قبل إدخال تقنية حكم الفيديو المساعد (فار)، شهدت مباريات كرة القدم آلاف الأخطاء التحكيمية والقرارات المثيرة للجدل، التي أثرت في مصير فرق ومنتخبات، وحرمت بعضها من ألقاب وبطولات كبرى. ورغم الانتقادات المتواصلة للحكام، ظل الرد المتكرر بأن الحكم بشر، وأن الخطأ جزء من اللعبة.
وجاء الفار بوصفه أداة لمساعدة الحكام على اتخاذ قرارات أكثر دقة، والحد من الأخطاء الجسيمة والمؤثرة. لذلك، حصر الاتحاد الدولي لكرة القدم تدخل التقنية في حالات محددة، تشمل: التسلل، وركلات الجزاء، ولمس اليد، والبطاقات الحمراء.
غير أن إدخال التقنية لم يؤثر فقط في قرارات الحكام، بل انعكس أيضا على سلوك اللاعبين داخل الملعب، لا سيما فيما يتعلق بالتحايل والتمثيل داخل منطقة الجزاء.
من حيث المبدأ، لا يُفترض أن يستفيد اللاعب من التمثيل في عصر الإعدادات البطيئة وزوايا التصوير المتعددة، إذ ينص قانون اللعبة على معاقبة اللاعب الذي يتظاهر بالتعرض لخطأ بإنذار واحتساب ركلة حرة غير مباشرة لصالح المنافس.
ومع ذلك، لم تختفِ هذه الظاهرة. حادثة طرد الظهير الإيطالي إيمرسون بالميري، بعد حصوله على إنذار ثانٍ بسبب التمثيل في مباراة أولمبيك مرسيليا وسبورتنغ لشبونة، أعادت طرح سؤال جوهري: ما الذي يدفع لاعبًا إلى المجازفة بالعقوبة في زمن تُراجع فيه كل لقطة بدقة تقنية عالية؟
رغم أن غالبية حالات التمثيل تهدف إلى تضليل الحكم والحصول على قرار غير مشروع، فإن بعض الوقائع أظهرت أن المبالغة في السقوط قد تكون أحيانًا وسيلة لحماية حق مشروع.
ففي كأس العرب 2021، أدى سقوط الجزائري يوسف بلايلي داخل منطقة جزاء المغرب، وادعاؤه عدم القدرة على مواصلة اللعب، إلى إيقاف اللعب وتدخل الفار، الذي كشف عن مخالفة حقيقية.
وفق مختصين ولاعبين سابقين، ترسخ داخل غرف الملابس منطق عملي مفاده أن "اللاعب الذي لا يبالغ في السقوط لا يساعد فريقه". ففي كثير من الحالات، لا يكفي وقوع الاحتكاك وحده لتحريك الحكم أو غرفة الفار، بل يتطلب الأمر رد فعل واضحًا من اللاعب المتضرر.
تجسد لقطة كايل ووكر، الذي نجا من العقوبة بعد ما بدا كدعس على قدم باتريك دورغو خلال مباراة مانشستر يونايتد وبيرنلي، هذا الإشكال بوضوح. ففي واقعة بدت عنيفة عند الإعادة، لم يتدخل الحكم ولا حكم الفيديو المساعد، لأن دورغو، المعروف بنزاهته، حاول مواصلة اللعب ولم يظهر ألماً مبالغاً فيه.
في زمن يفترض أن تكون فيه تقنية الفيديو أداة للحد من العنف، مرّ تصرف خطير دون عقوبة، فقط لأن الضحية لم يسقط بطريقة درامية.
التحكيم ليس السبب الوحيد. فهناك عوامل أخرى تفسر استمرار الظاهرة رغم وجود تقنية الفيديو.
شخصية اللاعب
ارتبط التمثيل بأسماء بعينها، حتى بات بعض اللاعبين "محفوظين" لدى الحكام والجماهير، وأضحوا مادة للسخرية على منصات التواصل الاجتماعي. وغالباً ما تتشكل هذه الصورة نتيجة تراكم تجارب في الفئات السنية، أو بسبب مدارس تكوين تشجع على التحايل.
يُعد البرازيلي نيمار المثال الأبرز، فقد أصبح رمزا عالميا للتمثيل، لا سيما بعد الأداء الذي أظهره في كأس العالم 2018. وبالمثل، ارتبط اسم الأسطورة الأرجنتينية دييغو مارادونا بأشهر لمسة يد في التاريخ، التي منحت الأرجنتين التفوق على إنجلترا في مونديال 1986، في سياق سياسي ورياضي معقد.
مهارة المراوغة العالية والسرعة
اللاعبون المهرة في المراوغة والسرعة قد يلجؤون أحيانا إلى التمثيل لا شعوريا، لاعتقادهم بأن المنافس أوقفهم بوسيلة غير مشروعة، أو لعدم إدراكهم الكامل لما جرى خلال التدخل. ومن أبرز هؤلاء: ليونيل ميسي، ورونالدينيو، وروبينيو، ولويس سواريز.
واشتهر النجم الويلزي غاريث بيل، لاعب توتنهام وريال مدريد سابقا، بالسقوط المتكرر لكسب الأخطاء، وهو ما جعله عرضة لاختبار صبر الحكام، خاصة خلال مسيرته في الدوري الإنجليزي الممتاز، حيث تلقى عددا لافتا من البطاقات الصفراء بسبب التمثيل، بينها 7 بطاقات خلال فترته مع توتنهام.
ومع انتقاله إلى الدوري الإسباني، واصل بيل الأسلوب ذاته، غير أن سرعته وتفوقه البدني ساهما في حصوله على حماية أكبر من الحكام، إذ كثيراً ما بدا وكأنه يتعرض لاعتداءات أثناء انطلاقاته. وتُعد إحدى محاولاته الشهيرة للسقوط أمام إشبيلية في موسم 2013-2014 من أبرز اللقطات المثيرة للجدل في مسيرته.
ودافع بيل عن نفسه بالقول إن ما يُفسَّر على أنه تمثيل هو في الواقع محاولة لتفادي الإصابة عند تدخل الخصوم، وهي رواية لم تُقنع كثيرين من المتابعين.
مدارس "الواقعية"في كرة القدم
تتبنى بعض المدارس الكروية مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وتُعرف الكرة الإيطالية تاريخيا بارتباطها بهذا النهج، الذي يقدّم النتيجة على الاعتبارات الأخلاقية.
من الأمثلة الشهيرة، حادثة ادعاء سيرخيو راموس تلقيه ضربة من كوادرادو في دوري أبطال أوروبا، ما أدى إلى طرد اللاعب الكولومبي، قبل أن تُظهر اللقطات لاحقا أن المخالفة لم تكن موجودة.
كما شهدت مباريات أخرى حالات تحايل تكتيكي مماثلة، استُغلت فيها ثغرات التحكيم. حيث دفع الكولومبي خاميس رودريغيو لاعب ريال مدريد السابق لزميله لوكا مودريتش أمام إشبيلية للحصول على ركلة جزاء.
البعد التكتيكي
يعمد بعض اللاعبين، لا سيما أصحاب النضج التكتيكي العالي، إلى السقوط المتعمد أو ادعاء الإصابة، وذلك بهدف تضييع الوقت، أو كسر إيقاع المنافس، أو إيقاف هجمة مرتدة.
ويتجلى هذا السلوك بوضوح لدى حراس المرمى، الذين يتيح لهم القانون إيقاف اللعب لتلقي العلاج داخل أرضية الملعب.
الفار يغير السلوك ولا يلغيه
لم يُلغِ نظام حكم الفيديو المساعد (فار) التمثيل، لكنه غيّر من طبيعته. ففي منطقة الجزاء، حيث يمكن لاحتكاك بسيط أن يقلب موازين مباراة، بات اللاعبون يتعمدون تضخيم الاحتكاكات الخفيفة أملاً في انتزاع قرار يمكن تأويله.
وهنا يطرح سؤال جوهري: هل أصبح تقييم العنف في كرة القدم مرهونا بالمشهد المسرحي أكثر من الفعل ذاته؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن التقنية التي أُدخلت لتعزيز العدالة قد تكون، دون قصد، تشجع على التمثيل بدلا من حماية اللاعبين.
تُظهر تجربة الدوري الإنجليزي أن الفار لا يزال مترددا في التدخل في الحالات "الرمادية"، حتى عندما تكون بعض اللقطات واضحة عند الإعادة البطيئة، ما يفرض مراجعة أكثر صرامة لمعايير السلوك العنيف، بحيث يُقيَّم الفعل ذاته لا رد فعل الضحية.
نظرا للدور الحاسم الذي يلعبه الانطباع الأولي للحكم، وبسبب الشروط الضيقة التي تحكم تدخل تقنية الفيديو المساعد، سيظل التمثيل جزءا لا يتجزأ من اللعبة، حتى في عصر التقدم التكنولوجي.
لا يقتصر الحل على التقنية وحدها، بل يتجلى في توحيد معايير التحكيم، وتحرير الحكم من ضغط "الصورة المسرحية"، والعودة إلى جوهر الفعل داخل الملعب. عندئذ فقط، يمكن لكرة القدم أن تقترب أكثر من العدالة المنشودة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة