ما بين عامي 1904 و1905، تابع العالم عن كثب أطوار الحرب الروسية اليابانية التي لقبت من قبل كثيرين بأولى الحروب المعاصرة بسبب الابتكارات الهامة التي عرفها مجال الأسلحة تزامناً مع تقدم التكنولوجيا المعتمدة في السفن الحربية.
وخلال المعركة التي امتدت لأكثر من عام ونصف، تلقى الروس هزائم هائلة أسفرت عن خسارتهم للعديد من الأراضي مع سقوط أعداد كبيرة من القتلى. كما تلقوا ضربة قاضية عقب معركة مضيق تسوشيما (Tsushima)، أواخر مايو (أيار) 1905، التي أدت إلى تدمير ما يزيد عن 20 سفينة حربية تابعة لأسطول البلطيق الروسي.
وقبل الحرب، أجرى الروس واليابانيون مفاوضات أملاً في تجنب الخيار العسكري. ورغم استمرارها لسنوات، فشلت المحادثات وانتهت ببداية نزاع أودى، حسب التقديرات، بحياة ما يزيد عن 150 ألف شخص.
مع نهاية القرن التاسع عشر، كسب أقصى شرق آسيا مكانة استراتيجية هامة حيث منحت هذه المناطق العديد من الامتيازات كالانفتاح على الأسواق الصينية.
من جهة ثانية، شهدت عدد من مناطق أقصى شرق آسيا ظهور مشاريع كبيرة مثل خطوط السكك الحديدية التي قربت المسافات وسهلت الحركة التجارية.
تزامناً مع ذلك، مثلت اليابان قوة صاعدة اتجهت للانفتاح على مزيد من الأسواق. فمنذ إصلاح ميجي (Meiji) الذي بدأ عام 1868، شهدت البلاد ثورة صناعية سريعة سرعان ما حولتها لقوة إقليمية. كما عرف الجيش، وخاصة البحرية، إصلاحات كبيرة وتزود بأسلحة وبوارج حربية حديثة.
وما بين 1894 و1895، خاضت اليابان حرباً ضد الصين تمكنت خلالها من انتزاع جزيرة تايوان وشبه جزيرة لياودونغ (Liaodong) من الصينيين، وزادت في الوقت ذاته من نفوذها بشبه الجزيرة الكورية.
وعقب تلك التطورات، اتجهت القوى الأوروبية، وعلى رأسها روسيا، للتدخل لإجبار اليابان على إعادة شبه جزيرة لياودونغ إلى الصينيين. من جانب آخر، تحولت مناطق منشوريا وشبه الجزيرة الكورية لنقاط خلاف رئيسية بين الروس واليابانيين حيث اعتبرها كل منهما مناطق حيوية لاقتصاده واستقراره وأمنه.
ما بين 1901 و1904، حاولت روسيا واليابان تجنب الحرب عبر المحادثات الدبلوماسية. وفي البداية، تمسك اليابانيون بالحصول على شبه الجزيرة الكورية وأكدوا على منح روسيا هيمنة مطلقة على منشوريا. بالتزامن مع ذلك، حث اليابانيون الروس على إبرام اتفاقية بين الطرفين لاحترام سيادة الصين وعدم التدخل بشؤونها. غير أن روسيا رفضت تلك المقترحات وأكدت على عدم قبولها بهيمنة يابانية مطلقة على شبه الجزيرة الكورية.
وخلال الفترة بين 1901 و1902، أجرت اليابان وروسيا بعض المشاورات حول مستقبل المنطقة ونقاط الخلاف. وفي أغسطس (آب) 1903، قدمت اليابان مقترحاً رسمياً عرضت من خلاله حصولها على شبه الجزيرة الكورية ومنح منشوريا لروسيا. وبردهم في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، قبل الروس بشكل مؤقت وأبدوا بعض التحفظ على البنود المتعلقة بشبه الجزيرة الكورية حيث أكد المسؤولون على أهمية إنشاء منطقة محايدة ومنزوعة السلاح شمال شبه الجزيرة الكورية.
إلا أن الرد الروسي أثار غضب اليابانيين الذين وصفوه بالمهين واتجهوا أواخر 1903 لتقديم عرض آخر، قدموا من خلاله بعض التنازلات، للروس. فيما عمدت روسيا لتأخير التوصل لاتفاق وطالبت اليابان بتقديم توضيحات حول عدد من البنود.
ومستغلة التحالف الذي أبرمته مع بريطانيا عام 1902 وحصولها على تأييد الأخيرة لها، اتجهت اليابان لقطع علاقاتها الدبلوماسية مع روسيا مطلع فبراير (شباط) 1904. وبحلول السادس من الشهر نفسه، شن اليابانيون هجوماً على بورت آرثر، في شبه جزيرة لياودونغ، التي كانت تحت سيطرة الروس معلنين بذلك بداية الحرب الروسية اليابانية.
المصدر:
العربيّة