في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ظل استمرار اعتقال المفكر الإسلامي وزعيم حركة النهضة في تونس راشد الغنوشي، وتزامنًا مع صدور أحكام قضائية متتالية جديدة في حق الشيخ راشد الغنوشي، تعود مسألة "الإسلام الديمقراطي" إلى صدارة النقاش السياسي والفكري مجددًا، وذلك على ضوء التجربة التونسية، التي كانت نموذجًا للانتقال الديمقراطي، الذي شهد وفق مراقبين تراجعًا كبيرًا وخاصة في ظل استمرار اعتقال الغنوشي منذ أبريل/نيسان 2023، وصدور أحكام عليه آخرها الحكم الصادر بسجنه عامين على خلفية عمليات تدقيق في معاملات مالية لنواب البرلمان بعد انتخابات 2019، وهي الدورة التي شغل خلالها الغنوشي منصب رئيس البرلمان.
هذا الوضع يضفي أهمية ملحة على فهم مشروع راشد الغنوشي الفكري المهم. فما هو الإرث الفكري الذي يحاول الغنوشي تركه في مفترق طرق السيادة الإلهية والإرادة الشعبية؟ وما هي مقومات مشروع "الديمقراطية المسلمة" الذي ناضل الغنوشي لتأصيله؟
وعليه حاورت الجزيرة نت في هذا السياق الأكاديمي أندرو مارش، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة ماساتشوستس (MIT)، ومؤلف كتاب "عن الديمقراطية المسلمة"، الذي كرّسه لتحليل التحول الفكري العميق للغنوشي، من أطروحة "الخلافة" إلى مفهوم "الديمقراطية المسلمة"، وكيف حاول إعادة صياغة العلاقة بين الشريعة والديمقراطية في ظل واقع تعددي.
يناقش مارش، في هذا العمل اللافت، التحولات الفكرية العميقة التي مرّ بها الغنوشي، ليس فقط باعتباره فقيهًا سياسيًّا أو زعيمًا حزبيًّا، بل بوصفه مفكرًا حاول إعادة صياغة العلاقة بين الشريعة والديمقراطية، بين السيادة الإلهية والإرادة الشعبية، في ظل واقع اجتماعي وسياسي تعددي ومعقد. ومن خلال حوار مطوّل جمعه بالغنوشي على مدى سنوات، تمكّن مارش من تتبّع تطور هذه الأفكار، وتفكيك التوترات القائمة بين المثال الإسلامي والبراغماتية السياسية.
في هذا الحوار، نستعرض مع أندرو مارش كيف بدأت علاقته بأفكار الغنوشي، وما الذي جذبه إلى مشروعه الفلسفي والسياسي، ثم ننتقل معه إلى تحليل أبعاد التحول من الإسلام السياسي إلى الديمقراطية المسلمة، وأسئلة الشرعية والسيادة والدستور، وصولًا إلى مآلات التجربة التونسية بعد انقلاب قيس سعيّد، وواقع الإسلام السياسي في عالم عربي يزداد انغلاقًا.
اسمح لي أولًا أن أحيي الشيخ راشد الغنوشي، القابع في سجون قيس سعيد حتى الآن، في ظروف قاسية ومحنة شديدة. أرجو أن نتذكره جميعًا، فهو صاحب الأفكار التي نناقشها الآن.
بدأت علاقتي بفكر الشيخ الغنوشي مصادفة، عندما كنت أقرأ كتابه المهم "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"، في سياق بحثي في أصول الفقه والحداثة وبناء التشريع الإسلامي. لكن ما لفت انتباهي حقًّا هو مفهوم "الخلافة الشعبية"، الذي أصبح فيما بعد الفكرة المحورية التي بنيتُ عليها أطروحة كاملة حول تطور هذه الفكرة من التصور الإسلامي الكلاسيكي إلى ما بعد الربيع العربي في 2011.
لقد اكتشفت في فكر الشيخ عمقًا لاهوتيًّا وفلسفيًّا يستحق أن يُدرس جنبًا إلى جنب مع النظريات السياسية الغربية، وقررت في سياق عملي على سلسلة ترجمات سياسية مع جامعة ييل أن أقترح ترجمة كتاب الحريات العامة إلى الإنجليزية. وهكذا بدأت العلاقة المباشرة مع الشيخ، الذي التقيته لاحقًا خلال فترة الانتقال الديمقراطي في تونس.
وعندما أعلنت حركة النهضة عام 2016 التخلي رسميًّا عن "الإسلام السياسي" وتبني "الديمقراطية المسلمة"، زرت الشيخ راشد في منزله، واقترحت عليه أن نعمل معًا على مشروع فكري مشترك. الهدف كان بسيطًا وواضحًا: أن نجمع كتاباته ومقالاته، وأن نخوض حوارًا فلسفيًّا معمقًا حول تحوّلات رؤيته السياسية والفكرية.
هناك أيضًا بعد ثقافي ومعرفي لهذا المشروع؛ يتمثلُ في أن نقدّم حوارًا متكافئًا بين مفكر سياسي غربي وبين مفكر من الحركة الإسلامية مثل الشيخ الغنوشي. حوار لا ينتهي بكتاب من طرف واحد، بل بنقاش حيّ حقيقي وصريح، حول أسئلة التعددية والشرعية والسيادة ودور الشريعة في مجتمع ديمقراطي.
حافظ الغنوشي على هدوئه المعتاد خلال حديثنا حول تداعيات الانقلاب وتنامي التحالف المعارض له، الذي شمل طيفًا واسعًا من الأحزاب العلمانية ومنظمات المجتمع المدني إلى جانب أعضاء من حركة النهضة. على مدار السنوات الماضية، تطوّر فكر الغنوشي السياسي، إذ كان في قلب جهود الوساطة بين أحزاب متناحرة أيديولوجيًّا، وتولى مؤخرًا رئاسة البرلمان.
تميّزت النظرية السياسية للغنوشي على مدى عقود، بتصوّره لدور شعبي نشط ومتفاعل في الحياة الديمقراطية. وعلى عكس النظريات الغربية التي تؤكد على الفصل بين السلطات باعتباره ضمانة ضد الاستبداد، شدّد الغنوشي دائمًا على فضائل الشعب والرأي العام. كما خالف النظريات الإسلامية التقليدية التي تحصر تفسير الشريعة في أيدي الفقهاء، متخيلًا تطبيق الشريعة كعملية تداولية جماعية تشمل الخبراء والمواطنين المؤمنين على حد سواء.
لكن في ذلك اليوم، عاد مرارًا إلى الحديث عن أهمية التوافق النخبوي ليكون ضمانة ضد السلطوية، وطريقًا للعودة إلى الديمقراطية. ويبدو هذا الطرح منطقيًّا في ضوء تجربة تونس خلال العقد الماضي، حيث تميّز الانتقال من الاستبداد بندرة الديمقراطية وهشاشتها؛ فلم يكن هناك "حاكم فعلي" مثل الجيش أو قوة خارجية تدير المرحلة الانتقالية، بل أُسندت المهمة إلى الأحزاب السياسية نفسها.
ورغم أن عملية صياغة الدستور كانت طويلة وشائكة، فإنها أسفرت عن توافق دستوري. غير أن الانقسامات الأيديولوجية العميقة وانعدام الثقة ظلّت سائدة في الانتخابات التالية. وقد ساهمت سنوات من الدعاية الرسمية في تسميم نظرة قطاع واسع من الناخبين إلى حركة النهضة، التي وإن حظيت بإشادة غربية باعتبارهم "إسلاميين معتدلين"، ظل يُنظر إليها في الداخل على أنها امتداد للإخوان المسلمين أو حتى لجماعات متطرفة.
كانت النهضة في الوقت نفسه أكثر الأحزاب شعبية وأشدها إثارة للجدل، وغالبًا ما استُخدمت فزاعةً انتخابية من قبل قوى النظام القديم التي أعادت ترتيب صفوفها بعد الثورة، خصوصًا بعد أهوال الحرب في سوريا. صحيح أن الكثير من أزمات الديمقراطية التونسية كانت ناتجة عن صراعات بين النخب وسعي بعضها للتهرب من المحاسبة على الفساد أو القمع في عهد بن علي، لكن لا يمكن تجاهل أن الانقسام الأيديولوجي متجذر في المجتمع التونسي نفسه، رغم غياب الانقسامات الطائفية أو العرقية فيه.
لم يكن هناك غالبية ساحقة متفقة على تصور موحد للنظام فيما بعد الثورة يمكن حشده ضد أقلية فاسدة. وإذا كانت المنافسة النخبوية قد عطلت مسار الحكم، فإن قدرة هذه النخب واستعدادها لعقد الاتفاقات والتحالفات هو ما حافظ على الديمقراطية التونسية.
أبرز مثال على ذلك هو العلاقة العملية التي نشأت بين الغنوشي والرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، مؤسس حزب "نداء تونس" العلماني، وأحد رموز النظام السابق، الذي استندت حملته الانتخابية في 2014 إلى التخويف من التهديد الإسلامي. وبالرغم من العداء الظاهر فقد تكررت التسويات السياسية بين الخصوم في لحظات الأزمة، مما منع تونس من مصير مشابه لانقلاب مصر 2013، حتى جاء قيس سعيّد، أستاذ القانون المغمور، الذي انتُخب بأصوات معارضة لرجل الإعلام القوي نبيل القروي المحسوب على السبسي.
استُقبلت خطوات سعيّد لتعليق النظام الدستوري بتأييد شعبي بسبب السخط من السياسة الديمقراطية، وما صاحبها من ركود اقتصادي وفساد وفوضى برلمانية، وضعف إدارة أزمة كورونا. لكن بعد خمسة أشهر، لم تُظهر استيلاءاته على السلطة تحسنًا فعليًّا في الأداء الاقتصادي أو الصحي، وبدأ بريقه يتلاشى.
شهدت ذكرى الثورة في 17 ديسمبر/كانون الأول 2021 تظاهرات متقابلة، بدت فيها الحماسة أكبر في صفوف المعارضة، مقارنة بمؤيدي الرئيس. وقد أكدت انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2022 الصورية التي دعا إليها سعيّد ذلك، بعد أن بلغت نسبة المشاركة فيها 11% فقط.
قبيل الاعتراف القانوني بـ"حركة الاتجاه الإسلامي"، التي شارك في تأسيسها، سُجن بين عامي 1981 و1984، ثم مجددًا في 1987، وكان قاب قوسين من حكم الإعدام على يد الرئيس الحبيب بورقيبة، قبل أن ينجو بفضل الانقلاب الذي أوصل زين العابدين بن علي إلى الحكم.
وبعد أن حققت النهضة نتيجة قوية في انتخابات 1989، اضطر الغنوشي إلى الهروب من تونس خوفًا من حملة قمع جديدة. وقد كانت فترة منفاه التي امتدت أكثر من عقدين غنية فكريًّا وسياسيًّا. ففي عام 1993، نشر كتابه الأهم "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"، الذي بدأ تأليفه خلال سجنه. كما واصل قيادة النهضة من لندن، وأصبح شخصية بارزة في النقاشات الدولية حول الديمقراطية والتعددية وتحديث الفقه الإسلامي.
ربما كان سيبقى مفكرًا ومناضلًا في المجتمع المدني لولا ثورة الياسمين التي اندلعت في 2011، والتي فتحت الباب أمامه للعودة إلى تونس والمشاركة في انتخابات حرة وتعددية لأول مرة.
انتخب التونسيون في أكتوبر/تشرين الأول 2011 المجلس الوطني التأسيسي، الذي تمكن -رغم الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية المتتالية- من إقرار دستور جديد في 26 يناير/كانون الثاني 2014. ويُعد طول المدة التي استغرقها المجلس للتوافق على هذا الدستور، وعلى قضايا تأسيسية أخرى مثل قانون العدالة الانتقالية ومكانة رموز النظام السابق، دليلًا على عمق الانقسامات الأيديولوجية والسياسية في البلاد، وكذلك على قدرة النخب -داخل المجلس وخارجه- على التوصل إلى نظام سياسي جديد عبر التفاوض وحده.
ومع ذلك، لم يكن هذا المسار قد اكتمل بنجاح حتى قبل انقلاب يوليو/تموز 2021؛ فالمحكمة الدستورية، على سبيل المثال، لم تكن قد شُكّلت بعد، بسبب تعذر التوافق بين الأحزاب الحاكمة على مرشحيها. وقد مكّن هذا الغموض الدستوري قيس سعيّد من تعليق العمل بالدستور استنادًا إلى تأويله الخاص لصلاحيات رئيس الجمهورية.
كان النظام السياسي الجديد في تونس أقرب إلى "منافسة تفاوضية" على الموارد السياسية ضمن ترتيبات هشّة لتقاسم السلطة، أكثر منه اتفاقًا أيديولوجيًّا لتشكيل مجتمع ديمقراطي. ولكن، كما يشير ناثان براون، فإن الدساتير الجديدة لا تكتسب الاستقرار والعدالة من التوافق التقني حول المصالح فقط، بل من الطريقة التي تنخرط بها المشاعر والمصالح القصيرة المدى في العملية الدستورية. وبناءً عليه، فإن التجربة التونسية تميزت بكونها نتاج تفاوض سياسي حاد ومشحون بين ممثلين ديمقراطيين منتخبين.
ومن هذا المنظور، فإن أحداث يوليو/تموز 2021 كانت مأساة حقيقية، رغم ما رافقها من ترحيب شعبي واسع. فقد كان لحزب النهضة، بقيادة راشد الغنوشي، الذي حاز 41% من مقاعد المجلس التأسيسي، دور محوري في عملية التفاوض الانتقالي، مما منحه نصيبًا وافرًا من "ملكية" الدستور الجديد. وهو دستور لا يعكس جمهورية إسلامية، بل مجتمعًا سياسيًّا منقسمًا حول الهوية وأنماط العيش.
باستثناء الإشارة إلى "التزام شعبنا بتعاليم الإسلام" في الديباجة، واقتصار ذكر الإسلام على كونه دين الدولة (الفصل الأول)، واشتراط أن يكون رئيس الجمهورية مسلمًا (الفصل 74)، فإن الوثيقة الدستورية تعلن بوضوح أن الدولة مدنية قائمة على المواطنة وإرادة الشعب وسيادة القانون. كما يؤكد الفصل الثالث أن "الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات".
وقد أبدت النهضة مرونة واضحة وتنازلات ملحوظة بخصوص القضايا الدينية، كالتخلي عن النص على كون الشريعة مصدرًا للتشريع، واعتماد لغة منفتحة حول المساواة وحقوق الإنسان، والتراجع عن تجريم التجديف، والموافقة على نظام مختلط رئاسي برلماني، خلافًا لتفضيلها السابق لنظام برلماني صرف.
حتى بعض أعضاء حزب نداء تونس المنافس تساءلوا: لماذا قدّمت النهضة كل هذه التنازلات، رغم أنها كانت تملك الأغلبية البرلمانية اللازمة (مع بعض المستقلين) لتمرير ما تريد؟ السؤال الحقيقي إذًا ليس لماذا دعمت النهضة هذا النظام الدستوري الجديد، بل ما الذي تعنيه المصادقة الأيديولوجية والأخلاقية اللاحقة عليه بالنسبة للفكر الإسلامي الذي يؤسس للسيادة على أساس جماعة مؤمنة، تمارس عملًا سياسيًّا تشاركيًّا لإنتاج الشرعية والمعنى الشرعي؟
قد لا تثير التسويات السياسية المؤقتة أزمة فكرية حقيقية، لكنها قد تفعل، إذا عبّر أتباع الرؤية البديلة عن اقتناع ضمني بأن المشروع المثالي غير قابل للتحقيق، وقدموا تبريرات متزايدة لدعم التسوية الواقعية. هذا ما يبدو واضحًا في السياق التونسي، خاصة مع إعلان النهضة في مؤتمرها عام 2016 تجاوزها مصطلح "الإسلام السياسي"، وتبنيها هوية "ديمقراطيين مسلمين".
قد يُختزل هذا التحول في مصطلحات مثل البراغماتية أو الاعتدال، لكن مفهوم البراغماتية هنا يشير إلى خاصية جوهرية في الإسلام السياسي، الذي يفترض مرونة الإسلام وصلاحيته لكل السياقات. ومع ذلك، فإن سياق ما بعد 2011 يمثل لحظة مميزة؛ فالتعاون مع نظام لم تصنعه، أمر يمكن تبريره كتكتيك مرحلي، على أمل تجسيد الرؤية الأيديولوجية لاحقًا، سواء عبر ثورة أو إعادة تأسيس ديمقراطية.
وعليه، فإن النتائج غير المثالية للدستور التونسي لا تمثل مجرد لحظة براغماتية، بل مفترق طرق أيديولوجي. ففي مصر تم تقويض هذا المسار عبر انقلاب عسكري في 2013، مما سمح بتأجيل النقاش الأيديولوجي. أما في تونس فالنظام السياسي الجديد كان نتاج الانقسامات الداخلية، لا مفروضًا من الخارج، وكان الإسلاميون طرفًا فاعلًا في صياغته.
إذا كان دستور 2014، الذي يعكس رؤية تعددية، لا يُعد نتيجة لسلطة استبدادية أو استعمارية، بل ثمرة لتوافق ديمقراطي حر، فإنه يثير تساؤلات جوهرية حول القيمة المتبقية للنظرية الإسلامية المثالية السابقة، ومدى الحاجة إلى تأصيل فكري جديد يتلاءم مع هذا الواقع الجديد.
