ظل تفسير السبب العلمي وراء "متلازمة الألم العضلي الليفي"، المعروف علمياً باسم "الفيبروميالغيا" غامضاً لسنوات، الأمر الذي فاقم معاناة نحو 2 إلى 4% من البشر، وجعلهم يحاربون ألماً حاداً مستمراً ومنتشراً في أنحاء الجسم دون معرفة سببه الحقيقي.
وبعد 5 سنوات من الآلام التي لا تفسرها التحاليل والأشعة، شخص الطبيب حالة السيدة المصرية الثلاثينية، أسماء محمود، باعتبارها مريضة بمتلازمة الألم العضلي الليفي، لكن أسماء وطبيبها لا يعرفان على وجه الدقة سبباً دقيقاً وراء تحول آلامها الحادة إلى مزمنة منتشرة في أنحاء الجسم.
وفي محاولة لإجابة أوسع عن سؤال ملايين المرضى حول العالم، قدم علماء جامعة كولورادو بولدر بالولايات المتحدة الأمريكية دراستهم التي نشرت في مجلة علم الأعصاب (The Journal of Neuroscience) في يناير/كانون الثاني 2026، تفسيراً علمياً يكشف مساراً عصبياً في الدماغ يلعب "دوراً حاسماً في تحويل الألم الحاد إلى ألم مزمن".
اكتشف الباحثون أن هذا المسار يقع في جزء من الدماغ يسمى القشرة الحبيبية القاعدية، وهي منطقة صغيرة لكن ذات تأثير كبير على الشعور بالألم المستمر.
تتبع علماء جامعة كولورادو بولدر "الفئران" التي أجروا عليها التجارب لمعرفة ما يحدث في الدماغ بعد إصابة في هذا العصب "CGIC"، واستخدموا تقنيات حديثة تسمى كيموجينيتيكس، وهي عبارة عن تحكم جيني دقيق، تمكنهم من تشغيل أو إيقاف مجموعة معينة من الخلايا العصبية في الدماغ.
تقول المؤلفة الرئيسية للدراسة ليندا واتكينز، الأستاذة في علم الأعصاب السلوكي في كلية الآداب والعلوم: "استخدمت ورقتنا البحثية مجموعة متنوعة من أحدث الأساليب لتحديد دائرة الدماغ المحددة التي تعتبر ضرورية لاتخاذ قرار بأن يصبح الألم مزمنًا وإخبار الحبل الشوكي بتنفيذ هذه التعليمات".
وتضيف: "إذا تم إسكات صانع القرار الحاسم هذا، فلن يحدث ألم مزمن، وإذا كان الألم المزمن موجودًا بالفعل، فإنه يختفي".
وعندما أوقف الباحثون عمل المسار العصبي "CGIC" في الدماغ لم يتحول الألم الحاد إلى ألم مزمن، فعندما تم تعطيله لدى فئران كانت تعاني ألمًا مزمنًا، اختفى الألم تقريبًا.
والألم المزمن هو أشبه بإنذار كاذب، حيث تستمر إشارات الألم في الدماغ لأسابيع أو شهور أو حتى سنوات بعد شفاء الإصابة الأولية.
الدراسة الجديدة تعتبر امتداداً لنهج سابق لذات الباحثة ليندا واتكينز التي نشرت في 2011 دراسة في مجلة علم الأعصاب، والتي لاحظت فيها أن هذه المنطقة في الدماغ "الفص الجزيري"، تنشط بقوة لدى الأشخاص الذين يعانون من ألم مزمن، لكن المشكلة كانت أنه لم يكن هناك طريقة لدراسة دورها بدقة، لأن الطريقة الوحيدة للتأثير عليها كانت إزالتها جراحياً، وهو أمر غير ممكن استخدامه كعلاج للإنسان.
لكن من خلال الربط بين الدراستين وجد الباحثون أن هذه المنطقة في الدماغ ترسل إشارات إلى جزء آخر من الدماغ يعالج الإحساس الجسدي، والذي بدوره يرسل إشارات إلى الحبل الشوكي ليُبقي الألم مستمراً، ليأتي من هنا تفسير ظاهرة معروفة لدى مرضى الألم المزمن، حيث يتحول اللمس العادي إلى ألم مزمن.
يُعتبر مرض الألم العضلي الليفي "الفيبروميالغيا" واحداً من أكثر الأمراض الغامضة التي لا يعرف العلماء على وجه الدقة سببها الرئيسي، وبحسب هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS) يُعتقد أن الألم المزمن العضلي مرتبط بمستويات غير طبيعية لبعض المواد الكيميائية في الدماغ وتغيرات في طريقة معالجة الجهاز العصبي المركزي (الدماغ والحبل الشوكي والأعصاب) لرسائل الألم التي تنتقل في جميع أنحاء الجسم.
وتشير التقديرات وفقاً لهيئة الخدمات الصحية البريطانية إلى أن شخصاً واحداً من كل 20 شخصاً يُصاب بالفيبروميالغيا، وهو أكثر شيوعاً بين النساء منه لدى الرجال، وليس له دواء محدد حتى الآن.
ورغم أن كافة الأشعة والتحاليل التي أجرتها أسماء طوال الأعوام الخمسة كانت نتائجها سليمة، إلا أن الطبيب عندما شخصها بالفيبروميالغيا قال لها إن "هذا المرض ليس له علاج".
في تعريفه للفيبروميالغيا يوضح المعهد الوطني الأمريكي لالتهاب المفاصل وأمراض العضلات أنه "لا يوجد علاج نهائي لمرض الفيبروميالغيا، لكن يمكن للأطباء المساعدة في إدارة الأعراض وعلاجها".
وخلال رحلتها مع الألم المزمن وصف الأطباء لأسماء جرعات متفاوتة من علاجات للأعراض المصاحبة للألم وليس لعلاج السبب الرئيسي للألم، "كانت مضادات الاكتئاب والمسكنات ومضادات الالتهاب" هي السبيل الوحيد لتخفيف حدة الألم، حيث يظل الألم موجوداً بلا توقف.
من هنا تأتي أهمية التوصل الجديد الذي اكتشفه الباحثون في تفسير المسار العصبي للألم المزمن، حيث تفتح الباب أمام اكتشاف علاج فعال لأصحاب الألم المزمن غير مفهوم الأسباب، وهو ما أكدته ليندا وايتكينز في ملخص الدراسة قائلة: "الآن بعد أن أصبح لدينا إمكانية الوصول إلى أدوات تسمح بالتلاعب بالدماغ، فإن البحث عن علاجات جديدة يسير بشكل أسرع بكثير".
وأصبح باب الأمل مفتوحاً أمام العلماء، ما قد يساعد في تطوير علاجات جديدة للألم المزمن تعتمد على استهداف الخلايا العصبية في الدماغ بدلاً من المسكنات التقليدية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة