آخر الأخبار

هل يفشل رهان صناعة السفر والترفيه في أميركا على كأس العالم؟

شارك
تميمة كأس العالم 2026

تُعيد مؤشرات السوق رسم ملامح موسم سياحي كان يُفترض أن يكون استثنائياً، إذ تتحول بطولة كأس العالم من محرك لرفع الأسعار إلى عامل ضغط يدفع الفنادق الأميركية لخفضها، في انعكاسٍ مباشر لفجوة بين التوقعات والطلب الفعلي.

تكشف البيانات عن تراجع لافت في الحجوزات، مع دخول عوامل متعددة على خط التأثير، من ارتفاع تكاليف السفر والتذاكر إلى مخاوف التضخم وتشدد الإجراءات، ما يدفع شريحة واسعة من الجماهير الدولية إلى إعادة حساباتها وتقليص خططها.

تضع هذه التطورات الرهان الاقتصادي للمدن المستضيفة أمام اختبار معقد، حيث يتقاطع الطموح بتحقيق عوائد سياحية ضخمة مع واقعٍ أكثر هشاشة، يهدد بتحويل الحدث العالمي إلى دفعة مؤقتة بدلاً من كونه نقطة تحول مستدامة لقطاع السفر والترفيه.

ويشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن:


* الفنادق الأميركية قامت بتخفيض أسعار الغرف بشكل كبير خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم هذا الصيف.
* يحذر المسؤولون التنفيذيون من أن أسعار التذاكر ومخاوف التضخم والمشاعر المعادية لأميركا تدفع مشجعي كرة القدم إلى تقليص خطط سفرهم.
* انخفضت أسعار غرف الفنادق في أيام المباريات في المدن المضيفة بما في ذلك أتلانتا ودالاس وميامي وفيلادلفيا وسان فرانسيسكو بنحو الثلث مقارنة بذروتها في وقت سابق من هذا العام، وفقًا لبيانات شركة Lighthouse Intelligence، في إشارة إلى انخفاض الطلب عن المتوقع.

ونقل التقرير عن مؤسس شركة Bespoke Stay لإدارة الفنادق الصغيرة والإيجارات قصيرة الأجل ومقرها فيلادلفيا،سكوت يسنر، قوله: "أرى الكثير من الناس يبدأون بالذعر ويخفضون أسعارهم".

‎كان الكثيرون في هذا القطاع يأملون أن تساعد بطولة كأس العالم، التي تستضيفها الولايات المتحدة إلى جانب كندا والمكسيك، في عكس التراجع الذي شهده السفر إلى البلاد العام الماضي، عندما انخفضت الإيرادات لكل غرفة متاحة لأول مرة منذ ذروة جائحة كوفيد-19.

و‎قال رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم ( فيفا)،جياني إنفانتينو، للمدن المضيفة في عام 2024 إنه ينبغي عليهم توقع "مئات الآلاف" من الضيوف.

لكن رئيس جمعية الفنادق في مدينة نيويورك،فيجاي دانداباني، يقول إنه "نستطيع بشكل قاطع أن نقول إننا لم نشهد حتى الآن أي زيادة حقيقية.. من الممكن أن نحصل على المزيد من الطلب، ولكن في هذه المرحلة لن يكون بالتأكيد الوفرة التي وعدت بها الفيفا".

توقعات سابقة

يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إن الرهان الاستثماري الضخم الذي وضعته صناعة السفر والترفيه في الولايات المتحدة على كأس العالم 2026، كان مبنياً على توقعات قوية بإنعاش قطاع السياحة المنهك، حيث استعدت 11 مدينة أميركية لاستقبال ملايين الزوار الدوليين، مع تقديرات بضخ عشرات المليارات من الدولارات في الاقتصاد المحلي، مدفوعة بإنفاق سخي للسائح الواحد خلال رحلات تمتد لأسابيع. وقد دفعت هذه التوقعات المدن المستضيفة إلى تسريع استثمارات ضخمة في البنية التحتية والفنادق وشبكات النقل العام، بهدف خلق إرث اقتصادي طويل الأمد يمتد تأثيره لما بعد انتهاء البطولة.

إلا أن هذه التوقعات -بحسب سعيد- اصطدمت بواقع مختلف، إذ دخلت السوق الأميركية عام 2026 وهي تعاني من هشاشة واضحة وتراجع سياحي ملحوظ. ففي الوقت الذي شهد فيه العالم نمواً في حركة السياحة، سجلت الولايات المتحدة انكماشاً في أعداد الزوار الأجانب، خاصة من أسواق رئيسية مثل كندا و أوروبا، وهو ما أدى إلى فقدان مليارات الدولارات من العائدات السياحية، وتفاقم الوضع مع تقليص التمويل الفيدرالي المخصص للترويج السياحي.

ويضيف أن التحدي الأكبر يتمثل في السياسات التنظيمية التقييدية، حيث تم توسيع قوائم حظر السفر لتشمل عشرات الدول، من بينها دول مشاركة في البطولة. ورغم السماح للمنتخبات والوفود الرسمية بالدخول، فإن المشجعين يواجهون قيوداً صارمة، إلى جانب فرض نظام الكفالة المالية، فضلاً عن ارتفاع رسوم التأشيرات، ما يجعل قرار السفر أكثر تعقيداً وكلفة.

ويشير إلى أن التأثير لم يقتصر على الدول المشمولة بالقيود، بل امتد ليخلق حالة من التردد حتى لدى الجماهير الأوروبية والكندية، نتيجة المخاوف المرتبطة بالإجراءات الأمنية المشددة، مثل تفتيش الأجهزة الإلكترونية والتدقيق في الحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تقارير عن تواجد مكثف لعناصر الهجرة قرب الملاعب، وهو ما يهدد الأجواء الاحتفالية للبطولة.

وفي محاولة لتخفيف هذه الضغوط، تم إطلاق نظام “FIFA PASS” بالتنسيق مع الاتحاد الدولي لكرة القدم، لتسريع إجراءات الحصول على مواعيد التأشيرات لحاملي التذاكر، إلا أن هذا النظام لا يعفي من الرسوم المرتفعة ولا يضمن الموافقة، ما يجعله حلاً جزئياً لا يعالج جوهر الأزمة.

ويؤكد سعيد أن الاعتماد على الجاليات والمقيمين داخل الولايات المتحدة قد يساعد في ملء المدرجات، لكنه لا يعوض غياب السائح الدولي الذي يمثل القيمة الاقتصادية الأعلى من حيث الإنفاق على الإقامة والتسوق والخدمات.

كما يوضح أن المؤشرات الأولية بدأت تعكس هذا التراجع، مع تسجيل بعض المجموعات الفندقية ضعفاً غير متوقع في الطلب، بل ووصول الأمر إلى إعادة جزء من الحجوزات المسبقة، ما يشير إلى تحول البطولة من حدث عالمي شامل إلى فعالية تعتمد بشكل أكبر على الطلب المحلي.

ويختتم سعيد حديثه بالقول إن الرهان الاقتصادي لن يفشل بالكامل بفضل قوة الاستهلاك المحلي وشغف الجماهير، لكنه في المقابل لن يحقق كامل إمكاناته المرجوة، حيث ستتحول البطولة من فرصة لإنعاش السياحة إلى دفعة مؤقتة فقط. ويحذر من أن استمرار السياسات المنفرة على المدى الطويل قد يؤدي إلى تحول الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية إلى طاقات غير مستغلة، لتصبح البطولة مثالاً على فرصة تاريخية ضاعت نتيجة تغليب الاعتبارات السياسية على الانفتاح الاقتصادي.

انخفاض

ويشير تقرير لـ "نيويورك تايمز" إلى أنه:


* مع اقتراب موعد انطلاق البطولة بعد أقل من 60 يوماً، يراقب قادة السياحة والضيافة في المدن الأميركية الإحدى عشرة المضيفة عن كثب أعداد المشجعين الدوليين.
* كانت الولايات المتحدة الدولة الكبرى الوحيدة التي شهدت انخفاضاً في السياحة الدولية عام 2025، وتثير مؤشرات ضعف الطلب قلقاً متزايداً.
* تتوقع شركة الأبحاث "توريزم إيكونوميكس" أن يسافر أكثر من 1.2 مليون زائر دولي إلى الولايات المتحدة لحضور كأس العالم. ويشمل ذلك نحو 750 ألف زائر ما كانوا ليأتوا لولا ذلك، ما يمثل زيادة بنسبة 1.1 نقطة مئوية تقريباً في عدد الوافدين الدوليين.
* مع ذلك، خفّضت الشركة هذا الشهر توقعاتها بشأن معدل التعافي من انخفاض أعداد السياح في العام الماضي.
* تُعدّ قيود التأشيرات ، ومخاوف مسؤولي الهجرة ( بما في ذلك في مباريات كأس العالم )، وزيادة عمليات تفتيش الهواتف على الحدود ، بالإضافة إلى التكاليف الباهظة لتذاكر المباريات والمواصلات بالنسبة للجماهير، بعضًا من العوائق التي تُبعد الناس عن الملاعب .

اختبار حقيقي

وإلى ذلك، يرى خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، أن رهان صناعة السفر والترفيه في الولايات المتحدة على كأس العالم 2026 يواجه اختباراً حقيقياً، بل وتناقضاً بنيوياً بين الطموح الاقتصادي والسياسات التقييدية.

ويوضح لدى حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أنه في الوقت الذي كانت فيه التقديرات تشير إلى إمكانية تحقيق عوائد سياحية بعشرات المليارات، مدفوعة بإنفاق الجماهير على الفنادق والنقل والمطاعم والتسوق، وتعويل المدن المضيفة على استقبال ملايين الزوار، تبرز في المقابل قيود قد تقوض هذا الرهان.

ويشير إلى أن اشتراط إيداع تأمين يصل إلى 15 ألف دولار للحصول على تأشيرة لبعض مواطني نحو 50 دولة، من بينها دول مشاركة في البطولة، لا يرفع فقط تكلفة السفر، بل يخلق ما يمكن وصفه بـ"حاجز سيولة" يستبعد شرائح واسعة من المشجعين، خاصة من الأسواق الناشئة.

ويضيف الخفاجي أن المؤشرات الأولية بدأت تعكس هذا التأثير، مع تقارير عن إلغاء حجوزات فندقية مرتبطة بالمونديال، في ظل مخاوف من القيود والتكاليف المرتفعة، فضلاً عن ارتفاع أسعار السفر عالمياً والتحديات اللوجستية، ما يزيد من هشاشة الطلب الدولي.

ويختتم بأن الحدث قد يتحول من فرصة لتعظيم العوائد السياحية إلى نموذج يعتمد بشكل أكبر على السوق المحلية وحقوق البث والرعاية لتعويض تراجع الحضور الدولي. إلا أن هذا التحول يقلل من الأثر المضاعف للسياحة، وهو جوهر الرهان الاقتصادي لأي بطولة كبرى، مؤكداً أن الرهان لن يفشل كلياً، لكنه مهدد بتحقيق نتائج أقل بكثير من إمكاناته، فكلما تشددت سياسات الدخول تقلصت جماهيرية الحدث عالمياً وتراجع معها العائد الحقيقي لصناعة السفر والترفيه.

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا