دمشق – بين أروقة المكتبة الوطنية بدمشق، تتجول هند صاحبة الستة أعوام متفحّصة معروضات أجنحة دور النشر المشاركة في معرض الطفل للكتاب بدمشق، تمسك أحد الكتب وتطالعه بعيون متوثبة بين الصور والكتابات، تشير بإصبعها الناعمة إلى إحدى الصور ملاحظة بسرور مفارقة الشبه بين ما رسمه المنظمون على وجهها وما رأته في ملامح الفهد المرقّط في الصور ضمن طيات الكتاب.
تقول هند: "سعيدة جدا فأنا لم أرَ في حياتي كل هذه الألوان والأشكال دفعة واحدة، ولم يرسم لي أحد على وجهي من قبل أو أشارك كل هذا العدد من الأطفال الألعاب".
"سعيدة جدا فأنا لم أرَ في حياتي كل هذه الألوان والأشكال دفعة واحدة، ولم يرسم لي أحد على وجهي من قبل أو أشارك كل هذا العدد من الأطفال الألعاب" الطفلة هند 6 سنوات
وفي جناح خارجي ضمن باحة المكتبة، انضمت هند لاحقا لتشارك زملائها الاستماع للحكواتية وهي تقص عليهم قصة تفاعلية تجمع بين الحكمة والتعليم والتسلية.
كان ذلك مجرد مشهد من فعاليات معرض الكتاب للطفل المقام في المكتبة الوطنية بدمشق تحت شعار "جيل يقرأ.. جيل ينهض"، والذي استقبل آلاف الأطفال من مختلف المدارس ودور الحضانة ليتيح لهم المشاركة في تجربة تفاعلية تعيد للكتاب مكانته في عصر طغيان محتويات الشاشة والظواهر الرقمية على اهتمام الأطفال وانتباههم.
وشهد المعرض مشاركة نحو 30 دار نشر محلية متخصصة في أدب وعلوم الطفل، تعرض مجموعة متنوعة من إصداراتها، إلى جانب وسائل تعليمية وتطبيقات تفاعلية موجّهة للأطفال.
وقال علي عبد الرحيم، مدير معرض كتاب الطفل في المكتبة الوطنية، إن الاختلاف الأساسي في هذه الدورة من المعرض يتمثل في إتاحة المكان للأطفال بعد أن كان دخولهم إليه محدودا أو ممنوعا في السابق، مشيرا إلى العمل على إنشاء مكتبة مصغّرة داخل المكتبة الوطنية مخصصة للطفل وكتبه.
"الاختلاف الأساسي في هذه الدورة من المعرض يتمثل في إتاحة المكان للأطفال بعد أن كان دخولهم إليه محدودا أو ممنوعا في السابق، مشيرا إلى العمل على إنشاء مكتبة مصغّرة داخل المكتبة الوطنية مخصصة للطفل وكتبه" مدير معرض كتاب الطفل
وبيّن مدير المعرض في حديث للجزيرة نت أن الهدف من هذه الخطوة هو إعادة بناء العلاقة بين الطفل والكتاب، بعد أن شهدت تراجعا ملحوظا، مؤكدا أن الطفل يمثل أساس المجتمع، وأن تنشئته ثقافيا بشكل سليم تسهم في إعداد جيل واعٍ وقادر على البناء.
وأضاف عبد الرحيم أن حاجة البلاد إلى هذا النوع من المبادرات تزداد في ظل ما مرت به من دمار نتيجة حرب وثورة استمرتا لأكثر من عقد، الأمر الذي يستدعي التركيز على إعداد جيل "بنّاء". وأشار إلى أن هذا التوجه انعكس في اختيار الكتب ودور النشر المشاركة، حيث لا يقتصر الهدف على تقديم المعلومات للأطفال، بل يتعداه إلى تنمية قدرتهم على التفكير النقدي وتحليل ما يتلقونه، في مواجهة التأثيرات السائدة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، مع التأكيد على أهمية امتلاك المعرفة الصحيحة عبر النقد والتفكير.
وفيما يتعلق بمشاركة دور النشر، أوضح أنه جرى في هذه النسخة الحرص على استقطاب أكبر عدد ممكن منها، من خلال تخصيص مساحة واسعة داخل المكتبة. ولفت إلى أن الإقبال على مثل هذه المعارض كان ضعيفا في السابق بسبب القيود المشددة والرقابة التي كانت تُفرض على الكتب، حيث كانت تُستثنى الأعمال المخالفة لتوجهات النظام السابق، كما كانت بعض دور النشر تُستبعد لأسباب تتعلق بمواقف أصحابها السياسية.
وأشار كذلك إلى وجود إقبال كبير من الأهالي والأطفال، مرجعا ذلك إلى تنامي شعورهم بالانتماء إلى بلدهم ومكتبتهم الوطنية، التي لم تعد، كما كانت في السابق، حكرا على جهة أو أشخاص محددين، بل أصبحت ملكا للجميع.
من جانبه، قال ولهان البابا، صاحب دار البابا للنشر المتخصصة في كتب الأطفال، إنه توقّف عن المشاركة في معرض كتاب الطفل منذ عام 2011 نتيجة المعوقات المرتبطة بالرقابة والتقييد، مشيرا إلى أن المرحلة السابقة كانت مليئة بالقيود في هذا المجال.
وأوضح البابا في حديث للجزيرة نت أنه عاد للمشاركة في الدورة الحالية بفضل التسهيلات المتاحة، انطلاقا من شعوره بضرورة الإسهام في دعم الأطفال والعودة إلى سوق دمشق، واصفا هذه الخطوة بالإيجابية والبداية المشجعة، معربا عن تفاؤله باتساع حجم المشاركة في السنوات المقبلة.
وأضاف أن الإقبال في الأيام الأولى من المعرض كان ضعيفا نسبيا، مرجعا ذلك إلى محدودية الترويج الإعلامي، إذ لم يكن عدد كافيا من الناس على علم بإقامة المعرض.
بدورها، أشارت سميرة شقير، المديرة التنفيذية لدار طيور الجنة، إلى أن الإقبال كان جيدا رغم تزامن المعرض مع فترة الامتحانات، لافتة إلى وجود تحسن ملحوظ في التنظيم ومشاركة عدد أكبر من دور النشر الجديدة مقارنة بالدورات السابقة.
وبيّنت في حديث للجزيرة نت أن مشاركتهم كدار متخصصة في الوسائل التعليمية أصبحت أكثر سهولة، خاصة بعد أن كانت تواجه صعوبات في إدخال هذه المواد إلى البلاد في السابق، بينما أصبح من الممكن الآن إيصالها إلى شريحة أوسع من الأطفال، كما أن شروط المشاركة في المعرض بدت أكثر مرونة من ذي قبل.
وأكدت شقير أهمية الألعاب التعليمية إلى جانب الكتب، خاصة في مرحلة ما قبل المدرسة، موضحة أنها تمثل مدخلا أوليا للقراءة، وتسهم في تهيئة الطفل للدراسة بطريقة إيجابية، دون أن يشعر بالإجبار أو الضغط.
وقالت آلاء مصطفى، إحدى المشاركات في المعرض، إنها حرصت على مرافقة أبناء العائلة إلى هذا الحدث، مشيرة إلى أنه جاء ملائما وجذابا للأطفال لما يتضمنه من فعاليات متنوعة، مثل الرسم على الوجوه والقصص التفاعلية التي تُروى لهم.
وبيّنت أن المعرض يشكّل نشاطا ترفيهيا مهما يسهم في إبعاد الأطفال عن الأجهزة الإلكترونية، ويمنحهم فرصة لخوض تجربة واقعية تساعدهم على التعرّف إلى الأشياء بشكل ملموس وتفاعلي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة