بوادر نهج تحكيمي جديد يبدو وكأنه يسعى إلى إعادة كرة القدم إلى طبيعتها انطلاقا من إيطاليا ودوريها الكالتشيو، بعدما طغى تدخل تقنية الفيديو المساعدة على كثير من تفاصيل اللعبة خلال السنوات الماضية.
مع مرور 3 جولات على انطلاق الدوري الإيطالي، ظهرت ملامح هذا التوجه الذي يقوده الحكم الدولي الإيطالي السابق دانييلي أورساتو، المسؤول الجديد عن لجنة حكام الدرجتين الأولى والثانية في إيطاليا.
خلال تجمع الحكام في مدينة كاشيا في أغسطس/آب وقبل بداية الموسم الكروي، أكد أورساتو ضرورة إعادة الحكم إلى مركز القرار داخل الملعب، وحصر تدخل تقنية حكم الفيديو المساعد (فار) في حالات الخطأ "الواضح والجلي" فقط، موضحا أن الفلسفة الجديدة تقوم على أن يكون الحكم صاحب الكلمة الأولى في إدارة المباراة، في حين تبقى تقنية الفيديو وسيلة دعم استثنائية.
وأضاف في تصريحات نقلها موقع سكاي سبورتس: "نريد إعادة الحكم إلى مركز المباراة، واستخدام تقنية الفيديو بوصفها دعما استثنائيا، على أن يقتصر تدخلها على حالات الخطأ الواضح والجلي".
وأوضح أن هذا التوجه يستند إلى النهج الذي ظهر خلال نهائيات كأس العالم الأخيرة، قائلا: "رأينا خلال المونديال أن الشخصية المركزية كانت الحكم، ونريد أن يبقى الأمر كذلك، أن يتخذ قراراته بنفسه، وأن يتدخل الفار عندما يكون تدخله ضروريا".
وأكد أورساتو أن هذا التوجه لا يمثل ثورة في قوانين اللعبة، بل يأتي انسجاما مع التعليمات الدولية الصادرة عن الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم.
وقال: "يويفا وفيفا شددا على مفهوم الخطأ الواضح والجلي. لا أعتقد أن لدينا ثورة أو مستجدات كبيرة، ولا نحتاج إلى إطلاق شعارات. شاهدنا التعديلات الجديدة في كأس العالم وسنطبقها، فهي إرشادات صادرة عن مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم، طبقها فيفا في المونديال، وسيطبقها يويفا في مسابقاته، وسنطبقها نحن أيضا في إيطاليا".
التوجيهات الجديدة تدعو إلى عدم إطلاق الصافرة خلال المباريات حتى في حالات ركلات الجزاء غير الواضحة، إضافة إلى المخالفات عند منطقة العمليات. ويمكن الاستناد في ذلك إلى مباراة نابولي وكومو، ضمن منافسات الجولة الثانية من بطولة الدوري الإيطالي للموسم الكروي 2027/2026.
ووفقا للتحليل التحكيمي الذي نشرته صحيفة كورييري ديلو سبورت، أدار الحكم لوكا بايريتو المباراة التي أقيمت على ملعب دييغو أرماندو مارادونا من دون حالات تحكيمية معقدة، رغم بقاء النتيجة معلقة حتى مراحل متقدمة من اللقاء.
وأشارت الصحيفة إلى أن الحكم أطلق صافرة المخالفات 13 مرة فقط، وأشهر بطاقة صفراء واحدة، ومنحته تقييما بلغ 6.5 من 10.
وأوضحت الصحيفة أن الهدف الذي سجله ستانيسلاف لوبوتكا وألغي لاحقا جاء بعد تمريرة من البلجيكي كيفن دي بروين إلى لوكا، الذي كان متقدما قليلا على الخط الدفاعي الذي شكله مدافع كومو تشالوباه.
وبذلك، حسم التسلل القرار قبل الحاجة إلى الخوض في تقييم الاحتكاك الذي وقع لاحقا بين لوكا وتشالوباه، إذ تبادل اللاعبان الشد من القميص، في لقطة رأت الصحيفة أنه من الصعب تحديد الطرف الذي ارتكب المخالفة أولا فيها.
وتطرقت الصحيفة أيضا إلى لقطة أخرى شهدت دفع يان كوتو للاعب نابولي نوا لانغ، الذي سقط أرضا، مشيرة إلى أن بداية الاحتكاك كانت خارج منطقة الجزاء واستمرت داخلها.
واعتبر التحليل أن اللقطة لا تستوجب احتساب ركلة حرة أو ركلة جزاء، في انسجام مع التوجيهات التحكيمية الجديدة التي تدعو إلى الحد من إطلاق الصافرة في الاحتكاكات التي لا ترقى إلى مستوى المخالفة الواضحة.
وتعكس الأرقام بوضوح التحول الذي يشهده التحكيم في الدوري الإيطالي خلال الموسم الحالي. فمثلا خلال أول 24 مباراة من منافسات الكالتشيو، لم تنته أي مواجهة بالتعادل من دون أهداف، في مؤشر على توجه يمنح اللعب مساحة أكبر للاستمرار ويحد من التدخل المتكرر لصافرة الحكم.
هذا النهج الأكثر تساهلا مع الاحتكاكات البدنية أسهم في زيادة النزعة الهجومية، إذ شهدت جميع المباريات تسجيل أهداف، بعدما بات الحكام يسمحون بقدر أكبر من الالتحامات والتدخلات التي كانت قد تتوقف عندها اللعبة في السابق.
الدكتور في القانون الرياضي غويدو أوليفاريس أشار إلى أمر مثير حدث خلال المباريات الـ24 الأولى من الكالتشيو، حيث لم تشهد احتساب أي ركلة جزاء، وهو رقم نادر في كرة القدم الحديثة التي أصبح فيها اللجوء إلى علامة الجزاء وتدخل تقنية الفيديو أمرا متكررا. فقد مُنح المدافعون مساحة أوسع للتدخل داخل منطقة العمليات، من دون أن تتحول كل مواجهة بدنية إلى صافرة أو مراجعة عبر تقنية الفيديو.
كما امتد هذا التوجه إلى البطاقات، إذ لم يظهر سوى طرد واحد خلال المباريات الـ24، ولم يكن بسبب تدخل عنيف أو مخالفة داخل الملعب، بل نتيجة الاعتراض على قرار تحكيمي، في مفارقة لافتة بالنسبة إلى دوري ارتبط تاريخيا بالصرامة الدفاعية والالتحامات القوية.
ومع ذلك، يبقى من السابق لأوانه إصدار حكم نهائي على هذا النهج الجديد، إذ لا تزال التجربة في بدايتها ولم تمض سوى 3 جولات على انطلاق الدوري.
وقد تكون الأرقام الحالية مؤشرا على تغير في طريقة إدارة المباريات، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحول دائم في أسلوب التحكيم أو تأثيره في إيقاع المنافسة.
وحده استمرار هذه المؤشرات على امتداد الموسم، وتكرارها في ظروف ومباريات مختلفة، سيكشف إذا ما كانت إيطاليا أمام تحول حقيقي في فلسفة التحكيم وإعادة كرة القدم إلى ما قبل التقنية، من كونها مجرد بداية لافتة سرعان ما تتغير مع مرور الجولات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة