وهذا التيار سيلتقي سريعا مع تيارات اليسار المختلفة في ما بينها والمتفقة على معاداة الإسلاميين، ليتحدوا في حرب عليهم لا تزال مفتوحة. وهي التي تحكم تونس الآن وإن لم تنتظم في حزب واحد.
هذا اللقاء حصل فعلا بعد أحداث يناير/كانون الثاني 1978 التي قاد فيها الاتحاد العام التونسي للشغل ما يشبه التمرد النقابي بخطة يسارية تعمل على تحويل النقابات الصفراء إلى نقابات حمراء لقيادة الطبقة العاملة في ثورة بروليتارية على النمط اللينيني. شكل 26 يناير/كانون الثاني 1978 (الخميس الأسود)، حدثا فارقا في حد ذاته حين اصطدم الاتحاد العام التونسي للشغل بالنظام، وقد سقط مئات القتلى في الشوارع، في لحظة مفصلية لوعي اليسار التونسي. حينها أدرك قادة اليسار أن "الثورة البروليتارية" المسلحة أو العنيفة غير ممكنة في ظل دولة بوليسية قوية وجهاز حزبي دستوري متغلغل.
أفلح النظام الجديد في إخماد الحراك النقابي بسرعة وأضعف النقابة، فتيقن اليسار أن معارضة النظام بالأسلوب الثوري غير ممكنة. لقد تبين أن النظام البورقيبي قد ثبّت قدميه فلم يعد قابلا للإسقاط من خارجه. وهذه خلاصة ربع القرن الأول من حكم بورقيبية وحزبه.
هذه الفترة على قصرها (1978-1980) كانت مفصلية أيضا محليا وعالميا. فعالميا أُبرمت اتفاقية السلام المصري مع إسرائيل، وانقسم النظام الرسمي العربي بين رجعي خياني مطبع، وثوري صامد متصد. وانحاز النظام التونسي تقريبا إلى صف الرجعية العربية بما سهل وصمه. وفيها سقطت حكومة الهادي نويرة قائدة التحرر الاقتصادي، وفيها حدثت عملية قفصة المسلحة التي نظمتها مخابرات خارجية بواسطة عناصر تونسية مسلحة وهددت سلامة الدولة الجديدة.
وفيها كذلك قامت الثورة الإيرانية ونجحت، فبعثت موجة قوة في التيارات الإسلامية المختلفة وضخت فيهم خطابا سياسيا اجتماعيا لم يكن يرد على ألسنتهم، حيث أعلن الإسلاميون عن وجودهم السياسي المعارض بقوة ووضوح. وفي سنة 1981 طلبوا تشريع وجودهم السياسي الحزبي فانقسمت النخبة السياسية التونسية إلى معسكرين: معسكر يعمل تحت شعار (لا حرية لأعداء الحرية) يتحرك ضد الإسلاميين، ويضم تيارات اليسار المختلفة. وتيار حداثي من داخل الحزب الحاكم وتيار الإسلاميين، ويعطف عليهم بعض العطف تيار من الحزب الحاكم، يعتبر نفسه تيارا غير معاد للهوية العربية الإسلامية، ويقول بتأسيس الديمقراطية دون إقصاء الإسلاميين ويلتقي مع تيار معارضة لييبرالية تقوده جماعة الديمقراطيين الاشتراكيين.
في هذه الفترة أعاد بورقيبة الاعتراف بالحزب الشيوعي التونسي فقنن وضعه وأسقط عنه تهم الخيانة. واعترف بوجود أحزاب أخرى (حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وحزب الوحدة الشعبية (حزب وسط) والحزب الديمقراطي الوحدوي (أميل إلى التيار القومي العربي فيه مزيج من الناصرية والبعثية) والحزب التقدمي الاشتراكي (حزب يسار اجتماعي لا يتبنى الطرح السوفياتي ولا الماوي ولكنه يعمل على استقطاب مكونات من اليسار).
كانت تلك فترة الانفتاح السياسي والتدرج نحو الديمقراطية، لكنْ في داخل الخطة كانت هناك فقرة غير مكتوبة ولكنْ واضحة، مفادها: لا مكان للإسلاميين في هذه المرحلة، مهما كان الوجه الديمقراطي الذي يتقدمون به للمشاركة. فكل الأحزاب التي قنن وضعها لا تقترب من الإسلاميين إلا بقدر اقترابها من الطرح البورقيبي التحديثي، وهنا ستبدأ لعبة استعمال الإسلاميين الفاقدين للصوت القانوني في المسرحيات الانتخابية وتتحول إلى سيرة سياسية: الاقتراب من السلطة بموافقة من السلطة باستعمال صوت الإسلاميين الممنوعين من الكلام.
نجح اليسار، وخاصة فصيل "الوطنيين الديمقراطيين" (الوطد) ولاحقا "حزب العمال الشيوعي"، في السيطرة الميدانية المحكمة على الهياكل الوسطى والقاعدية للاتحاد العام التونسي للشغل، وتحديدا نقابات التعليم الثانوي والتعليم العالي والصحة والبريد والنقل (نقابات الوظيفة العمومية لا النقابات العمالية).
في سنة 1981 نظمت أول انتخابات تعددية في تونس برضا الزعيم العجوز وموافقته، مال فيها الإسلاميون إلى حركة الديمقراطيين الاشتراكيين فانكشف حجم تأثيرهم ووزنهم الانتخابي. فأحدث ذلك هزة سياسية نكص خلالها الحزب الحاكم والأجهزة الصلبة على أعقابهم فزيفوا النتائج وأفرغوا البداية الديمقراطية من كل مضمون (انظر تصريح الباجي قائد السبسي لقناة الجزيرة في حوار مع أحمد منصور) فتكتل كل معاد للإسلاميين حول الحزب الحاكم، وانقسم المجتمع السياسي التونسي إلى معسكرين: معسكر الحزب الحاكم وإليه انضم كل معاد للإسلاميين، ومعسكر الإسلاميين، وفي معيتهم كل من تسول له نفسه عدم إظهار العداء الجذري لهم. في هذه المرحلة وضع المقياس السياسي الاستئصالي (إن لم تعلن عداء للإسلاميين فأنت منهم وعليك وزرهم). وكان يترجم في الجامعة بشعار "لا حرية لأعداء الحرية".
في هذه المرحلة لم يرتد الحزب الحاكم عن مشروع الانفتاح فحسب، بل غيّر اليسار الراديكالي تحت تأثير الرجة الانتخابية، كل تكتيكاته السياسية فحول موقعه العملي من المعارضة الجذرية إلى التسرب داخل أروقة الحكم، في عملية تموقع ذكية ومحكمة ستوصف لاحقا "بالأنتريزم" أو الكمون والتغلغل والانغماس داخل السلطة. وفي نفس الوقت لم يتخلّ عن صوت معارض راديكالي يمثله في الجامعة بالخصوص، فتحقق أكبر مكسب لليساريين؛ تملك جزءا من مواقع القرار وحافظ على الطهارة الثورية أمام الشباب الطلابي وهو الحقل الذي يستقطب منه أنصارا ومؤيدين.
هل تم الأمر بتخطيط مسبق ضمن عمل منظم حول برنامج أم كان اجتهادا شخصيا قائما على تدبير فردي؟ هذه النقطة غامضة في التاريخ التونسي الحديث ولا نملك حولها معطيات. لا نميل إلى حديث المؤامرة لكنّ صفقة حصلت وظهرت نتائجها في الشارع. توقفت السلطة نهائيا عن مطاردة اليسار وتفرغ الجميع لمطاردة الإسلاميين.
وما سهّل امرار الصفقة، أن السلطة نفسها كانت محتاجة إلى نصير من خارجها، فالنخب البورقيبية تفرغت للكسب السريع من مواقعها في الإدارة وفي المراكز الاقتصادية. وقد بدأ اليسار يتغير عمليا من يسار ثوري إلى يسار الحزب الحاكم دون أن ينخرط فيه بل يحافظ على "طهارة ثورية" في الخطاب. بشعار "سحقا…سحقا للرجعية دساترة وخوانجية" هذا التطهر على حساب الحزب الحاكم لم يكن يزعجه فالأوراق مكشوفة والمهمة محددة لطرفي الصفقة.
جددت الصفقة خطاب النظام المتهالك اقتصاديا والفاشل اجتماعيا، في مواجهة معارضة إسلامية جذرية وشابة في الغالب، ولها خطاب يستمد من خطاب الثورة الإيرانية ضد الاستكبار العالمي، ويتبنى خطابا اجتماعيا أقرب إلى خطاب اليسار بإسناد ديني بتاريخ أبي ذر الغفاري الذي سيصير المقابل لتشي غيفارا. كان وصم "الخمينيين الجدد" يرافق وصم "الخوانجية" وعاش زمنا طويلا حتى تحول اليسار إلى موالاة النظام الإيراني بعد الثورة السورية.
في هذه المرحلة لم يلمع اسم يساري بجهد خاص، ولم تتبلور زعامة منهم، تقود الفصائل اليسارية المختلفة. كانت هناك أسماء وازنة ولكنْ لا زعامة تقودهم عبر برنامج يساري ثوري أو ديمقراطي. لدى اليساريين قدرة خارقة على تدمير كل طامح للزعامة عليهم. فرمز مثل حمة الهمامي ملأ السمع والبصر منذ أكثر من نصف قرن لم يضع نظرية ثورية ولم يوحد اليسار واكتفى بحزيب صغير كشفت الانتخابات بعد الثورة حجمه وانقطاعه عن العمال الذين تسمى باسمهم.
وفي الوقت الذي كانت فيه قيادات العمل الطلابي من الإسلاميين تُرحل إلى السجون، كان أقرانهم من اليسار يلتحقون بمواقع العمل المتقدمة عبر مناظرات الانتداب في التوظيف العمومي، تحت إشراف الجيل الأول من كوادر يسارية سيطرت على بوابات الدخول إلى الجامعة وبوابات التوظيف العمومي. مع خصوصية في الوضع التونسي نظن أن لها مثيلا في مصر أيضا. خلاصتها أن الرعيل الأول من الإسلاميين قد التحق بالكليات العلمية فتخرجوا مهندسين وتقنيين فوجدوا أنفسهم يعملون في مؤسسات تحكمها نقابات يسارية متفقة مع مديرين من اليسار فلم يحققوا معهم أي اختراق قيادي رغم كفاءتهم المهنية.
لذلك قد يكون من المفيد التساؤل عما إذا كان الاتحاد أداة لليسار أم العكس؟ الواقع يشير إلى علاقة تكافلية معقدة. فقد وفر اليسار للاتحاد كوادر أيديولوجية وميدانية شرسة قادرة على التنظيم، وصياغة اللوائح، وقيادة الإضرابات، ومواجهة بيروقراطية الحزب الحاكم. وبالمقابل، وفر الاتحاد لليسار مظلة حماية قانونية، وتمويلا ضمنيا لنشاطه السياسي، ومنصة جماهيرية للتأثير، وهو ما كان ضروريا لبقائهم في ظل الحظر السياسي.
مع وصول زين العابدين بن علي للسلطة في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، وإعلانه الحرب الشعواء على حركة النهضة في بداية التسعينيات، وجَد شق واسع من اليسار نفسه أمام خيار وجودي، إما التحالف مع الديكتاتور العسكري "المستنير" ضد "الظلاميين"، أو التمسك بالديمقراطية المبدئية مع الحضور الدائم لخطر صعود الإسلاميين؟
اختار جزء وازن من النخبة اليسارية "الخيار الأول"، وهو ما يمكن تسميته بـ"الصفقة الضمنية" أو "المساومة التاريخية" والتي حصلت فيها النخبة اليسارية على الأمن الثقافي والحماية من الأسلمة مقابل الصمت السياسي والتعاون المؤسساتي مع الديكتاتور ونظامه.
في هذا الوضع أحكم بن علي قبضته على السلطة فازداد التقسيم وضوحا. لقد عقد تحالفا صريحا بين الشق الحداثي في حزب بورقيبة (الحزب الدستوري) الذي صار حزب بن علي (حزب التجمع) واليسار المتنفذ. وكانت حكومات بن علي الأولى أغلبيتها وزراء من اليسار أو قريبة منه، وضمنت بمواقعها تحقيق هدفها الأسمى أو برنامجها الوحيد الذي تعمل على تحقيقه، وهو تصفية الخصم الإسلامي بواسطة أجهزة الدولة الصلبة. (عندما خرج الإسلاميون من سجون بن علي صرح أكثر من واحد في أكثر من موضع بأن جلاديهم كانوا زملاء الدراسة من تيار الوطد بالجامعة التونسية).
ويبرز نموذج وزير التربية محمد الشرفي، الذي تولى الوزارة بين 1989 و1994 كأحد أوضح الأمثلة على هذا التحالف. قام الشرفي، وهو المعارض السابق، بتنفيذ إصلاح تربوي جذري يهدف إلى "تحديث" المناهج، وإزالة النصوص الدينية التي "قد تغذي التطرف"، وتعزيز تدريس حقوق الإنسان والفلسفة واللغات الأجنبية وكان الشعار المرفوع تجفيف المنابع (منابع التدين التي يتغذي منها الإسلاميون).
تم هذا تحت حراب بن علي وفي ظل قمع أمني رهيب للإسلاميين. وكانت النتيجة أن الشرفي (واليسار الذي يمثله) أصبح في نظر قطاعات واسعة من الشعب المحافظ "أداة" بيد النظام لاستئصال الهوية، مما ضرب شعبيته الانتخابية لاحقا وجعله يبدو كجزء من "الدولة العميقة".
في هذه المرحلة تكرست أكثر مواقع اليسار، فقد تملكوا بلا مواربة مواقع الأمن والقضاء إلى جانب صنع الثقافة والتعليم، فتحولت وزارات كاملة إلى وقف يساري محرمة على الإسلاميين وعلى تيار الهوية في حزب الدستور. وهذه هي فترة اقصاء الإسلاميين السياسية من داخل وزارتي الداخلية والعدل ومن الجامعة ووزارات التربية والتعليم والثقافة. لقد توقف الإسلاميون عن البحث عن وظيفة أو عمل وصار همهم النجاة بجلودهم من المحرقة.
يمكننا القول رغم غياب الإحصاءات عن حراك النخبة اليسارية في هذه المرحلة، إن اليسار قد اختار طريقا واضحا يؤدي إلى نتيجة يبتغيها: وهي التخلي بوعي عن مشروع الحركة الجماهيرية والاتجاه إلى حيازة مواقع النفوذ والعمل الفوقي من وراء ستار لا يفضح الجانب المربك لديهم وهو معاداة ثقافة العامة ذات المرجعية الدينية.
وهذا الخيار حمى اليسار أولا من الآثار السلبية للتشتت التنظيمي، فلم تعد الصراعات البينية تعيق تقدمه. وثانيا جعله يتخلى عن فكرة صناعة زعيم رقم واحد يجسد المشروع ويجمع حوله شتات اليسار (فتخلى عن شخص مؤسس مثل أحمد نجيب الشابي الذي ظل فردا عاجزا عن بناء حركته الجماهرية رغم طموحه اللامحدود) فوجدت كل الرؤوس البارزة لها مكانا وغنيمة لكن بلا زعامة فارقة. هنا اتضح أسلوب عمل النخبة وهنا يمكن أن نُخضع المسار برمته لعلم اجتماع النخبة.
وفقا للباحثة بياتريس هيبو في كتابها "قوة الطاعة"، نجح نظام بن علي في خلق "ميثاق أمان" سُمح فيه لليسار "الثقافي" بالهيمنة على قطاعات الفنون (السينما، المسرح) والإعلام وجزء من الجامعة، بشرط عدم المساس بـ"شرعية" الرئيس أو منافسته سياسيا.
لقد منحت الساحة لمخرجين ذوي توجهات يسارية وحداثية (مثل النوري بوزيد، فريد بوغدير) ليتملكوا المشهد السينمائي بدعم وتمويل من وزارة الثقافة فأنتجوا أفلاما تقدم مناقشة التابوهات الجنسية والدينية على الاقتراب من قضايا العمال والمهمشين اجتماعيا، وهو ما عزز صورة تونس المنفتحة في الخارج، لكنه عمق الهوة مع "تونس المحافظة" التي رأت في هذه النخبة "مستغربين" يعيشون في أبراج عاجية. لقد كانت فترة لعبت فيها قناة فرنسا الثانية وقناة الأفق، الفرنسيتان دور الممول الرئيسي للسينما والفن في تونس.
سيلاحظ القارئ هنا أننا تجنبنا تفكيك الخطاب اليساري (وهو متعدد الألسن) واعتمدنا السيرة العامة الظاهرة من خلال مواقع الفاعلين في النظام. لأن الخطاب بكل بساطة ظل رومانسيا منتميا إلى العمال والفلاحين ويزعم النضال من أجلهم. علما أن المكتبة التونسية تفتقد إلى كتابات تونسية تنظيرية يسارية خالصة على غرار ما كان يصل من تنظيرات يساريين وقوميين مشارقة.
هناك لحظة استثنائية تكسر هذا التحليل ويجب الإشارة إليها. وهي لحظة 18 أكتوبر/تشرين الأول 2005، ففي خضم مرحلة كان فيها جزء من النخبة اليسارية قد استقر داخل مؤسسات الدولة أو في هوامشها المأذون بها، وظن الجميع أن الإسلاميين قد اندثروا إلى غير رجعة. هنا ظهرت مبادرة سُمّيت لاحقا "ائتلاف 18 أكتوبر/تشرين الأول للحقوق والحريات"، وبدأت عمليا بإضراب عن الطعام واعتصام في مكتب المحامي اليساري العياشي الهمامي بتونس العاصمة، قبل نحو شهر من انعقاد "القمة العالمية لمجتمع المعلومات" في نوفمبر/تشرين الثاني 2005. وفيها اجتمع لأول مرة يساريون وإسلاميون اجتماعا سياسيا. لكن هذا التحالف (اليساري الإسلامي) كان قصير العمر ولم يستثمر فيما هو أبعد من إحراج النظام لإعادة فتح ملف الحريات على الملأ، بدل أن يبقى نقاشا داخليا محاصرا.
لم تكن المبادرة تحالف أحزاب بالمعنى التنظيمي، بل كانت تجمعا رمزيا مقصودا يجمع أطرافا متنافرة ليقدم دليلا على أن المشكلة ليست خلافا أيديولوجيا بين معارضين، بل أزمة نظام سياسي يغلق المجال العام على الجميع. شارك في الإضراب 8 شخصيات من تيارات مختلفة، من بينهم أحمد نجيب الشابي (الحزب الديمقراطي التقدمي)، وحمة الهمامي (حزب العمال الشيوعي آنذاك)، وسمير ديلو (من حركة النهضة)، إضافة إلى أسماء مستقلة وحقوقية ونقابية مثل مختار اليحياوي (قاض)، والعياشي الهمامي، ومحمد النوري، وعبد الرؤوف العيادي (محامون)، ولطفي الحاجي (صحفي ونقابي). هذه التركيبة بالذات هي التي كسرت سردية "العداء الأبدي" بين الإسلاميين واليسار، لأنها وضعت الخصومة العقائدية جانبا لصالح هدف سياسي محدد. لكنّ عمرها القصير يثبت أن الخلاف أعمق من قدرة النخب اليسارية على التجاوز. لقد اشتغل شق من اليسار على تخريب إمكانات اللقاء فانسحب منه حمة الهمامي ولاحقا نجيب الشابي فتحولت الهيئة إلى ذكرى.
القيادي اليساري حمة الهمامي ترشح للرئاسة في تونس عن الجبهة الشعبية (الجزيرة)من الناحية الإستراتيجية، يمكن قراءة هذا التقاطع بوصفه إدراكا من شق واسع من "اليسار العقلاني أو المعتدل" ومن الحقوقيين المستقلين أن "فزاعة الخطر الإسلامي" كانت أيضا أداة وظّفها نظام بن علي لتبرير إغلاق السياسة كلها، لا لإقصاء النهضة وحدها. ولذلك جرى التعامل مع الإسلاميين هنا لا باعتبارهم شريكا فكريا أو حليفا سياسيا، بل باعتبارهم جزءا من معادلة مظلوميات القمع العام، بما سمح ببناء حد أدنى من العمل المشترك حول مطالب محددة مثل حرية التنظيم للجميع، وحرية التعبير والإعلام، وإطلاق سراح المساجين السياسيين.
لقد بني أمل كبير على لحظة "هيئة 18 أكتوبر" للتحول من حدث استثنائي فارق لا يتوقف عند حدث الإضراب بوصفه فعلا احتجاجيا، بل إلى بناء إطار حوار ينتج أوراقا ومواقف مشتركة حول قضايا كانت حتى ذلك الوقت حقول ألغام. وكانت قيمتها في ابتكارها لغة وسطى تصلح كقاعدة دنيا للتعايش السياسي، بحيث قبل الإسلاميون (على مستوى الصياغة السياسية) بمبادئ مثل حرية المعتقد، وقبل العلمانيون واليساريون بأن الهوية العربية الإسلامية جزء من المعنى الاجتماعي العام لتونس، من دون أن تتحول إلى أداة إقصاء. لقد هدم جزء من اليسار الراديكالي هيئة 18 أكتوبر لصالح نظام بن علي فعاش بعدها مرتاحا 5 سنوات.
دور اليسار الهدام لا يخفي أن التجربة بقيت محكومة بسقفها النخبوي. فقد كانت تفاهما بين قيادات "من فوق" أكثر منها مصالحة داخل القواعد الاجتماعية. فغالبا ما حافظت قواعد يسارية عديدة على ذاكرة التسعينيات وخطاب الاستئصال، كما لم تنس قواعد الإسلاميين أن النخبة الحداثية برّرت القمع أو صمتت عنه زمن تجفيف المنابع. لذلك لم تتحول الهيئة إلى ماكينة تعبئة جماهيرية، ولا إلى حزب جامع، بل ظلت مختبرا سياسيا لإنتاج "الحد الأدنى" الممكن. ورغم محدوديتها التنظيمية، فإن أثرها الطويل ظهر لاحقا بوصفها سابقة أثبتت أن العمل العابر للأيديولوجيا ممكن عندما تكون المعركة على قواعد اللعبة الديمقراطية نفسها، وهو ما جعلها تُستدعى بعد 2011 كمرجع أخلاقي وسياسي لفكرة التوافق ولو على نحو غير مباشر(وقد استعيدت نقاشات الهيئة في المجلس التأسيسي زمن كتابة دستور 2014).
سقط نظام بن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2011 لتسقط معه الجدران التي كانت تفصل السياسة عن المجتمع. وبمجرد أن فُتحت الساحة الانتخابية على مصراعيها، وجد اليسار نفسه في مواجهة مرآة قاسية بلا وزارة تحميه، ولا جهاز دولة يضخّم صوته، ولا نقابة لتحويل الرمزية النضالية إلى أصوات. وصار على اليسار المشغول بقضايا الهوية النخبوية أن يختبر نفوذه في ميدانٍ لا يعترف إلا بأعداد الناخبين.
جاءت أول صدمة مبكرا في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي (23 أكتوبر/تشرين الأول 2011). بينما حصدت حركة النهضة 89 مقعدا من أصل 217، خرج "القطب الديمقراطي الحداثي" بخمسة مقاعد فقط.
ثم جاء عام 2014 بما يشبه الذروة النسبية لليسار الموحّد. فقد حصدت الجبهة الشعبية 15 مقعدا، ودخلت البرلمان كقوة معارضة واضحة المعالم، وإن بقيت بعيدة عن قطبي المشهد الذي يمثله نداء تونس (86 مقعدا) وحركة النهضة (69). كانت تلك لحظة أثبتت أن توحيد اليسار يمكن أن ينقله من الهامش إلى موقع مؤثر في النقاش العام، لكنه لا يكفي وحده ليجعله قوة حكم.
في انتخابات 2019 اختفى اليسار بمسمياته المعروفة من البرلمان وتقدمت قوى أخرى تسربت إليها أسماء يسارية مثل حزب الفاشية عبير موسي لكنّ قناعة ثبتت: اليسار لا يخوض المعارك الانتخابية باسمه الحقيقي لقد أيقن أن لا علاقة له بالشارع والجمهور.
ثمّة استعارة تُساعد على فهم علاقة اليسار التونسي بالدولة. تخيّل "شقة عزّاب مفروشة": أثاثها مستعمل، مطبخها مكتظ بأوانٍ لم تُغسل منذ أيام، وأركانها تعجّ بفوضى يعرفها الساكنون جيدا. يتحركون داخلها بصعوبة، يتشاجرون على من يرتّب الفوضى ومن ينظف الأواني، لكنهم يتفقون فورا ضد أي دخيل قد يشاركهم السكن أو يطالبهم بإعادة ترتيب المكان. هذه الفوضى لا تمنعهم من حماية فضائهم الخاص، بل تتحول إلى نوع من الراحة، فالفوضى هنا مألوفة، محكومة بعرف غير مكتوب، ومحمية من كل إعادة توزيع للسلطة داخل الشقة.
هذه الاستعارة، على قسوتها، تُستعمل هنا لتوصيف نمط نفوذ لا يعتمد على قواعد انتخابية واسعة بقدر ما يعتمد على مواقع داخل جهاز الدولة، وعلى إنتاج الشرعية الثقافية وتحديد ما يُعدّ "تقدما" وما يُعد "رجعية". في هذا النموذج تصبح "الشقة" هي فضاء المؤسسات: الإدارة، التعليم، الثقافة، الإعلام، النقابات المهنية والطلابية. أما "الدخيل" الذي يتوحد ضده الساكنون في رواية كثير من الحداثيين واليساريين فهو الإسلاميون، سواء كانوا فاعلين في المجال العام أو محاصرين في السجون أو مُقيّدين في هوامش السياسة. الفكرة ليست أن اليسار "صار الدولة" حرفيا، بل إن حضورا يساريا واسعا، بتعبيرات متعددة ومتناقضة أحيانا، استقر في مفاصل الدولة وراكم داخلها رأس مال رمزيا ومعرفيا جعله قادرا على التأثير حتى حين ضعف تمثيله الشعبي.
لكنْ هل "تهديد الإسلاميين" تهديد واقعي قائم بذاته، أم أنه تحوّل مع الوقت إلى مادة سياسية يجري شحنها وإعادة تدويرها لتثبيت توازنات قائمة؟ هنا ينقسم التفسير. هناك من يرى أن الإسلاميين مثّلوا، تاريخيا، خطرا فعليا على نمط التحديث البورقيبي وعلى شبكات الدولة المدنية، ولذلك تشكّل تحالف موضوعي بين الدولة ونخب حداثية لمواجهتهم. وهناك من يرى أن هذا "الخطر" صار، مع الزمن، عنصرا لاصقا يضمن تماسك جبهة واسعة داخل الدولة، ويبرر إغلاق السياسة وتأبيد الأمر الواقع، بما يحول الطرفين إلى قوة محافظة بالمعنى السوسيولوجي، فأي قوة تحمي نظام الامتيازات القائم وتقاوم تغير قواعد اللعبة، وبالضرورة تتحفظ على الديمقراطية حين تقود الديمقراطية إلى نتائج لا تريدها.
لذلك فإذا أردنا فهم كيف يتحول تيار سياسي قليل القاعدة الانتخابية إلى نفوذ مؤسسي واسع، فليس أمامنا إلا النظر في خريطة الوظيفة العمومية ومهن الطبقة الوسطى: التعليم، القضاء، المحاماة، الإعلام، الثقافة، الإدارة. هذه هي ميادين إنتاج رأس المال الثقافي. نتحدث هنا عن المعرفة، واللغة، والذوق، والشهادة، والقدرة على تعريف ما هو شرعي وما هو غير شرعي. من يسيطر على هذه الموارد يستطيع التأثير في المجتمع دون أن يملك المال أو الأغلبية العددية.
في هذا السياق تبدو "الشقة المفروشة" أقل فوضى مما تبدو عليه. صحيح أن النزاعات داخلها كثيرة، وأن الخلافات بين اليسار الراديكالي واليسار الإصلاحي والقوميين لا تتوقف، لكنّ قواعد الاشتباك داخل المؤسسات تمنح الجميع مساحة للحركة، وتمنح بعضهم قدرة على تعطيل الآخرين أو تحجيمهم. النقابة هنا ليست مجرد هيكل دفاع عن الشغيلة، بل يمكن أن تتحول إلى "رافعة" في الصراع على المواقع، وإلى أداة تفاوض سياسي لا تُعلن دائما على هذا النحو. لهذا يذهب منتقدون إلى القول إن جزءا من العمل النقابي يُستعمل أحيانا في معارك تتجاوز المطالب المهنية المباشرة نحو إعادة ترتيب التوازنات داخل الدولة والمجال العام.
في المقابل، يرى مدافعون عن هذا التقليد أن النقابة، في تونس، ليست "ملحقا يساريا" بل هي مؤسسة لها منطقها البيروقراطي واستقلاليتها ومصالحها. بمعنى آخر، النقابة قد تستخدم اليسار كما يستخدم اليسار النقابة. فالمنظمات الكبيرة تسعى إلى البقاء، والبقاء يحتاج شبكة كوادر وإدارة وخطابا يُقنع القواعد. هنا يصبح السؤال: من يوظف من؟ هل الاتحاد العام التونسي للشغل أداة في يد التيارات اليسارية؟ أم أن هذه التيارات مجرد خبرات بشرية تحتاجها النقابة لتستمر بوصفها جهازا ضخما قادرا على الضغط والتفاوض؟
مظاهرة لأعضاء الاتحاد العام التونسي للشغل في تونس يوم 21 أغسطس/آب 2025، لدعم إضراب في قطاع النقل (رويترز)السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان اليسار "مخططا" أم "متآمرا"، بل ما الذي جعل هذا المسار منطقيا داخل شروط تونس السياسية والاجتماعية؟ هناك ثلاثة عناصر كبرى تساعد على الفهم.
العنصر الأول هو السياق الدولي: انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع الشيوعية العالمية في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، لم يكن حدثا بعيدا عن تونس. كثير من الأحزاب اليسارية في العالم أعادت تعريف نفسها في الفترة نفسها، انتقل الخطاب من "يسار عمالي" إلى "يسار حقوقي ثقافي" يركز على قضايا الحريات والمرأة والمجتمع المدني والبيئة. هذا التحول لم يكن دائما اختيارا فكريا صافيا، بل كان تكيفا مع زمن جديد فقدت فيه الأيديولوجيا الشيوعية جاذبيتها. هنا برزت قدرة الشبكات على التكيف الضامن للمنفعة.
بعد اغتيال شكري بلعيد حاول رئيس الوزراء حمادي الجبالي (يمين) مع الحزب الديمقراطي التقدمي اليساري وزعيميه نجيب الشابي ومايا الجريدي تشكيل حكومة ائتلافية بلا جدوى (الفرنسية)العنصر الثاني هو القاعدة الاجتماعية: فكثير من كوادر اليسار التونسي خرجت من الطبقات الشعبية عبر الجامعة إلى الطبقة الوسطى والوسطى العليا عبر الوظيفة العمومية والمهن الحرة. هذه الطبقة، في المجتمعات غير الديمقراطية، (بل في الكراسات الماركسية نفسها حول الياقات البيضاء أو البرجوازية الصغرى) تميل عادة إلى تفضيل الاستقرار على المغامرة السياسية، لأن الاستقرار يحمي رواتبها ومكانتها وشبكاتها. وحين تكون القاعدة "وسطية" من حيث الموقع الطبقي، يصبح بناء حركة جماهيرية واسعة أكثر صعوبة (أو هي مغامرة غير محسوبة)، لأن العلاقة مع الفئات الشعبية لا تنشأ تلقائيا، بل تحتاج تنظيما ميدانيا دائما.
العنصر الثالث هو طبيعة المجال السياسي التونسي في زمن بورقيبة وبن علي. كان التضييق على التعددية وعلى العمل الحزبي شديدا وفي ظل هذا التضييق، يصبح النفوذ من الداخل منفذا للبقاء السياسي، ولو على حساب بناء قاعدة شعبية. هنا تُفهم التضحية العملية بـ"اليسارية" الاقتصادية لصالح نخبوية ثقافية، باعتبارها تكيفا مع ممرات سياسية ضيقة.
من المهم أيضا فهم كيف تحولت قضايا النوع الاجتماعي وحقوق المرأة إلى مركز ثقل في الخطاب الحداثي واليساري في تونس، بخاصة منذ التسعينيات. هذا التحول أيضا ليس خاصا بتونس، وهو جزء من انتقال عالمي داخل اليسار من خطاب الصراع الطبقي إلى خطاب الحقوق الثقافية والاجتماعية. في الحالة التونسية، عززت الدولة البورقيبية إرثا حداثيا قويا في قوانين الأسرة والتعليم، وصار هذا الإرث موردا رمزيا تستثمره النخب. كما أن هذا الملف يضع الإسلاميين دائما في موقع دفاعي، سواء بسبب التفسيرات التقليدية للتراث أو بسبب الصورة التي رُسمت عنهم في المجال العام.
بيد أن هذا التركيز نفسه كشف تناقضات، لأن المعركة على الهوية والرموز قد تغطي أحيانا على الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية الكبرى. فماذا عن البطالة، والتنمية غير المتوازنة بين الريف والحضر، أو الفوارق الجهوية؟ وعندما اندلعت ثورة 2011 من رحم مطالب اجتماعية، وجد كثيرون أن جزءا من النخب كان أكثر استعدادا لخوض معارك الهوية من خوض معارك الاقتصاد السياسي.
ويبقى السؤال: هل ينتهي اليسار؟ اليسار، بوصفه شبكة نفوذ لا مجرد كتلة انتخابية، لا يمكن أن يختفي بسهولة. قد يتراجع انتخابيا، وقد ينهار حزبيا، وقد يتشظى تنظيميا، لكنه يظل قادرا على إعادة إنتاج نفسه عبر مؤسسات الدولة والمجال الثقافي والنقابي. هذا يمنحه قدرة على البقاء من دون "انتصار انتخابي". لكن السؤال الأعمق هو هل يستطيع هذا النمط من النفوذ أن يظل مقنعا لجمهور يعيش أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة؟ النفوذ الرمزي قوي، لكنه لا يملأ بطون الناس ولا يخلق وظائف، وإذا لم يُترجم إلى سياسات عامة تُخفف الإحباط الاجتماعي، فإن الشرعية الرمزية نفسها تتآكل.
ثم إن غياب "الزعيم" ليس مجرد صدفة. يمكن النظر إليه بوصفه نتيجة طبيعية لهيمنة منطق الشبكات على منطق القيادة الكاريزمية. فالزعيم قد يجلب الشعبية، لكنه يجلب أيضا المخاطر مثل التصفية السياسية، والاستقطاب الحاد، وتحمّل المسؤولية المباشرة (وهو ما يصيب الإسلاميين في كل عملية تصفية أمنية للقيادات). أما الشبكة فتنجو غالبا لأنها موزعة كتفرق الدم بين القبائل، ولأنها قادرة على تغيير الأقنعة، ولأنها تعيش في "الشقة المفروشة" التي تعرفها جيدا.
إن مستقبل اليسار التونسي رهين بحدوث "قطيعة معرفية" مع إرثه النخبوي، والعودة إلى الجغرافيا الغاضبة في الدواخل والأحياء الشعبية، ليس كمعلم ومؤدب، بل كمتعلم وممثل حقيقي لهموم الناس، بعيدا عن وصاية الدولة أو استعلائية المثقف.
لهذا قد يكون الاستنتاج الأقرب إلى واقع تونس هو أن اليسار التونسي لا يعيش أزمة وجود فقط، بل يعيش أزمة تعريف. هل هو يسار المجتمع الذي يخوض معارك العدالة الاجتماعية والتنمية والفئات المهمشة؟ أم هو "يسار الدولة" الذي يحرس رأس المال الرمزي ويعيد إنتاج شرعية الحداثة داخل المؤسسات؟
وإذا كان "الدخيل" الذي يوحد الساكنين قد كان تاريخيا هو الإسلاميون، فماذا يحدث حين يتغير شكل "الدخيل" أو حين يصبح الخطر الحقيقي اقتصاديا واجتماعيا لا هوياتيا؟ عند هذه النقطة تحديدًا، قد تكتشف "شقة العزّاب المفروشة" أن الفوضى لم تعد مريحة، وأن حراسة المكان لم تعد كافية، وأن إعادة ترتيب الشقة، مهما كانت مؤلمة، صارت ضرورة للبقاء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة