بدأت فترة الرئاسة الثانية لدونالد ترامب في البيت الأبيض على وقع سيل من القرارات واسعة النطاق، عكست ما بدا سلطات مذهلة. واسترسل ترامب في تصريحاته، وكان للخصوم كما للحلفاء نصيبٌ منها.
وبدا أن القرار "الترامبي" يدشن تحولات سياسية، كما يغير خريطة التحالفات، ليفاجئ العالم ويقلب الموازين المعتادة.
لم تختلف تصريحات وقرارات ترامب على صعيد السياسة الخارجية عن نهجه الداخلي، إذ لوّح الرئيس الأميركي بالانسحاب من اتفاقيات وتحالفات دولية، وبالتراجع عن قرارات سلفه جو بايدن، عبر إصدار أوامر تنفيذية.
إن الأوامر التنفيذية تحمل قوة القانون وتستمد شرعيتها من المادة الثانية في الدستور الأمريكي، وهي بمثابة توجيهات رسمية يصدرها الرؤساء مع بداية ولاياتهم لترسيخ توجهات إداراتهم الجديدة. ولكن، هل كل الأوامر التنفيذية المسطَّرة قابلة للتحقق؟
إن المحاكم الأمريكية يجوز لها النظر في الأوامر التنفيذية، وتملك سلطة المراجعة القانونية.
يتميز التنظيم القضائي في الولايات المتحدة بوجود محاكم تعمل على مستوى الولايات، إضافةً إلى المحاكم الفيدرالية التي تمارس سلطاتها على مستوى عموم البلاد. وتعد المحكمة العليا قمة هرم القضاء الفيدرالي، إذ كفل الدستور الأمريكي إنشـاءها.
تصل أغلب القضايا إلى المحكمة العليا عبر تسلق سلم الاستئناف، وقد تكون لها الكلمة الأخيرة بخصوص العديد من أوامر الرئيس الأمريكي التنفيذية إذا ما استحكم النزاع القانوني حولها.
كما أنها تلعب دورًا محوريًا في ضمان التزام كل جناح من أجنحة السلطة—التشريعية والتنفيذية والقضائية—بحدود سلطته.
إن ترامب حتمًا سيقصدها نظرًا للإشكاليات والصعوبات التي بدأت تعيق طريق أوامره التنفيذية.
وصوّتت المحكمة العليا، بالفعل، في أول حكم مهم لها بشأن قضية تشكل تحديًا لترامب، لصالح تأييد حكم محكمة أدنى، ورفضت تجميد إدارة ترامب نحو ملياري دولار من مدفوعات المعونة الخارجية.
يقول الديمقراطيون إن ترامب خالف الدستور في هذا الصدد، لأنه لم يحصل على تفويض من الكونغرس. وقد شرعت النقابات العمالية بالفعل في تحدي القرار على هذا الأساس، وسعت للحصول على أمر بمنع ما تقول إنها "أفعال تتجاهل الدستور والقوانين"، وخلقت "أزمة إنسانية عالمية".
أُطلقت الدعوى القضائية، التي رُفعت في محكمة فيدرالية في واشنطن العاصمة، ضد ترامب ووزارتي الخارجية والخزانة كمدعى عليهم، وقد حكمت المحكمة بشكل مبدئي بإيقاف قرار ترامب بتجميد المساعدات الخارجية الأمريكية، وإنهاء برامج وكالة المعونة الأمريكية "يو إس إيد"، وإيقاف موظفيها.
الوكالة التي تم حجب مساعداتها تنشط، وفق ما هو مذكور على موقعها، في أكثر من 100 دولة، بينها مصر والعراق والأردن ولبنان وتونس والمغرب والضفة الغربية/غزة، بالإضافة إلى ما تقدمه عبر شركائها في بلدان تعاني من أزمات ولا توجد بها بعثات، مثل سوريا وليبيا واليمن.
جمد ترامب أموال الوكالة حتى ينتهي من تقييم خفض الإنفاق الحكومي، وتوفير "مدفوعات باهظة"، وإصلاح التوظيف الفيدرالي، وفق ما أُعلن من جانبه.
ويقول الصحفي المتخصص في الشأن الأمريكي، إيهاب عباس، لبي بي سي: "القرارات التنفيذية بمثابة سلطة الرئيس، لكن إن شابها العوار قانونيًا، يكون على المتضرر منها اللجوء إلى القضاء. وطبقًا للقانون، يتوجب تنفيذ حكم القضاء حتى وإن صدر في غير مصلحة المدعى عليه، وهو الرئيس في هذه الحالة. لكننا نواجه هنا مأزقًا قانونيًا آخر، ألا وهو التصميم الدستوري القائم على الفصل بين السلطات الثلاث، وتدخل القضاء في السلطة التنفيذية. وفي هذه الحالة، وكما فعل ترامب، فإنه يلجأ إلى المحكمة العليا، لأنها تفسر أي غموض في النص، وتحل المنازعات، وتنظر في دستورية القوانين، وقد تنصفه أو تؤيد القرارات القضائية الصادرة بحقه."
يمكن للمحكمة العليا النظر في عدد كبير من الإشكاليات الداخلية والخارجية، بشرط وجود دعوى منظورة أمامها. وهي تفصل في مدى توافق القرار الصادر أو الخطوة المتخذة من قبل السلطتين التشريعية أو التنفيذية مع أحكام الدستور، وذلك بعد الطعن فيها قضائيًا.
ولا يتم انتخاب قضاة المحكمة، بل يُعيّنهم الرئيس الأمريكي، ويخضعون لجلسات استماع وموافقة من مجلس الشيوخ. ويشغل هؤلاء مناصبهم مدى الحياة، حتى وفاتهم أو تقاعدهم الطوعي، ولا يمكن استبعادهم إلا عبر عملية مساءلة وإدانة من الكونغرس، وهي عملية نادرة جدًا في التاريخ الأمريكي، لذا يكون ذلك الصرح عادة محل تجاذبات بين الحزبين السياسيين الرئيسيين، الديمقراطيين والجمهوريين، لأنه من أقوى مؤسسات البلاد.
خلال ولايته الأولى، عزّز دونالد ترامب الأغلبية المحافظة في المحكمة العليا عبر تعيين ثلاثة قضاة محافظين، مما أدى إلى ترجيح كفة المحافظين.
وبعد تولي جو بايدن الرئاسة، أعاقت المحكمة العليا بعض قراراته.
ويتعين على المحكمة العليا أن تؤدي دورها بعيدًا عن أي استقطابات أو ضغوط سياسية، فهي حارس القوانين الأمريكية والمشرف عليها، ومن هنا تكتسب أهميتها. ويرى مراقبون أنها في هذه المرحلة الدقيقة تواجه اختبارًا حقيقيًا، آملين أن تنتصر للدستور ومبادئه، وألّا تفسح المجال لتركيز السلطة.
وبحسب ضياء الرويشدي، المختص في القانون الدولي والدستوري، فإن القرار أو الأمر التنفيذي يخضع لتفسير المحكمة، ويظل مقيدًا بحدود الدستور ومدى الامتثال التنفيذي لأحكامه، ولصلاحيات الرئيس كما أوردها الدستور، سواء كانت مشتركة مع السلطات الأخرى أو انفرادية.
"التاريخ الأمريكي فيه أمثلة لرؤساء تحدوا المحكمة العليا، مثل أندرو جاكسون، الذي يذكرني في توجهاته كثيرًا بترامب، وأيضًا فرانكلين روزفلت، الذي دخل في شدّ وجذب مع المحكمة العليا عندما أعلنت عدم دستورية بعض مشاريعه، فهدد بزيادة عدد قضاتها."
عندما طرح دونالد ترامب فكرته عن ترحيل جميع سكان غزة في إطار مشروع "ريفيرا الشرق الأوسط" وملكية أمريكية "طويلة الأمد" للقطاع، تواردت ردود الفعل الدولية والقانونية المنددة بخطة ترامب بوصفها انتهاكًا للقانون الدولي.
وفي بيان صدر عن الخبراء الأمميين، حذر هؤلاء من أن خطاب ترامب من شأنه "كسر المحرمات"، محذرين من عواقب بعيدة المدى. لاحقًا، قال ترامب إنه لا يعتزم إجبار سكان غزة على الرحيل.
لكن ماذا لو قرر ترامب أن يتراجع عن حديثه ويمضي قدما في خطته لترحيل سكان غزة؟
يشير مفهوم الردع عبر المجتمع الدولي حسب موقع الصليب الأحمر إلى الردع الذي تشكله المنظمات الدولية لضبط السلوك الدولي وحفظ السلم والأمن.
وقد أعرب الخبراء الأمميون كذلك عن انزعاجهم من تمرير مشروع قانون في مجلس النواب الأمريكي يسعى إلى فرض عقوبات وخفض تمويل المحكمة الجنائية الدولية، التي كانت قد أصدرت مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوأف غالانت على خلفية تطورات حرب غزة.
وقال هؤلاء: "من المذهل أن نرى دولة تعتبر نفسها بطلة لسيادة القانون تحاول إحباط تصرفات محكمة مستقلة ومحايدة أنشأها المجتمع الدولي... إن التهديدات ضد المحكمة تعزز ثقافة الإفلات من العقاب وتسخر من السعي المستمر منذ عقود لوضع القانون فوق القوة."
إن القرارات التنفيذية تصطدم هنا بأسس القانون الدولي. فما هو وقع التنبيه الأممي المتكرر على القيادة الأمريكية التي تميل إلى اتخاذ حلول غير اعتيادية؟
"إن ترامب جدلي بل من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في الساحة السياسية الأمريكية، لأن قراراته أثرت في هوية وصورة الولايات المتحدة الداخلية والخارجية، وهو يعيد تعريف تحالفات محورية منذ الأجداد."
وأكمل الرويشدي شارحًا أن النهج الأمريكي متفرد من ناحية تفسير وإعمال القانون الدولي.
"القوانين الدولية ليست جزءًا من مجموعة القوانين الداخلية الراسخة، وتلك الأخيرة هي التي يحاسب الرئيس بموجبها. ويتم الاعتداد بأحكام القانون الدولي حيثما يكون هناك تلاقي بينها وبين القانون المحلي."
وأضاف الرويشدي لبي بي سي أن "العلاقات الخارجية، لأنها تتضمن أسئلة سياسية بحتة، فقد تتردد المحكمة العليا في البت فيها، وسيبقى على الدول المتأثرة من تغيير ما أحدثه الرئيس على مستوى سياسة بلاده الخارجية اللجوء إلى المنظومة الدولية أو المحاكم المختصة بتسوية النزاعات ذات الطابع الدولي."
كما أن هناك أغلبية يمينية في المحكمة العليا، يعمل كونغرس العهد الثاني للرئيس ترامب، بمجلسيه النواب والشيوخ، منذ انتخابات 2024 العامة، بأغلبية جمهورية ولكنها أغلبية ضئيلة.
لكن تلك الأغلبية البسيطة ستظل دائمًا معلقة بنتائج أي انتخابات فرعية، مما قد يغير توازن القوى في أي لحظة إما بسبب وفاة أو استقالة الأعضاء.
ويسعى ترامب، الذي يمثل صعوده انتصارًا للجناح اليميني في الحزب الجمهوري، إلى تسويق ذلك الفكر في السياسة العالمية، بمواقفه الشعبوية والحمائية والانعزالية والقومية، وهو يقوم بذلك كمن يدشن لعلامته التجارية الجديدة الخاصة.
ستشكل رئاسة ترامب الثانية اختبارًا على مدى ولاء الجمهوريين على جميع مستوياتهم لزعامته وإدارته، ومن شأن أي صدام حزبي أو استقطاب وانقسام أن يفتت الكتلة النيابية ويفقده البيئة التشريعية المساندة.
ومع كل دورة تشريعية، تبدأ ما تسمى بـ "جماعات الضغط المحترفة" (أو اللوبي) حملات إعادة تعريف وتحديد الأولويات، بحسب تعريف وكالة بلومبرغ.
لكن أعضاء الكونغرس يعتمدون في الوقت نفسه على سجل نتائجهم السياسية الشخصية لإعادة انتخابهم في دوائرهم. ودعمهم للرئيس سيعتمد على عدم تعارض مصالح الأخير وآفاق إعادة انتخابهم. وقد كانت هناك تحركات رافضة لمقاربة غزة في الكونغرس من المعارضة الديمقراطية، كما يوجد بين المشرعين الجمهوريين من لم يتوافق معها.
ويمنح الفصل الأول من الدستور الأمريكي الكونغرس، الهيئة التشريعية الفيدرالية في البلاد، على وجه التحديد، سلطة سن القوانين. ومثلما يستأثر الكونغرس بحق التشريع، فإن له أيضًا سلطة إعلان الحرب وإرسال القوات للخارج، وفق ما ورد في "بند صلاحيات الحرب"، مما يعني أنه لا ينبغي لشخص واحد (أي الرئيس) أن ينفرد بقرار الحرب دون موافقة الكونغرس بشكل أو آخر. ولكن بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أجاز الكونغرس للرئيس ما يعرف بـ (AUMF)، وهو اختصارٌ لتفويض استخدام العمل العسكري والمقترن بمحاربة العدوان بالإجراءات التي يتعين اتخاذها وتحديد من تستهدف، وليس بالضرورة أن تكون دولة بل وكيانات وأفراد.
يختلف ذلك عن إعلان الحرب التقليدي في أنه يحد من استخدام الرئيس للقوة العسكرية الكاملة، على حد ما يرد في هذا الصدد. تم استخدام ذلك التفويض في كل من أفغانستان، العراق، واليمن، ومنذ استحداثه قُدمت مقترحاتٌ متعددة لسحبه، وصولًا إلى ساكن البيت الأبيض قبل ترامب، جو بايدن، الذي دعم إلغائه.
لعقود من الزمان، مثل ذلك الأمرُ نقطةَ خلاف بسبب ما ينظر إليه على أنه "الصياغة مفتوحة التفسير" للدستور الأمريكي، والتي جعلت البعض يزعم أن لقب الرئيس كقائد أعلى للجيش والبحرية في الولايات المتحدة يفترض أن يجيز له الانخراط في الصراع أو الحرب عندما يرتئي ذلك ضروريًا.
على صعيد الشؤون الخارجية إجمالًا، ينصُ الدستور الأمريكي أيضًا على أن سلطتين من سلطات الرئيس – إبرام المعاهدات وتعيين الدبلوماسيين – مرهونتان بموافقة مجلس الشيوخ. كما يخول الدستور الكونغرس سلطة الإشراف على ما يتخذُ من قرارات بمعرفة الرئيس ووزير خارجيته، الذي يعينه بمشورة وموافقة مجلس الشيوخ. ويحقُ للجان الكونغرس استجواب صناع القرار حول مسائل السياسة الخارجية، وتكون وزارة الخارجية هي التي تزودها بمعلومات.
كما يتمتعُ الكونغرس بسلطةِ إجراء تحقيقاتٍ في مخاوف تتعلق بالسياسةِ الخارجية والأمنِ القومي، وفق موقع "كاونسيل أون فورين أفيرز"، وقد يسمحُ كل ما سبق للمشرعين بالتأثير على القضايا الخارجية.
في العام 2022، أقر الكونغرس الأمريكي تمديد العقوبات على إيران، كما أقر مشروع قانون يفرض عقوبات جديدة على حكومة بشار الأسد في سوريا وحلفائها، وبينهم روسيا وإيران. ووفقًا لموقع "Global Investigation Review"، فإن المسار العادي للعقوبات التي تُعد من أدوات السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأساسية يبدأ من الكونغرس الذي يشرًع للرئيس إصدار عقوبات من خلال أوامر تنفيذية.
والكونغرس، المخولُ أيضًا بتنظيم التجارة مع الدول الأجنبية، وإنشاء ودعم الجيوش والإبقاء على البحرية ودعمها، وتنظيم القوات البرية والبحرية، والتكفل بميليشيا والتمويل اللازم لذلك، وفرض الضرائب وجبايتها وسك وطبع العملة، وتحديد نظام التجنيس وإنشاء المحاكم الفيدرالية. كما ويبقى الكونغرس هو الهيئة المفوضة دستوريا بإقرار الموازنة الفيدرالية العامة السنوية التي يُخصص ما يقرب من نصفها مؤخرًا للشؤون الدولية والإنفاق العسكري، وفق مؤسسة "بيتر جي بيترسون" المعنية بدراسة التحديات المالية المستدامة للولايات المتحدة.
على سبيل المثال، منع الكونغرس مرارًا وتكرارًا إدارة باراك أوباما من استخدام أموال الخزانة العامة لنقل المعتقلين من سجن غوانتانامو. تقول مدونة "ذا بوليتكس شيد"، وهي سلسلة محاضرات إليكترونية عن نظامي الحكم الأمريكي والبريطاني، إن طبيعة النظام الأمريكي لا تعطي للرئيس سلطة أن يأمر الكونغرس بل يجب أن يعتمد على قوة الإقناع لإنتزاع ترخيص منه فيما يستوجب الحصول على موافقته عليه.
يسمح كذلك ما يعرف بـ "قانون المراجعة الكونغرسية" الذي أقر في 1995، ويسمى اختصارًا بـ "سي آر إيه"، للكونغرس أيضًا بمراجعة وتعطيل وإلغاء ما تعرف بـ "القوانين الإدارية"، والمقصود بها ما يتم تحويله لأفرع الحكومة المسؤولة عن تنفيذ سياسات الإدارة العليا في مدة 60 يومًا تشريعيًا.
وأشار الرويشدي إلى أن "الكونغرس يملك قوة ولا شك على رأسها قوة المحفظة أو أموال الموازنة العامة وكيفية استعمالها. كما يملك سلطة الرقابة على الرئيس من خلال جلسات الاستجواب أو من خلال حق إصدار التشريعات. على سبيل المثال، استمرار العمليات الحربية لفترة طويلة بحاجة إلى إعلان حرب من الكونغرس، وسيكون على الرئيس استخدام الإقناع في مطارح حيث سيحتاج للدعم النيابي لتمرير سياسات أجندته أو لتمويل إدارته. هناك الانتخابات النصفية أيضًا التي تشكل طريقًا رقابيًا إضافيًا على الرئيس، وقد يخسرها حزبه إذا لم يرض الناخب الأمريكي عن الأداء العام. وكما نعلم، فإن للجمهوريين أغلبية ضيقة في الكونغرس، وهم سيتخوفون من إضاعتها."
وتابع خبير القانون الدولي قائلا: "باختصار، العلاقة تفاعلية وستتطلب التعاون. من الطبيعي أن يحاول الرئيس أخذ صلاحياته إلى أكبر مدى ممكن. ولو كان هناك توافق دائم بين السلطات الثلاث، ما احتجنا إلى الدستور. الرئيس لديه سلطات، لكن جزءًا منها مشترك مع الكونغرس. وإذا كان هذا الكونغرس داعمًا، سيكون من السهل عليه تجسيد أجندته دون الكثير من العراقيل، لاسيما على صعيد السياسات الخارجية."
ويؤكد لبي بي سي لواء دكتور سمير فرج من مصر أن في هذا النظام الفيدرالي المتوازن بعناية هناك قادة الأمن القومي، الذين لا يتفقون بالضرورة مع الرئيس وأعوانه.
ويستشهد فرج بما جرى أثناء إدارة الرئيس باراك أوباما، التي قررت عدم تزويد مصر بطائرات أباتشي بسبب التوتر في العلاقات بين واشنطن والقاهرة على خلفية القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان في مصر، لكن البنتاغون ضغط من أجل تزويد مصر بالطائرات من أجل ضرورة حفظ الأمن القومي، حسب قوله.
وعند سؤاله إذا كانت العلاقات المصرية الأمريكية قد تأثرت صعودًا وهبوطًا بتغير الجالس في المكتب البيضاوي، أجاب أن "مصر والولايات المتحدة تجمعهما مصالح استراتيجية قديمة ظهرت آثارها في تعاقب الرؤساء عندما يحاول هؤلاء أن يكون لسلطة واحدة اليد الأطول في رسم وإقرار السياساتّ".
وكان دونالد ترامب قد تعهد، خلال حملته لإعادة انتخابه، بتطهير الأجهزة الأمنية واستئصال من سماهم بالجنرالات "المستيقظين"، وهو مصطلح تستخدمه العديد من جماعات اليمين الأمريكي لوصف معارضي التوجهات اليمينية.
وكان لجاي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، تصريح لافت في هذا السياق قال فيه: "إذا لم يطعك الناس في إدارتك، فعليك التخلص منهم والاستعانة بمن يستجيبون لما يحاول الرئيس القيام به"."
من الواضح أن ترامب يحاول التدخل في وزارة الدفاع ووزارات أخرى، كما أوضحت نادين ساندرز، رئيسة تحرير جريدة إنترناشيونال فويس الأمريكية لـ بي بي سي. وأضافت: "البيت الأبيض صرح فعليًا بأن نحو 17 مفتشًا عامًا في خدمة البنتاغون تم تسريحهم بذريعة 'تغير الأولويات'، ولكن التحديات القضائية تعيق الآن هذه الخطوة وتتحدى عملية الطرد من الوظيفة. رفع بعض هؤلاء دعاوى بحجة أن الإجراء مخالف للقانون الفيدرالي ويتجاهل الكونغرس الذي كان لابد من إخطاره قبل هذا النوع من التدخل في أداء واجباتهم بدون مبرر جوهري. هناك تشكيك في دوافع القرار، وأنه اتُخذ ليس بدافع ضبط الإنفاق كما قيل، بل كجزء مما سميت بـ 'حرب التطهير' في الدوائر الفيدرالية منذ تنصيب ترامب. ولذلك، فإن العديد من النزاعات القضائية تلاحق إدارة ترامب حاليًا، وتنظرها المحاكم، منها ما يطعن في خلل الإجراءات ومنها ما يطعن في نزاهة الإجراءات. وفوق هذا وذاك، هناك الديمقراطيون الذين يتخذون مواقفهم مما يجري، وكل ذلك يشكل عبئًا على ترامب في الاستمرار في أجندته وقد يعرقلها ويجعلها تتقدم بصعوبة."
وتابعت ساندرز: "نظريًا، الصلاحية موجودة للرئيس. وقد تمكن ترامب في فترة ولايته الأولى من إقالة مفتش بالبنتاغون، لكن ليس دون احترام القواعد."
وعن ردة فعل الشارع حيال التصريحات التوسعية والتصعيدية في وقت يتجه فيه ترامب لإقرار خطة تقشفية غير مسبوقة في الولايات المتحدة، أجابت ساندرز: "لم تتحسن الظروف الاقتصادية الأمريكية والتضخم مرتفع. ما يطرحه ترامب جدلي بلا شك، وهناك من يمتعض ويجده أمرًا غير مستحب أو غير متوقع يجري في البلاد. وهناك من يرضى، وهم على الأرجح من انتخبوا ترامب، وهناك من يتوجس من علامات تحذيرية حمراء في خطاب ترامب، ومن تحطيمه للأسس الديمقراطية المعتادة في الولايات المتحدة، لا سيما في صفوف الديمقراطيين الذين سيعدون عدتهم للمجابهة. على ما أعتقد، قد يبدأ هؤلاء، بدافع تخوفاتهم من الهيمنة على القرار الأمريكي، بالتسلط عليه إعلاميًا، لكن الأمريكيين يفضلون عدم التقييم إلا بعد الـ100 يوم الأولى للرئيس في المنصب."
ويرى الرويشدي من جانبه أن العلاقات الخارجية للولايات المتحدة هي مسؤولية مشتركة، وأن مجلس الأمن القومي جزء من السلطة التنفيذية بمهام استشارية. أما الكونغرس، فيتمتع بسلطة صرف المال والموافقة على الموازنة العامة، ويمكن استخدام ذلك في هذا الصدد، كذلك فإن للكونغرس هو من يخول للرئيس تعديل هيكل الوكالات الفيدرالية، ويملك أيضا حق المراجعة والإشراف على اللوائح الفيدرالية خلال 60 يوما تشريعيا
أما البنتاغون (الدفاع)، فيمكن للرئيس تنظيم سير عمله داخليًا وفق القانون، كونه القائد العام للقوات المسلحة، على ما قاله الرويشدي.
وبحسب موقع مجلس الشؤون الخارجية Council on Foreign affairs، فإن نظام فصل السلطات في الولايات المتحدة ينتهي لا محالة للمشاحنات وسمح بذلك الدستور الأمريكي نفسه الذي مثلما كان صريحا في مطارح فإنه غير واضح في نقاط أخرى ومن ذلك الغموض تولد ما اصطلح على تسميته بـ السلطات "الضمنية". ويؤكد المحللون أن الصدام ولعبة شد الحبل الدورية بين الرئيس والكونغرس حول السياسة الخارجية ليست نتيجة غير مقصودة للدستور، بل هي أحد أهدافه الأساسية لضبط التوازنات. ووصل الصدام سابقا مع ترامب حد أن واجه دعوتين لعزله من منصب الرئيس الأمريكي وهو ما عايشناه معه خلال فترته الأولى بالبيت الأبيض (2017-2021) لكن حدث ذلك إبان سيطرة الديقراطيين على مجلس النواب.