يتضمن الدستور الأمريكي بندا ينص على أن تكون جميع الرسوم الجمركية على الواردات موحدة في جميع أنحاء البلاد. في وقت سابق من هذا الأسبوع، استند قاضٍ فدرالي في نيويورك إلى هذا البند، وإلى حكم المحكمة العليا الذي قضى بأن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لم يكن يملك سلطة قانونية لفرض رسوم بموجب قانون "IEEPA" أو "International Emergency Economic Powers Act"، ليأمر بإعادة الأموال إلى مئات الآلاف من المستوردين. ففي أمر قضائي من ثلاث صفحات، وجّه القاضي ريتشارد إيتون هيئة الجمارك وحماية الحدود إلى التوقف فورا عن تطبيق قانون "IEEPA" على الواردات والبدء في معالجة طلبات الاسترداد، وبذلك امتد أثر حكم المحكمة العليا الصادر الشهر الماضي ليشمل ليس فقط الشركة التي رفعت الدعوى، بل كل مستورد متضرر في البلاد. ويستند هذا الأمر إلى حكم المحكمة العليا الصادر في 20 فبراير في قضية "Learning Resources, Inc v Trump"، والذي قضت فيه المحكمة بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة بأن قانون "IEEPA" لا يخول الرئيس فرض رسوم جمركية، وأن سلطة فرض الضرائب تعود بوضوح إلى الكونغرس، وبالتالي لا يمكن لترامب أن يحدد الرسوم الجمركية أو يغيّرها من جانب واحد عبر قانون الطوارئ الاقتصادية. وقد أسقط ذلك الحكم الرسوم "المعامِلة بالمثل" الواسعة التي فرضها ترامب على معظم دول العالم، إضافة إلى رسوم استيراد أوسع ذات نسب مئوية من رقمين فرضت في العام السابق، إلا أن المحكمة العليا لم تتطرق إلى مسألة الاستردادات، تاركة هذه النقطة للإجراءات اللاحقة، وهو ما سعى إيتون الآن إلى توضيحه.
استغل إيتون هذا الفراغ عن قصد، إذ خصص جزءا مهما من أمره القضائي لإغلاق منفذ الهروب الذي حاولت الحكومة أن تتركه مفتوحا مسبقا. فقد كان بإمكان الإدارة أن تستند إلى قرار المحكمة العليا في عام 2025 في قضية "Trump v CASA, Inc"، الذي حظر ما يسمى "الأوامر القضائية ذات المفعول الشامل"، كي تجادل بأن أي أمر برد الرسوم يجب أن يقتصر على المدعي المذكور في القضية فقط. غير أن إيتون رفض هذا الطرح، معتبرا أن هذا الاجتهاد لا ينطبق هنا، لأن محكمة التجارة الدولية لم تُنشأ بموجب "Judiciary Act of 1789" بل بموجب "Customs Courts Act of 1980"، وهي تتمتع باختصاص وطني وبسلطة حصرية في موضوع نزاعات الاستيراد. ورأى القاضي أن حصر سريان الحكم في المدعين الأفراد سيحرم المستوردين الذين لم يرفعوا دعاوى بعد من العدالة، ويقوّض الإدارة الفعالة لقانون التجارة، كما أنه سيخالف نص الدستور الذي يفرض أن تكون جميع الرسوم والضرائب الجمركية موحدة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة. ولتفادي صدور أحكام متعارضة في هذا الملف، عيّن رئيس محكمة التجارة الدولية القاضي إيتون قاضيا منفردا مختصا بجميع القضايا المتعلقة باسترداد رسوم "IEEPA".
بات لزاما على الجمارك الأمريكية الآن أن تعالج جميع بيانات الاستيراد المعلقة التي خضعت لرسوم "IEEPA" من دون تطبيق تلك الرسوم، وأن تعيد إجراء المعالجة لأي شحنات سبق "تسييلها" ما دامت عملية التسييل لم تصبح نهائية قانونا بعد. وكل البضائع التي تمر عبر الجمارك الأمريكية تدخل في إجراء يسمى "liquidation" أو "التسييل"، تصدر في نهايته الهيئة حسابها النهائي لما يتوجب دفعه؛ وبعد إتمام هذا الإجراء يكون أمام المستوردين 180 يوما للطعن رسميا في الرسوم، وبعد انقضاء هذه المهلة يصبح التسييل نهائيا من الناحية القانونية. وقد صدر أمر إيتون استجابة لدعوى رفعتها شركة "Atmus Filtration"، ومقرها ناشفيل في ولاية تينيسي، والمتخصصة في تصنيع المرشحات ومنتجات الترشيح، وتقدّر أنها دفعت نحو 11 مليون دولار (9,5 مليون يورو) على شكل رسوم غير قانونية. غير أن تداعيات القرار أوسع بكثير، إذ جمعت الجمارك الأمريكية حوالي 133,5 مليار دولار (114,7 مليار يورو) من الرسوم التي أُبطلت الآن حتى منتصف ديسمبر وحده، وقد تضطر في نهاية المطاف إلى رد مبالغ قد تصل إلى 175 مليار دولار (150,3 مليار يورو)، بحسب تقديرات نموذج الموازنة التابع لجامعة بنسلفانيا و"وارتون". ولا يتناول الأمر القضائي حتى الآن الآليات التقنية لسداد هذه الأموال؛ إذ ستبدأ جلسة مغلقة مع محامي الحكومة مقررة في 6 مارس في بحث تفاصيل هذا المسار، وقالت كاتبة محكمة التجارة جينا جاستيس لوكالة "رويترز" الخميس، ردا على سؤال عن سبب سرية الجلسة، إنها "مؤتمر تسوية".
وبحسب المحامية المتخصصة في شؤون التجارة أليكسيس إرلي، الشريكة في مكتب "Bryan Cave Leighton Paisner"، فإن أنظمة عمل الجمارك الأمريكية "لم تُصمَّم للتعامل مع استردادات جماعية بهذا الحجم"، مضيفة أن "الشيطان يكمن في تفاصيل العملية الإدارية". من جانبه، توقع المحامي التجاري رايان ماجيروس، الشريك في مكتب "King & Spalding" والمسؤول التجاري الأمريكي السابق، أن تسعى الحكومة إلى الاستئناف أو طلب وقف تنفيذ الحكم لشراء مزيد من الوقت أمام الجمارك للامتثال له، بينما بدا أستاذ القانون ومدير مركز القانون الدولي في كلية الحقوق في نيويورك باري أبلتون أكثر تفاؤلا، إذ رأى أن "هذا القرار سيُشغل وسطاء الجمارك، لكنه ينبغي أن يسهل الأمور على المحاكم، وأن يطلق مسارا واضحا للمستوردين الذين دفعوا رسوما خلال الأيام 180 الماضية".
وكانت محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الفدرالية قد رفضت بالفعل، يوم الاثنين، محاولة إدارة ترامب إبطاء مسار الاسترداد، وأحالت الملف إلى محكمة التجارة في نيويورك.
المصدر:
يورو نيوز