آخر الأخبار

مزدوجو الجنسية بمنتخب تونس- مكسب حقيقي أم انعكاس لأزمة أعمق؟

شارك
لاعبو منتخب تونس يصطفون أثناء عزف النشيد الوطني قبل مواجهة الدنمارك بكأس العالم في قطر على استاد المدينة التعليمية بالريان. (22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022). .صورة من: KAI PFAFFENBACH/REUTERS

ينتظر أكثر من 200 لاعب مزدوج الجنسية تمثيل منتخبات غير بلدان ميلادهم في كأس العالم 2026، في مؤشر على أن الانتماء الكروي لم يعد مرتبطًا فقط بمكان الولادة، بل أصبح نتاج مسارات عائلية وثقافية ورياضية معقدة، تجعل اختيار المنتخب قرارًا يجمع بين الطموح الرياضي والاعتبارات الشخصية والمهنية.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على المنتخبات العربية وحدها، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في منتخبات مثل المغرب والجزائر و تونس ، التي اعتمدت خلال السنوات الأخيرة بشكل متزايد على لاعبين تكونوا في مدارس كروية أوروبية وبرزوا في بطولاتها قبل اختيار تمثيل بلدانهم الأصلية .

وفي تونس تحديداً، لا يقتصر الجدل على القيمة الفنية للاعبين مزدوجي الجنسية، بل يمتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بالانتماء والهوية ومعايير الاختيار. فمع كل قائمة جديدة للمنتخب، يعود النقاش حول حدود أحقية اللاعب الفلاني في تمثيل القميص الوطني، وحول ما إذا كان المنتخب خياراً أولاً أم بديلاً أخيراً لبعض الأسماء، كما يتجدد الحديث عن واقع التكوين المحلي و قدرة الكرة التونسية على إنتاج مواهبها بنفسها .

وبين من يرى في هؤلاء اللاعبين ضرورة فرضتها المنافسة الدولية، ومن يعتبر أن الاعتماد المتزايد عليهم يخفي أزمات أعمق داخل المنظومة الكروية التونسية، يظل الملف مفتوحاً على تساؤلات تتجاوز المستطيل الأخضر لتلامس مفهوم الانتماء ذاته في كرة القدم.

يستعد إلياس السخيري نجم وسط أينتراخت فرانكفورت الألماني للعب مع منتخب بلاده تونس في كأس العالم 2026. يحمل السخيري الجنسية التونسية وكذلك الفرنسية، ولكنه يلعب لمنتخب تونس.صورة من: JB Autissier/PanoramiC/IMAGO

مزدوجو الجنسية وإشكالية الانتماء

رغم أن تعيين صبري اللموشي مدرباً للمنتخب التونسي سمح له بتجاوز جزء كبير من موجة الانتقادات، التي رافقت اسمه في البداية، فإن ملفه يعود إلى الواجهة كلما تجدد النقاش حول اللاعبين مزدوجي الجنسية. فاللموشي نفسه يمثل حالة خاصة في تاريخ الكرة التونسية، إذ سبق له أن اختار تمثيل فرنسا كلاعب، قبل أن يعود اليوم لقيادة المنتخب التونسي من مقعد المدرب.
ورغم أن كرة القدم الحديثة تجاوزت إلى حد بعيد المفاهيم التقليدية للهوية الرياضية، فإن جزءاً من الجماهير التونسية لا يزال ينظر إلى هذه المسألة من زاوية عاطفية بحتة. فبالنسبة إلى كثيرين، يبقى المنتخب أكثر من مجرد مشروع رياضي أو وظيفة احترافية، بل هو مساحة للانتماء والوفاء والارتباط الوجداني بالوطن.
من هنا يبرز السؤال الذي يرافق اللموشي منذ سنوات وهو كيف يمكن لمن لم يختر تونس عندما كان لاعباً أن يصبح اليوم مسؤولاً عن رسم مستقبل منتخبها؟

هذا السؤال نفسه يعود في سيناريو مشابه، اذ تحولت قضية لؤي بن فرحات إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للنقاش في علاقة المنتخب التونسي باللاعبين مزدوجي الجنسية. فقد انتقد المدرب اللموشي اللاعب الشاب لفريق كارلسروه الألماني بسبب عدم تلبيته دعوة المنتخب، معتبراً أن الأولوية يجب أن تكون لحمل القميص الوطني عندما تتاح الفرصة.
غير أن هذه التصريحات فتحت باباً واسعاً للجدل داخل الأوساط الرياضية والإعلامية التونسية، حيث رأى كثيرون أن اللموشي وجد نفسه في مواجهة موقف مشابه لذلك الذي عاشه خلال مسيرته كلاعب عندما اختار تمثيل فرنسا بدل تونس. وهو ما جعل جزءاً من المتابعين يتساؤلون عن مدى أحقية المدرب في توجيه هذا النوع من الانتقادات للاعب لا يزال في بداية مسيرته ويعيش بدوره مرحلة مفصلية في تحديد مستقبله الدولي.
وفي خضم الجدل، سارع لؤي بن فرحات إلى توضيح موقفه عبر حسابه على إنستغرام، مؤكداً حبه لتونس واحترامه للشعب التونسي، نافياً أن يكون موقفه نابعاً من رفض للمنتخب أو تنكر لأصوله التونسية.
وتكشف هذه الحادثة جانباً آخر من إشكالية مزدوجي الجنسية، فالمسألة لا تتعلق دائماً برغبة اللاعب أو عدم رغبته في تمثيل منتخب بلده الأصلي، بل ترتبط أيضاً بطريقة إدارة الملف والتواصل مع اللاعبين الشبان الذين يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان أمام خيارات معقدة بين مشروع رياضي طويل المدى وطموحاتهم داخل البلدان التي نشأوا وتكونوا فيها.
كما تطرح القضية سؤالاً مهماً حول الاستراتيجية الاتصالية للاتحاد التونسي لكرة القدم، والى أي مدى تعتمد تونس على سياسة استباقية قائمة على بناء الثقة والعلاقة مع المواهب الصاعدة، وتوقيت التحرك الذي لا يبدأ إلا عندما يقترب اللاعب من الانفجار الكروي ويصبح محل اهتمام أكثر من منتخب. فالفارق بين النجاح والفشل في هذه الملفات لا يصنعه أحياناً القرار الفني، بل تصنعه طريقة الإقناع وإدارة العلاقة مع اللاعب وعائلته في المراحل المبكرة.

يستعد عمر مرموش نجم مانشستر سيتي الإنجليزي للعب مع منتخب بلاده مصر في كأس العالم 2026. انتظر مرموش بلوغ سن 18 للانتقال إلى أوروبا، حيث وجد بيئة كروية مختلفة تساعده على التطور.صورة من: Ayman Aref/NurPhoto/picture alliance

عندما تصبح معايير الاختيار جزءاً من الأزمة

بالإضافة إلى موضوعي الهوية والانتماء، يطرح ملف اللاعبين مزدوجي الجنسية سؤالاً آخر لا يقل أهمية وهو هل تمتلك الكرة التونسية معايير واضحة ومستقرة لاختيار لاعبي المنتخب؟
ففي العديد من المناسبات، لم يكن الجدل مرتبطاً بجنسية اللاعب أو مكان تكوينه بقدر ما كان مرتبطاً بفلسفة الاختيار نفسها. وهنا تكتسب تصريحات حاتم الطرابلسي أهمية خاصة عندما تحدث عن وجود مظالم رافقت بعض القوائم الوطنية عبر السنوات، حيث تحدث الطرابلسي، نجم منتخب تونس سابقا، لـDW قائلا: "أرى أن المنتخب التونسي دائمًا يعاني في تجاوز دور المجموعات في كأس العالم ، سواء بسبب بعض الاختيارات الفنية، أو أخطاء المدربين في كثير من المناسبات. كان هناك ظلم في القوائم وضم لاعبين على حساب لاعبين آخرين، أو حتى بعض المشاكل الإدارية التي أثرت على الكرة التونسية لسنوات طويلة".

وفي هذا السياق، لا يصبح السؤال: هل يستحق اللاعب مزدوج الجنسية الاستدعاء أم لا؟ بل: لماذا تم اختياره على حساب لاعب آخر؟ وما هي المعايير التي تحكم هذا القرار؟

فاللاعب راني خضيرة (32 عاما)، المولود في ألمانيا والذي نشأ بها أيضا، وهو من أب تونسي وأم ألمانية، كان قد رفض تمثيل المنتخب التونسي قبل مونديال روسيا 2018، مفضّلًا حينها السعي لاتباع خطى شقيقه سامي خضيرة واللعب بقميص المنتخب الألماني .
ومع بقائه خارج حسابات المنتخب الألماني، خاضة مع تقدمه في السن واقترابه من المراحل الأخيرة في مسيرته الكروية، قرر اليوم الانضمام إلى المنتخب التونسي من أجل المشاركة في كأس العالم 2026، 
وهو ما يطرح تساؤلات حول توقيت هذا القرار وحدود قناعته الحقيقية بتمثيل تونس .

وليس القصد هنا استهداف اللاعب شخصياً وإنما هذا ما يناقش في الشارع الرياضي التونسي تجاه ملف مزدوجي الجنسية. فالجماهير تتفهم حق اللاعب في اختيار مستقبله الدولي، لكنها في المقابل تبحث عن مؤشرات تؤكد أن القميص الوطني يمثل خياراً نابعاً من الاقتناع والانتماء، لا مجرد محطة أخيرة في نهاية المسيرة الرياضية.

فرجاني ساسي .. عطاء كبير فأين التكريم؟

وتزداد حدة هذا النقاش عندما يقارن البعض بين وضعية خضيرة ووضعية لاعبين محليين أو دوليين سابقين قدموا سنوات طويلة من العطاء للمنتخب دون أن يحظوا أحياناً بالمعاملة نفسها أو بالاعتراف الكافي بمسيرتهم.

على سبيل المثال نجم خط الوسط فرجاني ساسي ، الذي تجاوز حاجز المائة مباراة دولية وساهم في التأهل إلى كأس العالم وترك بصمة واضحة في أكثر من مشاركة قارية وعالمية، ومع ذلك تحول من قائد فريق إلى لاعب ليس له مكان ضمن قائمة تونس في المونديال.

وهنا تساؤل آخر حول طريقة إدارة المسؤولين التونسيين لنهاية مسيرة أحد أبرز لاعبي المنتخب خلال العقد الأخير.
وأيضاً غياب ثقافة الاعتراف بالعطاء واحترام المسار الدولي للاعبين الذين شكلوا جزءاً من تاريخها.

كما أعادت بعض الملفات الأخرى، مثل قضية عدم استدعاء غيث الزعلوني لاعب النادي الأفريقي التونسي مع المنتخب في المونديال، طرح تساؤلات مشابهة حول مدى خضوع جميع الاختيارات لمعايير فنية بحتة. فكلما غابت التفسيرات الواضحة، توسعت دائرة التأويل وازدادت الشكوك حول وجود اعتبارات أخرى قد تتجاوز الجانب الرياضي.
وتبرز هنا أهمية دور المدرب، ليس فقط في اختيار أفضل الأسماء، بل في إدارة التوازن داخل المجموعة. فنجاح المنتخب لا يقاس بعدد اللاعبين مزدوجي الجنسية أو عدد لاعبي البطولة المحلية، وإنما بقدرة الإطار الفني على بناء مجموعة متجانسة تجمع بين الخبرة والشباب، وبين المحلي والمحترف، وبين اللاعبين الذين نشأوا في تونس وأولئك الذين تكونوا في مدارس كروية أوروبية مختلفة .
وفي مقارنة بين منتخبي تونس ومصر قال هيثم فاروق، نجم منتخب مصر السابق، لـDW: "ربما توصّل مدرب مصر حسام حسن إلى قناعة بأن الاعتماد على اللاعبين مزدوجي الجنسية لم يحقق النجاح المنتظر في تجارب سابقة مع منتخب مصر، وهو ما ظهر في فترات تدريبية سابقة مثل فترة هيكتور كوبر، لذلك فضّل الرهان على لاعبين ينشطون في الدوري المصري أو سبق لهم اللعب فيه".

وأضاف المحلل الكروي بشبكة "بي إن سبورت" القطرية، أن مصر لا تمتلك نفس الامتداد الذي تستفيد منه منتخبات تونس والمغرب و الجزائر من أجيال متعددة من اللاعبين المولودين في أوروبا، باستثناء بعض الحالات المحدودة. وأوضح أن حسام حسن يبدو مرتاحًا مع المجموعة الحالية من اللاعبين، وقادرًا على فرض أسلوبه وأفكاره عليهم، مستفيدًا من مكانته الكبيرة باعتباره أحد أساطير الكرة المصرية، وهو ما يمنحه احترامًا وتأثيرًا واضحين داخل المنتخب.

هل تغطي سياسة مزدوجي الجنسية فشل التكوين المحلي؟

تفرض الأرقام واقعاً لا يمكن تجاهله في ملف اللاعبين مزدوجي الجنسية داخل المنتخب التونسي.
فمعظم الأسماء القادمة من هذا المسار تكونت داخل مدارس كروية أوروبية متقدمة، خاصة في ألمانيا وفرنسا و بلجيكا وغيرها، وهي بيئات تتميز بمنظومات تكوين احترافية واستثمار طويل الأمد في الفئات السنية، سواء على مستوى البنية التحتية أو التأطير الفني أو متابعة تطور اللاعب منذ سن مبكرة. وفي المقابل، تعاني العديد من الأندية التونسية من تفاوت واضح في مستوى التكوين وضعف في الاستمرارية والموارد، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم وجودة اللاعبين الصاعدين محلياً.
ومن هذا المنطلق، لا يبدو نجاح اللاعبين مزدوجي الجنسية حالة استثنائية أو وليد الصدفة، بل نتيجة طبيعية لاختلاف بيئات الإعداد والتكوين.
لكن الإشكال الأعمق لا يتعلق بجودة هؤلاء اللاعبين، بل بموقعهم داخل المشروع الكروي التونسي وكيف أصبح المنتخب يعتمد عليهم كخيار استراتيجي لتعويض محدودية التكوين المحلي.

وصرح نجم منتخب تونس سابقا راضي الجعايدي لدويتشه فيله (DW): "كل منتخب يحاول الاستفادة من أفضل المواهب المتوفرة داخل البلاد وخارجها. التكوين المحلي يبقى هو الأساس أنا شخصيا تكونت في تونس ولاعبين آخرين صنعوا تاريخ المنتخب خرجوا من مدارس الأندية التونسية". 

وتابع الجعايدي لـDW: "النجاح الحقيقي هو أن تكون قادرا على تكوين لاعبين محليين على مستوى عال وتستقبل في الوقت نفسه أفضل المواهب التونسية الموجودة في أوروبا أو غيرها".

كما أكد الجعايدي أن الأمر ليس منافسة بل العكس هو الصحيح، أي أن اللاعب المحلي ومزدوج الجنسية يكملان بعضهما البعض و"الأهم هو الجودة والالتزام وحب القميص والعزيمة. ليس هناك تفرقة، المهم أن يعطي اللاعب كل ما عنده للوطن".
والملاحَظ أن المنتخب الذي كانت جذوره الأساسية تاريخياً مرتبطة بالبطولة المحلية، بات اليوم يعتمد بشكل متزايد على لاعبين تكونوا بالكامل خارج تونس، في مسار كروي مختلف من حيث الإيقاع والتجربة والاحترافية أو ربما كحل سريع يُخفي اختلالات بنيوية داخل المنظومة الكروية.

بين الانتماء والتكتلات .. هل تهدد الانقسامات وحدة المنتخب؟

في التجربة التونسية، لم تحقق سياسة استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية، إلى حدّ الآن، الإضافة الفنية المأمولة بالقدر الذي رُوّج لها، باستثناء بعض التجارب الناجحة وفي مقدمتها وهبي الخزري.

وإلى جانب محدودية المردود الفني في بعض المناسبات، ظهرت أحيانًا تحديات تتعلق بالانسجام داخل المجموعة. فوجود عدد كبير من اللاعبين القادمين من بيئات وتكوينات كروية مختلفة قد يُحدث حساسيات غير معلنة بين اللاعبين المحليين وزملائهم القادمين من الخارج، وهي ظاهرة شهدتها عدة منتخبات بنسب متفاوتة، وليس المنتخب التونسي فقط.

ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في انتماء هؤلاء اللاعبين أو مدى التزامهم بالدفاع عن ألوان المنتخب، بل بإمكانية تشكل تكتلات طبيعية بحكم اللغة المشتركة أو الخلفية الاجتماعية والثقافية المتقاربة. وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى شعور بعض اللاعبين المحليين بأنهم أقل اندماجاً داخل المجموعة، أو بأنهم أصبحوا على هامش فضاء كان يفترض أن يذيب جميع الفوارق تحت راية المنتخب الوطني. ومن هنا تبرز أهمية المدرب في إدارة هذا التنوع البشري والرياضي بحكمة، حتى يتحول إلى مصدر إثراء وقوة، لا إلى عامل انقسام أو تباعد قد يؤثر في تماسك الفريق ونجاعته على الميدان.

التجربة المغربية: نموذج ناجح لتوظيف كفاءات المهجر

ويختلف هذا الواقع عن التجربة المغربية التي يُنظر إليها على نطاق واسع كنموذج ناجح في توظيف كفاءات المهجر. وصرح نجم منتخب المغرب سابقا مصطفى حداوي لـDW قائلا: "اعتماد اللاعبين مزدوجي الجنسية منح المنتخب المغربي قيمة مضافة حقيقية وجعل تجربته مرجعاً تسير على نهجه منتخبات عربية أخرى".

وبين ضرورات الحاضر وتحديات المستقبل، يبقى ملف مزدوجي الجنسية مرآة تعكس ليس فقط خيارات المنتخب الوطني، بل أيضاً حالة التكوين المحلي وحدود السياسات الكروية في تونس خلال السنوات القليلة الماضية.

تحرير: صلاح شرارة

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا