خورخي ميسي لم يكن مجرد أب أو وكيل أعمال عابر، بل كان الهيكل الذي قامت عليه مسيرة ليونيل بأكملها، من الملاعب الترابية في روساريو حتى قمة كرة القدم العالمية. تُوفِّي عن عمر ناهز 68 عاما مساء الجمعة في مدينة روساريو بعد صراع طويل مع المرض، وأكد مركز سناتوريو سنترو الطبي الذي كان يتلقى العلاج فيه خبر وفاته، دون الكشف عن تفاصيل إضافية احترامًا لخصوصية العائلة.
قبل أن يعرفه العالم والدا لأعظم لاعب في التاريخ، كان خورخي فنيا كيميائيا وعاملا في مصنع للصلب، ولاعبا سابقا في مركز الوسط وصل إلى فئات الشباب في نادي نيولز أولد بويز قبل أن يضطر لترك اللعب لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية. لاحقا أشرف على فرق الفئات العمرية في نادي غراندولي المحلي، وهو من منح ابنه فرصته الأولى للعب وهو في الرابعة من عمره على ملاعب الأحياء الترابية التي اعتاد الأطفال الأرجنتينيون اللعب فيها.
حين تفتحت موهبة ليونيل الصغير، اصطدمت العائلة بعقبة كادت تنهي كل شيء: تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو. وحين توقف النادي المحلي عن تمويل العلاج، لم يستسلم خورخي، بل حمل حقيبته وابنه البالغ 14 عاما وسافرا إلى إسبانيا بحثًا عن فرصة. أقنع مسؤولي برشلونة بمنح ابنه تجربة أداء لأسبوعين في سبتمبر/أيلول 2001، فاقتنع المدير الرياضي كارليس ريكساتش بالموهبة فورًا، لكن الأزمة المالية للنادي جعلت المسؤولين مترددين بينما بدأ ريال مدريد وأتلتيكو مدريد يتحركان لخطف الصفقة. أمام هذا الضغط، حضر ريكساتش على عجل في نادٍ للتنس ووقّع اتفاقًا غير تقليدي على قصاصة منديل ورقي، أصبحت لاحقًا وثيقة قانونية ملزمة، وبِيعت بالمزاد قبل سنوات بمبلغ تجاوز 762 ألف جنيه إسترليني (نحو 968 ألف دولار).
وبذلك اتخذ خورخي القرار الذي غيّر مجرى حياة العائلة بأكملها: ترك وظيفته المستقرة وزوجته سيليا وأطفاله الثلاثة الآخرين في الأرجنتين، وانتقل إلى إسبانيا مع ليونيل. بقي معه في برشلونة، وأصر على أن يعيشا معًا في شقة بدلا من إقامة ابنه في أكاديمية لا ماسيا مع بقية اللاعبين، ليكون الحاضنة الوحيدة لطفل مراهق في بلد غريب. وقد تحدث ميسي لاحقًا عن قسوة تلك المرحلة، واصفًا كيف كان يبكي بمفرده في غرفته وكان والده يفعل الأمر ذاته سرًّا، في حين يتظاهر كل منهما أمام الآخر بأن كل شيء على ما يرام.
فاوض خورخي على أول عقد احترافي لابنه عام 2004، وتصدى بعد عامين لعروض إنتر ميلان، ثم أدار لاحقًا إمبراطورية "براند ميسي" التجارية، من رعايات مع أديداس وبيبسي وبودفايزر، إلى عقد تاريخي بقيمة نحو 555 مليون يورو (نحو 600 مليون دولار) عام 2017 جعل ابنه أعلى الرياضيين أجرا في التاريخ. رافقه لاحقًا إلى باريس سان جيرمان ثم إنتر ميامي، حيث أشرف على صفقات جديدة من بينها حصة من عقد "أبل تي في" مع الدوري الأمريكي.
لم يتمكن خورخي بسبب مرضه من حضور مباريات ابنه في كأس العالم هذا العام، الذي قاد فيه الأرجنتين إلى المركز الثاني، ويُعتَقَد أن غيابه كان أحد أسباب التأثر الشديد الذي ظهر على ميسي بعد تسجيله هدفًا في مباراة الافتتاح أمام الجزائر. وبعد نهاية البطولة أمضى ميسي وقتًا مع والده في روساريو قبل أن يعود إلى صفوف إنتر ميامي، ثم عاد الآن على متن طائرة خاصة من الولايات المتحدة برفقة زوجته أنتونيلا روكوزو وأطفالهما لتوديعه للمرة الأخيرة، في مشهد مؤثر حضره أفراد العائلة وزملاؤه في الفريق.
عُلِّقَت على بوابات مقبرة إل برادو في روساريو رسائل مكتوبة بخط اليد من المشجعين، إلى جانب إكليل كبير من الزهور. وانهالت رسائل التعازي من مختلف أنحاء عالم كرة القدم: نادي نيولز أولد بويز وصف خورخي بأنه الداعم الذي رسّخ، بفضل رؤيته وحزمه وحنانه إلى جانب زوجته سيليا، مسيرة أفضل لاعب في التاريخ، كما شكر نادي برشلونة خورخي على التزامه تجاه النادي وثقته به خلال بدايات مسيرة ابنه، وعبّر الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم عن حزنه العميق. كما كرّم رودريغو دي بول، صديق ميسي المقرب وزميله في إنتر ميامي، الأب الراحل بخلع قميصه عن قميص ميسي رقم 10 بعد تسجيله هدفًا، وخاض بقية اللاعبين مباراتهم بشارات سوداء.
يخلف خورخي وراءه زوجته سيليا وأبناءه الأربعة: رودريغو وماتياس وليونيل وماريا سول.
لا يكتمل إرث خورخي دون الإشارة إلى القضايا القانونية التي رافقت دوره الإداري: ففي عام 2013 اتُّهم الأب والابن باستخدام شبكة من الشركات في بريطانيا وسويسرا وبليز وأوروغواي بين عامي 2007 و2009 لتحصيل عائدات حقوق الصورة والتهرب من الضرائب في إسبانيا، وأُغلِقت القضية عام 2017 بغرامات بلغت ملايين الدولارات. وفي عام 2019 واجه خورخي وليونيل، إلى جانب مؤسسة ليونيل ميسي، اتهامات جديدة بجرائم ضريبية وغسل أموال، قبل أن تُسقَط هذه القضية عام 2021.
بين العامل البسيط الذي راهن على موهبة ابنه، والأب الذي ضحّى من أجلها بكل شيء، والوكيل الذي حوّلها إلى إمبراطورية رياضية وتجارية، تختصر مسيرة خورخي ميسي حكاية استثنائية نادرًا ما تتكرر. ولا غرابة في أن يخلّف رحيله هذا الحزن العميق في أوساط اللاعبين والأندية والجماهير، وأن يهرع ليونيل من الولايات المتحدة ليودّعه بنفسه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة