في الوقت الذي تتصارع فيه أندية النخبة الأوروبية على كسر حاجز المليار دولار في صفقة واحدة، ثمة ثورة صامتة تُطبخ على نار هادئة في أزقة المدن المنسية ببريطانيا وقرى إسبانيا النائية.
لقد اكتشف أباطرة المال والنجوم والمؤثرون "خطة بديلة" تتمثل في شراء ناد متواضع بدلا من ضخ الكثير من المال في ناد كبير جاهز ويتواجد في القمة وفق قاعدة اقتصادية بسيطة: "تكلفة دخول منخفضة مع إمكانية نمو هائلة".
لكن السؤال المطروح هو كيف يمكن تحقيق عائدات من خلال هذه الأندية المغمورة؟
تمتلك هذه الأندية قاعدة جماهيرية محلية وفية جداً، ولكنها "نائمة". وأي نجاح بسيط قد يولد انفجاراً في الولاء والدعم الجماهيري.
هذه الأندية اليوم لم تعد مجرد "فرق كرة قدم"، بل هي "منصات محتوى" و"مختبرات استثمارية". والعائد الحقيقي لا يأتي من الفوز بالدوري، بل من "بيع رحلة الصعود" للعالم.
فبعيداً عن الجوائز المالية للمباريات، يعتمد ملاك هذه الأندية على ما يسمى "اقتصاد الانتباه".
لقد تغيرت قواعد اللعبة؛ فلم يعد العائد على الاستثمار مرتبطاً بـ "ثلاث نقاط" في جدول الترتيب، بل بـ "عدد المشاهدات" و"التفاعل".
يقول مارك بالينغهام، الخبير في التسويق الرياضي الدولي "المستثمر الذكي اليوم لا يشتري تاريخ النادي، بل يشتري حقوق القصة. في الدرجات الدنيا، القصص خام وحقيقية، والجمهور العالمي متعطش للدراما الإنسانية أكثر من عطشه لمشاهدة مباراة تكتيكية مملة في دوري أبطال أوروبا".
بدوره يرى دان بلاملي، الخبير في تمويل الرياضة، أن الأندية الصغيرة لم تعد تبحث عن السيولة النقدية فحسب، بل عن "رأس المال الرقمي":
كيف تحولت أندية الدرجة الرابعة إلى مواقع تصوير عالمية؟، وكيف أصبح الصراع على البقاء أكثر ربحاً من الصراع على الكأس؟
في حالة نادٍ مثل ريكسهام (Wrexham)، لم يكن الاستحواذ من قبل رينولدز وماكيلهيني مجرد شراء لفريق كرة قدم، بل كان شراءً لـ "قصة".
ناد إيبيزا-إسبانيا (الترويج للسياحة)
يرى الاقتصادي الرياضي د. جوليان ريتشاردز أن هذا التوجه يمثل "ذكاءً رأسمالياً" حاداً:
"عندما تشتري نادياً في الدرجة الرابعة، فإن قيمة الأصل مرشحة للقفز بنسبة 1000% بمجرد الصعود درجة واحدة. هذا الهامش من الربح غير موجود في أندية الصفوة التي وصلت بالفعل إلى سقف قيمتها السوقية".
لكن خورخي فالدانو نجم الريال السابق يحذر (في سياق تحليله للتحولات الاستثمارية) من "تسليع المشاعر"، مشيراً إلى أن:
"الخطر يكمن في تحول النادي إلى منتج سينمائي؛ فإذا غابت الكاميرات، هل سيبقى المستثمر؟ وهل سيبقى الجمهور الذي جاء من أجل البطل (الممثل) لا من أجل القميص؟
ثمثل ظاهرة الاستحواذ على أندية الدرجات الدنيا هي إعلان رسمي عن نهاية عصر "الكرة من أجل الكرة" وبداية عصر "الكرة من أجل المحتوى". هذه الأندية تحقق عوائد ضخمة لأنها تبيع "الأمل" في غلاف سينمائي مبهر.
لكن يبقى السؤال المعلق في غرف ملابس تلك الأندية: ماذا لو انتهى المسلسل ولم يصعد البطل إلى المنصة؟ الإجابة هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه الظاهرة مجرد "موضة استثمارية" أم إعادة صياغة جذرية لاقتصاديات الرياضة في القرن الحادي والعشرين.
المصدر:
الجزيرة