هذا يقودنا إلى مسألة مستويات الخطاب وسلطتها؛ فهناك مؤلفات ممنهجة كتبها مفكرون إسلاميون، مثل "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" للغنوشي، تمثل انعكاسات مدروسة حول السيادة والشرعية، وهي لا تُعد فقط تنظيرًا أكاديميًّا، بل مساهمات فكرية نشطة في النقاش العام داخل المجال الإسلامي العالمي. وفي المقابل، فإن الخطاب السياسي خلال لحظات التأسيس يكون غالبًا ظرفيًّا، يخضع لضرورات المصلحة الحزبية.
وللإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من العودة إلى الرؤية الأصلية للنظام السياسي الإسلامي قبل التحول نحو "الديمقراطية المسلمة". فما هو الإطار المرجعي الذي يُقاس عليه هذا التحول؟ يتناول الكتاب الذي قدمته في جوهره، إرث الغنوشي وتحوله الفكري، ولهذا فمن المناسب أن نتأمل في نظريته المثالية للديمقراطية وسيادة القانون في الدولة الإسلامية، كما عبّر عنها في أبهى صورها في الطبعة الأولى من كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية".
منذ تأسيس "حركة الاتجاه الإسلامي"، عبّر راشد الغنوشي ورفاقه عن دعمهم للديمقراطية التعددية، وارتبط تاريخ الحركة، ثم حزب النهضة لاحقًا، بالتعاون مع طيف واسع من القوى المعارضة للسلطوية.
ومع ذلك، فإن الفلسفة السياسية للغنوشي لا ينبغي اختزالها في مجرد تأييده للتعددية السياسية ضمن نظام برلماني. بل إن إسهامه الأكثر شمولًا وتفصيلًا في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، كما يتجلى في كتابه الحريات العامة في الدولة الإسلامية، يتمثل في بلورة نموذج مثالي لديمقراطية إسلامية، يسعى من خلاله إلى التوفيق بين مبدأ السيادة الإلهية ومبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة السياسية ووسيلة الرقابة القصوى على الاستبداد والطغيان.
هذا النموذج يؤيد الحريات العامة وحقوق غير المسلمين والأحزاب غير الإسلامية في المشاركة السياسية، لكنه لا يشبه النظام الديمقراطي التعددي الذي يرتكز على دستور يفصل السلطات ويوازن بينها. بل هو تصور لنظام ديمقراطي قائم على وحدة أخلاقية ودينية عميقة داخل الجماعة السياسية، حيث يحتل الإسلام موقع الهيمنة دون أن يُقصي الرؤى الأخرى أو أنماط العيش المختلفة.
التحول الفكري الرسمي الذي قامت به النهضة نحو ما سمّته "الديمقراطية المسلمة" لا يمكن إدراكه تمامًا إلا من خلال فهم الحدود النظرية لمفهوم "الديمقراطية الإسلامية" كما طرحه الغنوشي.
وفق قراءتي لهذا النص، يقدم الغنوشي نظرية لنظام ديمقراطي يصلح لشعب موحد أخلاقيًّا إلى حد كبير. إنها، من نواحٍ عديدة، نظرية تتسم بالتسامح اتجاه العقائد غير الإسلامية وأنماط الحياة المختلفة، وتتيح قدرًا كبيرًا من التعددية السياسية، لكنها في جوهرها ليست ليبرالية أو علمانية، بل مثالية أخلاقية تستلهم الدين بوصفه منظومة قيم عليا.
وتمثل هذه الرؤية التزامًا ديمقراطيًّا لافتًا في سياق التردد الذي أبداه كثير من المفكرين الإسلاميين اتجاه الديمقراطية. لكنها، مع ذلك، نظرية مثالية لكيفية ممارسة شعب مسلم ملتزم دينيًّا لحقه في الحكم الذاتي الكامل.
يرى الغنوشي أن التصور الإسلامي للسياسة قائم على نظرة ميتافيزيقية شاملة للوجود، تنطلق من الإيمان بأن الله هو الخالق والسيد، الأعلم بخلقه، والمشرّع الأعلى، وأن الإنسان قد تميّز عن سائر المخلوقات بصفته "خليفة الله" في الأرض، وقد مُنح العقل، والإرادة، والحرية، والمسؤولية، والطريق الإلهي الذي يجب أن يسلكه.
وتُبنى فكرة "الخلافة العامة" في هذا التصور على أن الشعب مؤتمن على سلطة الله، دون وسطاء، ما لم يعيّنهم هو بنفسه. وهنا تتجلى نقلة ديمقراطية مهمة في الفكر الإسلامي، إذ يُنظر إلى الشعب على أنه مصدر كل سلطة سياسية، حتى الفقهاء لا يتمتعون بسلطة تشريعية أو قضائية إلا بتفويض من الشعب.
ومع ذلك، فهذه ديمقراطية لشعب مؤمن، وعقد اجتماعي جماعي لتنفيذ العهد الإلهي، وتحقيق الخير والازدهار. وسأسلط الضوء هنا على بعض سمات هذه النظرية التي تجعلها في توتر مع واقع المجتمع التونسي، وأيضًا مع تحوّل الغنوشي لاحقًا نحو مفهوم "الديمقراطية المسلمة"، لا سيما ما يتعلق بنزعته الكمالية الأخلاقية، ورؤيته لديمقراطية دستورية مشروطة بالوحدة الأخلاقية.
كما ينطلق الغنوشي من الأساس الميتافيزيقي للسيادة الإلهية والخلافة العامة ليتميّز برؤيته حول الحرية وحقوق الإنسان والدولة عن التصورات "الغربية"، التي يراها اختزالية، قائمة على الإرادة الإنسانية المجردة ونزعة عبثية في فهم الطبيعة البشرية.
ويؤطر مشروعه ضمن تصور كمالي واضح للسياسة وبناء الدولة. ففي كتابه "الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام" (2012)، يميز الغنوشي الرؤية الإسلامية بأنها تسعى إلى "وحدة المادة والروح، والسياسة والأخلاق، والدنيا والدين"، وأن الدولة الإسلامية تظل ضرورة لا غنى عنها لتكوين بيئة اجتماعية تتيح لأكبر عدد ممكن من الناس أن يعيشوا بانسجام روحي ومادي مع الشريعة.
ويذهب أبعد من ذلك حين يكتب قبيل الثورة التونسية: "تصوّر الحياة وفق المثال الإسلامي دون وجود سلطة عامة تحمي الدين، وتدافع عن حرية الاعتقاد، وتمنع الفتنة، ليس إلا وهمًا وتفريطًا خطيرًا، بل خيانة لقضية الإسلام".
نظرًا لكونه ديمقراطيًّا، يمنح الغنوشي الشعب سلطة التعيين والعزل للحكّام، وكذلك تصميم النظام السياسي. لكنه، باعتباره ديمقراطيًّا إسلاميًّا، يشترط أن يكون تفويض السلطة من قبل الشعب عقدًا يرمي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وصيانة المصلحة العامة. وهذا القيد يمثل تحديًا كبيرًا أمام التعددية الديمقراطية.
في كتاب "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"، يناقش الغنوشي مفاهيم "القوة التأسيسية الشعبية"، مستعرضًا مبادئ مستمدة من الفكر الجمهوري الغربي حول الفصل بين السلطات، لكنه يُخضعها للشرعية القرآنية والسنّية التي تسبق الدولة وتوجّهها.
ورغم طابعه الديمقراطي، فإن فكر الغنوشي لا يخلو من عناصر غير ليبرالية؛ فهو يرفض نموذج الصراع بين السلطات (على طريقة ماديسون)، ويدعو إلى نموذج تكاملي وتعاوني، يرى أنه الأنسب للعلاقات البشرية. ويؤكد أن التعددية في الاجتهادات الفقهية مشروعة، لكنها لا تعني شرعنة الصراع بين الأفراد أو الجماعات المسلمة، بل تدعو إلى الوحدة على أساس العقيدة.
ما يتضح في تصور الغنوشي لمبدأ "القوة التأسيسية الشعبية" هو أن تصميم المؤسسات السياسية ليس تعبيرًا عن حرية الشعب في اكتشاف إرادته، بل عن التزامه بتجسيد إرادة جماعية متجذرة سابقًا في الهوية الإسلامية المشتركة.
فكما عند بعض الجمهوريين الكلاسيكيين كروسو، يرى الغنوشي أن الجماعة السياسية الإسلامية هي "جمهورية الفضيلة"، وأن وحدتها حول أهداف وقيم مشتركة تُعد المعيار الأساسي الذي تقاس عليه هندسة المؤسسات، وليس فقط قدرة الدستور على إدارة الاختلاف ومنع الاستبداد.
مارش: لطالما أكد الغنوشي، حتى قبل الثورة، أهمية الحريات، سواء في بعدها الإيجابي (التحرر الروحي)، أو السلبي (التحرر من الإكراه) (رويترز)تقوم النظرية السياسية التي طورها راشد الغنوشي على أسس لاهوتية عميقة، تتمثل في تصوره للإنسان على أنه خليفة لله في الأرض، فردًا وجماعة، تسند إليه مسؤولية فهم الشريعة وتطبيقها في ضوء ظروفه وسياقه التاريخي. وبناءً عليه، يرى الغنوشي أن السيادة تنتمي إلى الشعب باعتباره من يفسر الوحي ويُفعّل أحكامه ضمن إطار من العقل والمصلحة والاجتهاد الجماعي. فلا تعارض، في نظره، بين كون الشعب مصدر السيادة وبين كون الشريعة مصدر التشريع.
هذه الرؤية تُبرز التوتر بين النموذج المثالي للديمقراطية الإسلامية والنموذج الليبرالي التعددي. فالنموذج الأول يفترض وحدة أخلاقية ودينية داخل المجتمع، ويستند إلى تصور كمالي للسياسة، يجعل من الدولة أداة لتحقيق الغايات الروحية والمجتمعية، بينما يتأسس الثاني على التعايش بين رؤى متباينة للخير العام.
في المقابل، يرى الغنوشي أن الخلافة العامة تمنح الأمة سلطة تفسير وتطبيق الشريعة، دون تدخل مباشر من الله بعد اكتمال الوحي. فالشعب، في هذه الحالة، هو خليفة الله في الأرض، يمارس كل وظائف الفهم والتنزيل والتطبيق، مما يجعل سيادته غير قابلة للنقض.
قبل 2011، كانت رؤية الغنوشي للديمقراطية الإسلامية تقوم على أساس وحدة تصور الخير ضمن جماعة مؤمنة، في نظام ديمقراطي كمالي ومتسامح، يضمن الحريات دون أن يكون ليبراليًّا بالمعنى الغربي. ولم تكن هذه الرؤية الوحيدة في فكر الغنوشي، بل كانت تتعايش مع خطاب عام أكثر براغماتية وانفتاحًا على التعدد.
أما بعد الثورة، فقد بدأت ملامح تحوّل تدريجي تظهر في خطاب الغنوشي، تُوّجت في مؤتمر حزب النهضة عام 2016، حيث أعلن الحزب رسميًّا تجاوزه لمصطلح "الإسلام السياسي"، وتبنيه لهوية "ديمقراطية مسلمة". واعتبر الغنوشي هذا التحول ثمرة لتراكم فكري ونضج سياسي دام لعقود، وليس قطيعة فجائية مع الماضي.
من السمات البارزة لهذا التحول الجديد:
لطالما أكد الغنوشي، حتى قبل الثورة، أهمية الحريات، سواء في بعدها الإيجابي (التحرر الروحي)، أو السلبي (التحرر من الإكراه). ففي مقالاته "الحرية أولًا" و"الحريات الأساسية في الإسلام"، دعا إلى تمكين الإنسان من حرية الفعل والاختيار، مؤكدًا أن الحرية شرط للمسؤولية الأخلاقية.
ومن التحولات المركزية في فكر الغنوشي بعد الثورة، تزايد اعتماده على وثيقة المدينة بوصفها نموذجًا تأسيسيًّا للحكم الإسلامي. فبينما كان يستلهمها سابقًا لبناء مجتمع أخلاقي، صار يُركّز لاحقًا على طابعها التعددي، ويعتبرها سابقة دستورية تُقر بالتعدد الديني والسياسي، وتؤسس لدولة مدنية قائمة على المواطنة لا العقيدة.
هذا التأويل الجديد لوثيقة المدينة، يسمح بفهم أعمق لتنازلات النهضة خلال صياغة الدستور، كالتخلي عن النص على الشريعة، واعتماد خطاب المساواة وحقوق الإنسان، والتخلي عن تجريم التجديف. ويبرر الغنوشي هذه التنازلات لا باعتبارها ضرورات سياسية، بل بأنها اختيارات مبدئية تعكس أولوية التوافق على الهيمنة.
في لحظة التأسيس الدستوري، اعتبر الغنوشي أن الشرعية لا تُبنى على الأغلبية البسيطة، بل على التوافق الواسع الذي يضم كل الاتجاهات الفكرية والسياسية. فالدستور ليس ملكًا لحزب، بل عقد اجتماعي للأمة كلها. وهنا يرفض الغنوشي فرض الشريعة باعتبارها مرجعية وحيدة، بحجة أنها موضع خلاف عميق، والدساتير لا تُبنى على مواضع الخلاف، بل على ما يشكل قاعدة إجماع.
هذا التحول من اعتبار الشريعة جوهر النظام السياسي إلى اعتبارها نقطة خلاف، يعكس الانتقال من الإسلاموية إلى الديمقراطية المسلمة، حيث يُعاد تعريف الهوية الإسلامية من خلال مفاهيم مدنية وتعاقدية تتسع للتعدد ولا تُقصي الخلاف.
لا يُفصّل الغنوشي كثيرًا في الإجابة عن سؤال مدى مشروعية التنازل عن مبدأ سيادة الشريعة، لكنه يقدّم إشارات ذات دلالة. فهو يقول: "يجب أن يقوم الدستور أيضًا على أساس من القيم الإنسانية، لأننا جزء من البشرية التي صاغت مبادئ مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما أننا ورثة المدرسة الإصلاحية ونعدّها من مصادر دستورنا وطريقتنا التونسية الخاصة في التفكير".
ويؤكد الغنوشي أن الهدف هو بناء دولة مدنية تستمد مشروعيتها من الشعب، أي من الناس المحكومين أنفسهم، فلا شرعية لأي حاكم إلا من خلال تفويض صريح من الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة وتعددية. ورغم أن الغنوشي لا يقدم أساسًا إسلاميًّا عميقًا لهذا التفضيل الواسع لفكرة "الإجماع"، فإنه يكرر التأكيد على أن "علينا توسيع الحريات قدر المستطاع. فالعدالة من مقاصد الإسلام العليا، وكذلك الحرية… فالدساتير وُجدت لمنع الاستبداد، لا لمنع الحرية، وكل خطوة نحو توسيع الحرية هي حركة في الاتجاه الإسلامي".
ويُبدي موقفًا مشابهًا بشأن قضايا أخرى مثيرة للجدل. ففي موضوع المساواة بين الجنسين، يرى أن الإسلاميين لم يُنصفوا عند استخدامهم لمصطلح "التكامل"، ويشرح أن المقصود هو أن المرأة والرجل يُكمل بعضهما بعضًا، لا أن المرأة مجرد مكمّل للرجل. لكنه يقر بأن المصطلحات المثيرة للريبة يجب تجنبها، قائلًا: "نحن نصحنا زملاءنا بالتخلي عن مصطلح التكامل، رغم اقتناعنا بأنه لا يناقض المساواة، لكنه موضع سوء فهم، والدساتير ينبغي أن تكون توافقية لا تقسيمية".
أما فيما يتعلق بحقوق الإنسان، فالغنوشي يتناول الموضوع بمنهج واقعي مماثل. ورغم أن لغة "الكونية" تثير تساؤلات حول مدى اتساقها مع الرؤية الإسلامية، فإنه يقول: "علينا، نحن الإسلاميين، أن نفرح لكون البشرية أقرت بأن للإنسان حقوقًا بغض النظر عن دينه أو عرقه. فهذا يضمن الحقوق والحريات، والإسلام جاء لخدمة مصالح الناس، وكل ما يخدم تلك المصالح يُعدّ من الإسلام، حتى إن لم يُذكر في آية أو حديث."
كما تناول الغنوشي بشكل أعمق مسألة التوافق بين المفاهيم الإسلامية والعلمانية لحقوق الإنسان؛ حيث لا يتميّز بدفاعه عن الحقوق المعروفة مثل حرية الضمير والدين، وحقوق التملك والعمل والتعليم والمشاركة السياسية، بل بما هو أعمق ومرتبط بالأساس اللاهوتي الذي طالما شكّل جوهر فلسفته السياسية، لتبرير استبدال الشريعة بمفاهيم "كونية" لحقوق الإنسان.
في هذا السياق، يُعاد تعريف مفهوم "الخلافة الإنسانية" بوصفه تكريمًا إلهيًّا لجميع البشر، ويصبح الإسلام دينًا يهدف إلى إسعاد البشرية جمعاء، لا المسلمين فقط. فالحريات الفردية -بما في ذلك الحرية السلبية كما تُعرف في الفقه السياسي- تُعد من صميم الميراث الإسلامي، لأنها تشكّل الأساس للركن الأول من الإيمان: الشهادة، التي هي تعبير عن حرية الفرد ومسؤوليته أمام الله.
وإذا ظهرت تباينات بين بعض تفاصيل الشريعة الإسلامية وبعض صيغ حقوق الإنسان، فإن الغنوشي لا يراها إشكالية كبرى. فالشريعة تُنظم مصالح البشر تدريجيًّا، من الضروري إلى التحسيني، وما يهم في النهاية هو تقاطع تلك المصالح، وهو ما يراه الغنوشي متحققًا في جوهر حقوق الإنسان الحديثة.
فكرة التحول من الإسلام السياسي إلى ما يُعرف بـ"الديمقراطية المسلمة" لم تنشأ بعد ثورات 2011، بل بدأت تتبلور منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين وفي السياق التونسي، لطالما تزامن الطرح المثالي لـ"جمهورية الفضيلة" -التي توفّق بين السيادة الإلهية والسيادة الشعبية- مع مرونة براغماتية واضحة لدى الغنوشي، كما ظهر في كثير من كتاباته، وتصريحات حركة النهضة، سواء في نسختها الأولى كـ"الاتجاه الإسلامي"، أو لاحقًا بعد الثورة.
ففي النصوص ذاتها التي ينتقد فيها الغنوشي التعددية الماديسونية ويدعو إلى وحدة أخلاقية في الحياة السياسية، نراه أيضًا يصرّح باستعداده للتعاون مع طيف واسع من الأحزاب، بما فيها الشيوعية. ومن هنا، لا ينبغي أن نفهم التحول من خطاب "الكمالية اليوتوبية" قبل الثورة إلى خطاب "البراغماتية التعددية" بعدها كمجرد قطيعة، بل كان الخطابان -إلى حدّ بعيد- متداخلين في مشروعه الفكري.
ورغم أن عناصر التعددية والبراغماتية كانت حاضرة مسبقًا، فإن ما بعد 2014 شكّل لحظة فارقة، ليس فقط على مستوى الخطاب، بل أيضًا في البنية التنظيمية والفكرية. ففي المؤتمر العاشر لحركة النهضة (مايو/أيار 2016)، تم الإعلان رسميًّا عن التخلي عن صفة "الإسلام السياسي" واعتماد هوية "ديمقراطيين مسلمين".
وقد جاء في البيان الختامي للمؤتمر أن حركة النهضة تجاوزت عمليًّا كل المبررات التي تدفع إلى اعتبارها جزءًا مما يُسمى بالإسلام السياسي، وأن هذا التصنيف لم يعد يعكس طبيعة هويتها الحالية ولا رؤيتها المستقبلية. كما أكّد البيان أن النهضة تسعى إلى بناء تيار واسع من "الديمقراطيين المسلمين" الذين لا يرون أي تناقض بين القيم الإسلامية وقيم الحداثة.
وقد اعتبر قادة في النهضة، مثل سعيد الفرجاني، أن هذا التحول لم يكن جديدًا، بل تأكيدًا لتطورات طويلة الأمد، مشيرًا إلى أن الإسلاموية لم تكن أيديولوجيا حكم بقدر ما كانت لغة معارضة.
الطابع المثالي في فكر الغنوشي تراجع بشكل ملحوظ بعد الثورة. لم يعد يتحدث كثيرًا عن "الخلافة العامة" أو هيمنة الشريعة، بل أصبحت كتاباته وخطاباته تركّز على مفاهيم مثل العقد الاجتماعي، والعيش المشترك، والمواطنة، والمصلحة العامة.
وقد جُمعت معظم كتاباته بعد الثورة في مجلد بعنوان إرهاصات الثورة (2015)، ويتضمن مقالات وحوارات من عام 1999 إلى 2014، مع تركيز كبير على كتاباته خلال الأزمة السياسية في 2013. والديمقراطية المسلمة تعبر عن رؤيته الجديدة للديمقراطية، وحقوق الإنسان، والدستور، والانتقال السياسي في تونس. كما كتب الغنوشي حول مفاهيم "الديمقراطية"، و"المواطنة"، و"العلمانية"، و"الحرية"، محاولًا تأصيلها تأصيلًا إسلاميًّا معاصرًا، ودعا إلى إدماجها ضمن السياق القيمي الإسلامي.
من أبرز التحولات في فكر الغنوشي بعد الثورة تركيزه على "صحيفة المدينة" بوصفها نموذجًا تأسيسيًّا يُستأنس به لبناء دولة تعددية. فعلى خلاف استخدامه السابق للصحيفة دليلًا على وحدة القيم السياسية والأخلاقية، صار يُبرزها مثالًا على إمكانية تأسيس نظام سياسي مدني عبر التعاقد بين مجموعات دينية متعددة.
يؤكد الغنوشي أن المدينة كانت دولة قائمة على عقد اجتماعي، وليست مشروعًا قيميًّا فوقيًّا. ويقول: "نحن محظوظون بأن أول دولة إسلامية كانت دولة تعددية"، معتبرًا أن المواطنة، لا العقيدة، يجب أن تكون أساس الحقوق والواجبات. في هذا النموذج، لا تكون وظيفة الدولة إثبات صدق أي عقيدة، بل ضمان التعايش السلمي والتعاون والمساواة أمام القانون.
يرى الغنوشي أن صياغة دستور ما بعد الثورة يجب أن تقوم على التوافق الواسع، لا على قاعدة الأغلبية البسيطة. ويصر على أن "الدستور يجب أن يكون دستورًا لتونس كلها، لا لحزب أو تيار بعينه". ولذلك، تم التخلي عن بنود باعثة للانقسام، مثل النص على الشريعة، أو مفهوم "التكامل" بين الجنسين.
وفي معرض دفاعه عن حذف الإشارة إلى الشريعة، يرى الغنوشي أنَّ الإسلام لا يعرف الكنيسة التي تحتكر تفسير الدين. بل هذا الأمر موكول إلى الأمة، وإلى مؤسساتها، وإلى الناس. لذا فإن القضايا الخلافية لا تُكتب في الدساتير، بل تُبنى الدساتير على ما هو محل إجماع.
مارش: يمكن فهم تبنّي "الديمقراطية المسلمة" كرسالة طمأنة للأطراف الأخرى بأن النهضة لا تسعى إلى احتكار السلطة أو إلى تحويل تونس إلى جمهورية إسلامية (الفرنسية)هنا يمكن اقتراح ثلاث مقاربات رئيسية لفهم هذا التحول؛ المقاربة الأولى ترى في "الديمقراطية المسلمة" أيديولوجيا ظرفية، فرضتها الحاجة السياسية، أو خطابًا وظيفيًّا أُجبر عليه حزب النهضة بفعل ضرورات الواقع. وهذا لا يعني بالضرورة أن هذه الأيديولوجيا مجرد غطاء دعائي أو أنها طُرحت دون إخلاص، بل يشير إلى أن الحزب تجاوز مرحلته الأيديولوجية نحو منافسة سياسية فيما بعد الأيديولوجية.
بين عامي 2011 و2021، شاركت النهضة في عدة تحالفات حكومية، رسمية وغير رسمية، مع أحزاب علمانية متعددة. وقد تراوحت نسبة تمثيلها البرلماني بين 20% و37%، لكنها شهدت تراجعًا في كل انتخابات بعد انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011.
رغم حفاظها على قاعدتها المحافظة اجتماعيًّا، قلّصت النهضة من الخطاب الديني المثير للانقسام في حملاتها، وانتهجت إستراتيجية التوافق بعد الانتخابات. هذا التوجه أدى إلى انشقاق جناح أكثر محافظة عنها وتشكيل كتلة "ائتلاف الكرامة" في انتخابات 2019.
يفسّر علماء السياسة عادةً "اعتدال" الحركات الإسلامية بعدة عوامل، مثل الحوافز الانتخابية، وضغوط القمع، والتفاعل مع أطراف سياسية أخرى، وتأثير تجربة العيش في ديمقراطيات غربية. ويمكن هنا إضافة عامل آخر هو الخوف من انقلاب مضاد كما حصل في مصر عام 2013، ودمّر جماعة الإخوان المسلمين سياسيًّا، مما شكّل تحذيرًا دائمًا لقيادة النهضة. بالفعل، وكما أظهر الواقع في تونس، فإن الحكومة بقيادة قيس سعيّد بدت مصمّمة على إقصاء جميع قوى المعارضة، وعلى رأسها النهضة.
بناءً على ذلك، يمكن فهم تبنّي "الديمقراطية المسلمة" كرسالة طمأنة للأطراف الأخرى بأن النهضة لا تسعى إلى احتكار السلطة أو إلى تحويل تونس إلى جمهورية إسلامية. إنها إستراتيجية تهدف إلى دعم الانتقال الديمقراطي من جهة، وضمان عدم إقصاء النهضة من جهة أخرى. وضمن هذه الإستراتيجية، دعمت النهضة قانون "المصالحة الإدارية" المثير للجدل عام 2017، الذي منح عفوًا لموظفين ارتكبوا انتهاكات في عهد بن علي. بالتالي، فإن هذا التحول ليس نابعًا فقط من مراجعة فكرية عميقة، بل إنه كذلك نابع من قراءة واقعية للمشهد السياسي التونسي.
مارش: "الديمقراطية المسلمة" ليست طريقا للعلمنة، بل تسوية دستورية سلمية تتيح للأطراف المتنازعة النضال ضمن إطار سياسي قائم على الخلاف (الأناضول)يمكن أن يستند الطرح الثاني لفهم الديمقراطية المسلمة إلى مفاهيم ليبرالية، وتحديدًا رؤية جون رولز، حول كيفية تعامل العقائد الشاملة مع الواقع التعددي في المجتمعات الديمقراطية. هل يعكس هذا التحول مراجعة فكرية جادة للاعتراف بالتعددية الأخلاقية والسياسية في العالم الحديث؟ رولز يرى أن الجماعات العقائدية، حين تدخل النقاش العام، تصبح مضطرة إلى تطوير تصورات سياسية للعدالة يمكن بها إقناع جمهور أوسع من خارج دائرتها الضيقة.
من خلال هذا المنظور، يمكننا فهم مرونة الغنوشي وحركة النهضة وبراغماتيتهما بين عامي 2011 و2021، وليس ذلك فقط، بل أيضًا التوقع الضمني بأن النظام الدستوري يسمح بالسعي السياسي وراء أهداف فكرية أو أيديولوجية خاصة.
إن التحول نحو "الديمقراطية المسلمة" لا ينبغي اعتباره مجرد مرحلة انتقالية نحو العلمنة الكاملة، أو توافقًا تقاطعيًّا على طريقة جون رولز، يُفترض فيه التزام مبدئي بعدم الاستناد إلى العقائد الدينية في تبرير القوانين، بل يمكن اعتباره استجابة مباشرة للواقع السياسي القائم على الخلاف والتنازع، وتفضيلًا لتسوية دستورية سلمية، تتيح للأطراف المتنازعة أن تناضل داخلها من أجل رؤاها وبرامجها الخاصة.
يختلف هذا التوجه عن نظرية الإسلام السياسي الكلاسيكية من حيث إنه لا ينطلق من تصور شامل لنظام سياسي إسلامي مثالي، بل يفترض واقع السياسة كما هو قائم فعليًّا. وهو لا يتخلى عن الأهداف الدينية في السياسة، لكنه يرتّب أولوياته بشكل أكثر سياقية ومرونة، وفق ما تمليه الظروف.
كما يقبل بالتعددية باعتبارها معطًى واقعيًّا، وبالنظام الدستوري بوصفه "توافقًا غير مكتمل التنظير" على حد تعبير كاس سنستاين، لكنه لا يشعر في الوقت نفسه بالحاجة إلى تقديم تبرير إسلامي عميق لمدى عقلانية أو معقولية العقائد الأخرى أو أنماط الحياة المختلفة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة