في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشفت ورقة بحثية نشرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات عن 3 فرضيات تكشف طبيعة التحول في السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب خاصة ما يتعلق بروسيا، المنافس التقليدي للولايات المتحدة.
فقد اتسمت العلاقات الأميركية الروسية بالتنافس السلمي في اتجاها الأعظم، ولم يخل الأمر من استخدام الأدوات الناعمة أو الخشنة أحيانا لتحقيق الضغط المتبادل، لكن وصول ترامب للحكم شكّل تراجعا واضحا في حدة التنافس بين البلدين، وتعزز ذلك أكثر مع عودته للحكم مطلع العام الحالي.
وجاء في الورقة البحثية التي عنوانها "ترامب وإشكالية التحول في العلاقات الروسية الأميركية" أن هناك سهام نقد توجه لسياسة ترامب تجاه روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين ، وما ترتب على ذلك من تصدع في جبهة التحالف الغربي ضد روسيا، ثم القلق على مدى تماسك حلف شمال الأطلسي ( ناتو ) وتوجهاته الجديدة.
وشكَّل لقاء القمة الأميركي الأوكراني في واشنطن أواخر فبراير/شباط الماضي تكريسا لتوجه جديد تبنته الولايات المتحدة تجاه روسيا التي تمثل خصمها التاريخي، فقد أبدى ترامب ملاحظات علنية ناقدة وحادة لسياسات أوكرانيا ورئيسها فولوديمير زيلينسكي تجاه روسيا.
فقد انصب النقد الموجه لترامب -عقب هذا اللقاء- على تجاوز التقاليد الدبلوماسية في إدارة الحوار والتفاوض وبشكل علني، ناهيك عن قواعد الحوار الدبلوماسي من حيث المفردات المستخدمة ولغة الجسد والاتهام الواضح للرئيس الأوكراني، ثم إلغاء مؤتمر صحفي كان من المقرر عقده بعد اللقاء.
ولتفسير هذا التحول الأميركي تجاه روسيا، يضع معد الورقة البحثية الدكتور وليد عبد الحي 3 فرضيات أساسية، ومنها:
العودة إلى نموذج "ويستفال" لمواجهة أعباء العولمة: وعن هذه الفرضية، يقول الدكتور عبد الحي إن أغلب الباحثين في الشأن الأميركي يُقرون بصعوبة التصنيف الأيديولوجي لترامب، لكنهم يميلون لربطه بتيار "المحافظون القدامى" الذي يجمع بين النزعة الأبوية المحافظة والوطنية (أو القطرية)، والأخلاق المسيحية، ويركز في السياسة الخارجية على الحمائية التجارية، ومعارضة العولمة، وضبط التدخل العسكري، وجعل المصلحة القومية تعلو غيرها.
وتدلل الورقة البحثية على هذه الفرضية بعدة صور:
ويضيف عبد الحي أنه تجسيدا لهذه الفرضية تمّ طرح توجهات أميركية جديدة مع روسيا، مثل عدم تحميلها مسؤولية الحرب في أوكرانيا، بل تعود المسؤولية للاتجاه السياسي الذي يتبناه الرئيس الأوكراني، وهو ما اتضح في المشادة الكلامية التي وقعت في البيت الأبيض نهاية فبراير/شباط 2025، والتي تضمنت التراجع الأميركي عن استمرار تحمل عبء الدعم لأوكرانيا.
وخلاصة هذه الفرضية تقوم على أساس أن سياسة ترامب تجاه روسيا تعد تجسيدا لنزعة محافظة تسعى لتجنب مواجهات عسكرية كبرى ومكلفة مع روسيا، وإخضاع أوروبا لمزيد من التنازلات لصالح أميركا، وتعزيز المصالح الأميركية القُطرية قبل أي مصلحة دولية أخرى، وتكييف التجارة الدولية والمؤسسات الدولية لصالح أميركا، فترامب معني بالدولة الأميركية لا بالإمبراطورية الأميركية.
تشكل نظرية المؤامرة الفرضية الثانية في بيان التحول الأميركي في العلاقة مع روسيا في عهد الرئيس ترامب، وتعتمد هذه الفرضية على بعض الدراسات والتقارير التي تشير إلى أن هناك علاقة بين ترامب والأجهزة الأمنية الروسية، وأنه "يعمل ومنذ فترة طويلة مع المخابرات الروسية"، وأن الروس تمكنوا من تجنيده.
وتشير الورقة البحثية إلى بعض السمات الشخصية لترامب التي يمكنها دعم هذه الفرضية، ومنها:
وبالإضافة إلى ما سبق، يسوّق معدّ الورقة عدة مشاهدات يمكن أن تمثل أساسا يدعم الرأي المؤيد لنظرية المؤامرة، ومن ذلك:
وتعد رغبة ترامب في إضعاف الصين هدفا أساسيا للسياسة الأميركية في عهده، وتدل أدبياته الإستراتيجية على نزوع حادٍ للعمل ضدّ الصين، لذا فإن تقربه من روسيا يستهدف الإضرار بالصين طبقا لهذه الفرضية، وتبدو توجهات ترامب في المظاهر التالية، حسب ورقة مركز الزيتونة:
لكن الدكتور عبد الحي يذهب في بحثه إلى أن هذه الفرضية تحمل نقاط ضعف في طياتها، إذ إن إيجاد صدع في العلاقة الروسية الصينية يحتاج فترة لإنجاز هذه الإستراتيجية، في ظل عمق العلاقات الروسية الصينية الثنائية، وعبر التنظيمات الدولية مثل بريكس وشنغهاي، وهذه الفترة ستكون أطول كثيرا من 4 سنوات التي سيحكم فيها ترامب، وهو ما يجعل قدرة هذه الإستراتيجية على الاستمرارية موضع شك.
تبدو الفرضية الثالثة "إضعاف الصين" هي الأضعف بين الفرضيات الثلاث، بينما تتوازى الفرضيتان الأخريان في وجاهة ركائزهما.
فالفرضية الأولى تمثل في النزعة الوطنية واضحة المعالم في توجهات ترامب، ويشاطره قطاع مهم من المجتمع الأميركي العداء للعولمة، ويبدو أن النزعة البراغماتية في العقل الأميركي تُعزِّز هذه الفرضية.
أما معطيات الفرضية الثانية، سواء أكانت بالمؤامرة أم بالتواطؤ، فإنها تمتلك شواهد ليس من اليسير رفضها، خاصة أنها من مصادر مختلفة، وذات معطيات يمكن أن يتم تبنيها، وتتعزز احتمالات هذه الفرضية بمؤشرات وركائز عديدة وتتبناها جهات رسمية أمنية وأكاديمية.
ويبقى العامل المشترك في كلّ ما سبق هو توصيف ترامب بأنه شخص يصعب التنبؤ بردود فعله، بناء على دراسات عديدة عن شخصيته، وهو ما قد ينطوي على احتمال وقوع مفاجآت مختلفة لترامب نفسه أو لحكومته أو للمجتمع الأميركي ذاته، حسب ما جاء في الورقة البحثية.