شهدت مواقع التواصل الاجتماعي جدلا واسعًا حول أداء الممثلة المصرية ريم مصطفى، بعد عرض مشهد لها في مسلسل "سيد الناس".
وتركزت الانتقادات على طريقة أدائها، خاصة نطقها وتعبيرها في مشهد حزين كان من المفترض أن يكون مؤثرا، حيث تبكي وفاة ابنها.
وأرجع بعض رواد مواقع التواصل ما وصفوه بضعف أدائها إلى عمليات التجميل التي خضعت لها، مشيرين إلى أن حقن "البوتوكس" و"الفيلر" أثّرت على تعابير وجهها، مما جعل المشهد أقل إقناعا.
في المقابل، دافع آخرون عن ريم مصطفى، معتبرين أن أداؤها كان مقنعا وأن الانتقادات الموجهة لها ليست في محلها.
في السنوات الأخيرة، أثارت كثرة عمليات التجميل التي يجريها الممثلون والممثلات جدلا وانتقادات، إذ يرى البعض أنها تنقص من واقعية ومصداقية العمل الدرامي أو السينمائي عند عرضه.
كثيرًا ما نشاهد على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُبرز أخطاء تقنية التقطها مشاهدون في مشاهد سينمائية أو درامية. فلم يعد التدقيق يقتصر على النقاد فحسب، بل أصبح المشاهد العادي أيضًا يحاسب أحيانًا.
تخيلوا أنكم أمام مشهد من فيلم أو مسلسل تدور أحداثه في السبعينيات، ثم تفاجأتم بظهور سيارة من عام 2020 أو بشخصية ترتدي ملابس حديثة! هل سيبدو ذلك مقنعًا لكم؟
وماذا لو ظهر ممثل أو ممثلة بملامح واضحة لعمليات تجميل معاصرة، في دور شخصية تاريخية؟
حتى أن إحدى أشهر عمليات تجميل الفك والأسنان تُعرف باسم "ابتسامة هوليوود" أو "هوليوود سمايل"، وقد أصبحت معالمها واضحة على وجوه العديد من الممثلين والممثلات.
حول هذه المسألة، راسلت بي بي سي عاملين وعاملات في مجالات التمثيل والإخراج وكتابة السيناريو، لرصد آرائهم حول هذه الظاهرة.
ترى الكاتبة اللبنانية فرح شيا أن على الكتّاب مراعاة شكل ومظهر الشخصيات "إذا أردنا أن نعكس الحقبة التي نعيش فيها". لذلك، تعتبر ظهور ممثل أو ممثلة خضعا لعمليات تجميل في عمل يعكس المجتمع المعاصر أمرًا طبيعيًا.
وتضيف: "بالتأكيد، لو كنت أكتب عن شخصية من حقبة تاريخية، فسأتخيلها كما كانت آنذاك، ومن المستحيل أن أتخيل أنها خضعت لعمليات تجميل". وتوضح: "ولو كنت سأخرج عملًا تاريخيًا، فلن أقبل بممثلة أجرت عمليات تجميل لأداء دور تاريخي، وسأبحث عن ممثلة لم تخضع لتعديلات في وجهها. المشكلة أن عددهنّ اليوم قليل، ويتناقص مع الوقت".
لكنها تؤكد أيضاً أن شركات الإنتاج اليوم قادرة على فرض ممثل أو ممثلة معينة، خاصة في الأعمال الدرامية. وتقول: "هنا يعود القرار للمخرج، إن كان مستعدًا للتنازل أو لإيجاد حلول بديلة من خلال الإضاءة وزوايا التصوير".
وتلفت إلى مشكلة أخرى، وهي أن بعض عمليات التجميل قد تؤثر على التمثيل، إذ تخفي تعابير الوجه، مما يجعل الممثل أو الممثلة غير قادرين على تحريكه بشكل طبيعي.
وتختم بالقول: "ككاتبة أو مخرجة، أحاول قدر المستطاع الالتزام بحقيقة الشخصية، وهذا خيار قد لا يكون في صالح بعض الممثلين والممثلات". كما تشير إلى أن البعض يتصرف بذكاء عند إجراء هذه العمليات، فلا تظهر آثارها بوضوح. وتضيف أن هناك تفاصيل لم تعد تلفت انتباه المشاهد، لأن عينيه اعتادتا على رؤيتها.
يقول مخرج الأفلام الوثائقية اللبناني هادي زكاك: "إن عدنا إلى الأفلام التاريخية أو تلك التي تتناول أكثر من حقبة زمنية، نجد أن العديد منها صُنع بدقة، مستندًا إلى بحث متعمق، خاصة في ما يتعلق بالملابس. لذا، إذا طرأ أي تغيير على الجسد أو المظهر، فإنه يشكل خرقًا لمبادئ المصداقية في نقل الحقبة الزمنية".
حتى في مجال الأفلام الوثائقية، يتابع زكاك قائلًا: "إذا أخذنا أفلام السيرة الذاتية مثالًا، نجد أنها تُنفّذ بناءً على بحث دقيق حول الشخصية".
ويشير إلى أن "هناك عمليات تجميل تُجرى باحترافية عالية بحيث لا تُبرز الشفاه بحجم كبير، ولا تُغيّر ملامح الوجه بشكل مبالغ فيه، أو تجعله يبدو كأنه جزء من موضة عمليات التجميل".
وفي المقابل، يوضح أنه في بعض الأحيان يحدث العكس، إذ تُجرى تعديلات على الوجه أو يُستخدم ماكياج معين لتشبه الشخصية الحالية الشخصية الحقيقية، ولكن دون أن تبدو وكأنها تقفز خارج الزمن، وفق تعبيره.
وينبه زكاك، الذي يُدرّس في جامعة القديس يوسف، إلى معضلة تعاني منها الدراما اللبنانية حاليًا، وهي ميل أغلب الممثلات إلى إجراء عمليات تجميل ليبدون أصغر سنًا، مما يؤدي إلى غياب من تجسّد أدوار الأمهات أو الجدّات، "لن تبقى سيدة للعب دور أمّ أو جدّة".
"حين نضع هذه الشخصيات في حقبة تاريخية، يمكن وضف ذلك حرفياً بأنه "فو راكور". وهو المصطلح السينمائي الذي يشير إلى وجود خطأ بالتتابع الزمني أو الدرامي للمشاهد واللقطات.
ويضيف قائلاً "لقد أصبحوا – الخاضعين لعمليات تجميل – بحاجة لعمليات إضافية ليتناسب شكلهم مع شخصيات الحقبة القديمة".
عند الحديث عن موضوع التجميل في الأعمال الدرامية، يتذكر المخرج محمود كامل مباشرة إحدى الحالات التي اضطر فيها إلى إعفاء ممثلة من دورها بعد خضوعها لعملية تجميل في الوجه قبل وقت قصير من بدء التصوير.
أخرج محمود كامل العديد من الأعمال التي تعود إلى مراحل تاريخية قديمة، بما في ذلك حقبة الفراعنة، ويؤكد أنه لا يقبل إطلاقًا مشاركة ممثلين أو ممثلات خضعوا لعمليات تجميل.
ويقول: "هذه قناعاتي منذ البداية، ولا يستطيع أحد فرض نجم أو نجمة على العمل، وإلا فإنني أنسحب مباشرة".
ويوضح أنّ وجود شخص يشبه زمننا الحالي في فيلم أو عمل يجسد حقبة تاريخية، يخلق ما وصفه كامل بأنه "حالة الانفصال وعدم التصديق لدى المشاهد".
ويرى أن المخرج هو من يقرّر ولديه أسلوبه ولغته الخاصة، ولا يجوز أن يُفرض عليه أي شيء في أي من الجوانب
تؤكد الممثلة السورية ريم نصر الدين على ضرورة مراعاة الحقبة الزمنية للعمل السينمائي أو الدرامي وأخذها بعين الاعتبار "لنتمكن من تقديم شيء حقيقي".
وتشير إلى أن تحقيق هذا الأمر لم يعد صعبًا بوجود أخصائي ماكياج محترف، يدرك كيف يتحكم في ملامح الوجه.
وتقول: "عندما نعود بالزمن إلى الوراء ونجد أنفسنا بنفس ملامح الوجوه الحديثة، أي حين يشبه شكل الوجه أو نمطه وجوهنا في الحقبة الحالية، يصبح الأمر نافراً".
وتضيف: "بالتأكيد، أنا كمشاهد أقف عند هذه التفاصيل، وتلفت نظري".
ولكن، بحسب ريم نصر الدين، إذا كان الممثل أو الممثلة قادرين على التحكم في ملامح وجههم بعد إجراء عمليات التجميل، فلا مشكلة في المشاركة بدور شخصية من حقبة تاريخية، بشرط أن تكون المشاركة "مدروسة وبوجود فريق محترف قادر على التعامل مع تلك الأمور من خلال الماكياج والأزياء والتصوير والإضاءة".
وتتابع ريم قائلة: "لأن هناك مجموعة من العوامل تؤثر في الصورة، وهي ليست مسؤولية الممثل وحده".
وتوضح: "لكن المبالغة في عمليات التجميل يمكن أن تحرم الممثل من بعض إمكانياته وتشكل له عائقًا".
وتختم قائلة: "يجب أن يكون الممثل قريباً من الحياد، وأن لا يكون لديه أي عائق، بل يجب أن يملك المرونة في مظهره وأن يستطيع التحكم به بحسب العمر أو الزمن أو الحقبة التاريخية".
"ومن الممكن أن يكون قد أجرى تعديلات بسيطة في وجهه يستطيع التحكم بها، وهذه المسألة تختلف من شخص لآخر".