يواصل الأديب الأردني جلال برجس رحلته الإبداعية في التأمل بسياقات الحياة وخيارات الإنسان الوجودية، في مجموعته القصصية الجديدة "نحيل يتلبسه بدين أعرج"، التي يذهب فيها إلى اختبار معنى الوجود الإنساني في عالم مضطرب، يتداخل فيه الواقعي بالغرائبي.
شخصيات المجموعة القصصية، التي صدرت مؤخرا عن "دار الشروق" المصرية، عادية تعيش حياة بسيطة، كالموظف والجار والجندي والرجل الوحيد والكاتب الصحفي، غير أن حياتها اليومية تتصدع فجأة حين يواجه هؤلاء الأفراد لحظة إدراك قاسية تكشف هشاشة الواقع الذي يعيشون فيه، لتتحول القصة من حكاية اجتماعية إلى تجربة وجودية تبحث في معنى العزلة والخوف والوعي المتأخر.
نمط القصة السائد في المجموعة القصصية يبدأ من واقع يومي بسيط، ثم يتسلل إليها عنصر غير منطقي أو غير متوقع. ففي قصة "مدينة العيون المتلصصة"، يكتشف الموظف الجديد أن أهل المدينة يعيشون على مراقبة بعضهم بعضا بصورة علنية عبر سلوك يعبر عن قاعدة اجتماعية عامة.
وفي قصة "عادة سرية" يرى الرجل كلبه النافق يلتهم البنايات والناس من دون أن ينتبه أحد. أما في "مرايا غير نافذة" فيكتشف البطل أن صورته في المرآة تبصق عليه.
الشخصيات جميعها تكاد تعيش حالة واضحة من العزلة الوجودية، والتي تشف عن شعور عميق بالانفصال عن العالم. فالرجل في قصة "مساحة فارغة" يعيش حياته وهو يحدق في فراغ لا معنى له، فتمر السنوات وتتغير الأشياء حوله من دون أن ينتبه.
وفي قصة "تلف" يعيش البطل حياة باهتة في وظيفة هامشية، فيتحول عيد ميلاده إلى لحظة انفجار عبثي يطلق فيها الطيور ثم يلقي بنفسه من السطح.
حتى الشخصيات التي تبدو مرتبطة اجتماعيا بالآخرين، مثل الجندي في قصة "ناي الأكتع" أو الرجل الذي يكنس الشوارع في قصة "فوضى"، تبقى في جوهرها شخصيات معزولة، تبحث عن معنى شخصي في عالم لا يقدم إجابات واضحة، تعبيرا عن صورة الإنسان المعاصر الذي يعيش وسط المجتمع لكن بشعور عارم بالغربة.
الخوف الوجودي العميق محور مركزي في القصص، ففي قصة "صانع الشواهد" يتجسد الخوف من الموت، حيث تتحول شخصية صانع شواهد القبور إلى مصدر أساطير مرعبة بين سكان البلدة.
وفي قصة "مرايا غير نافذة" يتحول الخوف إلى مواجهة مع الذات، حين يرى البطل صورته تبصق عليه. أما في "عادة سرية" فيتجسد الخوف في هيئة كلب يلتهم العالم. هذه المخاوف تتفاقم حتى تصل إلى لحظة انهيار أو مفارقة، كأنما تؤكد أن الإنسان لا ينتصر على خوفه، بل يتعلم العيش معه أو أنه ينهار تحت وطأته.
في قصة "مانيكان" يشتغل برجس على فكرة التشيؤ الإنساني عبر استعارة بسيطة تتمثل بإنسان يتحول تدريجيا إلى دمية عرض في واجهة متجر
وفي "صانع الشواهد" يتحول الرجل الذي يخشاه الناس إلى ضحية لحادث مأساوي. أما في "فوضى" فيكتشف الراوي أن جاره الذي كان يراقبه انتهى إلى تنظيف مخلفات الجمهور في المسرح، لتشكل هذه الأحداث أدوات فكرية تكشف عبث الواقع.
الحرب، كذلك، تظهر بوصفها حدثا يترك أثره العميق في النفس الإنسانية، فقصة "ناي الأكتع" تقدم الجندي الذي فقد يديه، ويظل مشغولا باللحن الذي لم يكتمل، وكأنما يتحول الناي إلى رمز للفن والذاكرة، تعبيرا عن أن الحرب قد تدمر الجسد، لكنها لا تستطيع القضاء على الرغبة في التعبير أو الحلم.
في قصة "نحيل يتلبسه بدين أعرج"، يقدم برجس انقسام الشخصية بوصفه البنية العميقة للوجود الإنساني نفسه
في قصة "مانيكان" يشتغل برجس على فكرة التشيؤ الإنساني عبر استعارة بسيطة تتمثل بإنسان يتحول تدريجيا إلى دمية عرض في واجهة متجر. تمثل المانيكان صورة مكثفة لإنسان فقد صلته الحية بذاته وبالعالم من حوله، فالشخصية تفقد إنسانيتها عبر مسار من التكيف مع عالم تحكمه الواجهات والصور والتمثيل الخارجي.
ومع مرور الوقت، يصبح الوجود نفسه نوعا من العرض، فالجسد يقف ثابتا، والملابس تتغير، لكن الداخل يبقى خاليا من الحياة. القصة توجه نقدا واضحا للثقافة الاستهلاكية التي تحول الإنسان من ذات فاعلة إلى موضوع يعكس ما يريده السوق.
وعندما تتماهى الشخصية مع هذه الصورة، فإنها تفقد فرديتها تدريجيا، وتصبح جزءا من منظومة تنتج أشكالا متشابهة من البشر، خالية من الخصوصية أو المعنى.
أما في قصة "نحيل يتلبسه بدين أعرج"، فيقدم برجس انقسام الشخصية بوصفه البنية العميقة للوجود الإنساني نفسه، بدءا بالعنوان الذي ينهض على مفارقة جسدية مشوهة ومركبة بين البدانة والنحالة، ما يشي أن الذات لا تعيش داخل جسدها الطبيعي، بل داخل هيئة أخرى تناقضها وتربكها وتثقلها، فتمضي القصة لتنبش في الصراع بين ما تظنه الشخصية حقيقتها، وما يفرضه عليها كيان آخر يسكنها ويشوه انسجامها.
القصة تتأسس على أن معاناة الإنسان تتأتى من وجود نزعات متعارضة داخله، ومن عجزه عن حسم هويته النهائية التي تتشظى بصراعات بين ذوات عديدة تفرض حضورها على وعيه، وتتنازع حق تمثيله، ما يجعل الكائن البشري لا يعيش بوحدة بسيطة، بل بتعدد مربك، وإن ما نسميه شخصية ليس إلا توازنا هشا بين قوى غير متصالحة تماما.
السوداوية التي يرسمها برجس في القصص جميعها، يبدو أنه يحاول تبديدها في القصة الأخيرة "أمل"
لكن السوداوية التي يرسمها برجس في القصص جميعها، يبدو أنه يحاول تبديدها في القصة الأخيرة "أمل"، والتي لم يأت موقعها مصادفة.
بعد سلسلة من القصص التي غلب عليها العبث والعزلة والانكسار النفسي، تبدو القصة وكأنها محاولة لإعادة فتح نافذة صغيرة في جدار العالم القاتم، فهي وإن كانت لا تنقض الرؤية الوجودية التي سبقتها، لكنها تمنحها بعدا إنسانيا أقل تشاؤما، من خلال تأكيد قدرة الإنسان على التمسك بشيء ما يمنحه معنى للحياة.
القصة تقترح أن الإنسان لا يعيش فقط بفضل ما يمتلكه من يقين، وإنما بفضل قدرته على الاحتفاظ بشيء صغير من الأمل، والذي يأتي في القصة كقوة خفية تمنع الانهيار الكامل.
حتى النهاية المفتوحة التي تترك الباب مواربا أمام إمكانية التغيير، فهي تشير إلى أن الإنسان قد يجد طريقه وسط هذا العالم، ولو عبر شعاع صغير من المعنى، وأن المعنى يتوجب أن يصنعه الإنسان بنفسه، ما يجعل القصة، على بساطتها الظاهرية، تحمل معنى عميقا يتجاوز حدود الحكاية نفسها.
يلجأ برجس إلى ضمير المتكلم في السرد، ما يمنح النص طابعا اعترافيا
في كثير من قصص المجموعة، يلجأ برجس إلى ضمير المتكلم في السرد، ما يمنح النص طابعا اعترافيا، فالراوي ليس مراقبا خارجيا، بل شخصية تعيش التجربة وتعيد تأملها، فضمير المتكلم يعمق الإحساس بالعزلة، كون القارئ يتلقى الأحداث من داخل وعي الشخصية لا من منظور خارجي موضوعي.
هذا الخيار يعيد تعريف طبيعة الحقيقة داخل النص، فحين يتكلم الراوي من داخل التجربة، تصبح الوقائع مشروطة بوعي الشخصية، بما فيه من التباس وخوف وتشوش وانفعال، فالقصة لا تعرض العالم كما هو، بل كما يعاش من الداخل، وكما هو في نفس فردية تحاول أن تفهمه، ليتحول السرد الاعترافي إلى أداة فنية تنقل مركز الثقل من الحدث نفسه إلى أثره النفسي والفكري، وإلى التجربة الباطنية التي تعيد تشكيله.
ما يضاعف من القيمة الجمالية لهذا الخيار أن ضمير المتكلم ينسجم تماما مع الطبيعة التأملية للقصص، بحيث تنقل مركز الثقل من الحدث نفسه، إلى الوعي بالحدث والتصدع تحت وطأته، بما يرسم شكلا من الانقسام، ويؤسس لنتيجة ترى الإنسان كائنا محكوما بحدود وعيه، وعالقا في الداخل أكثر مما هو منخرط في الخارج.
المصدر:
الجزيرة