مع اقتراب موعد الكسوف الشمسي، تتجدد رغبة هواة الفلك والمهتمين بالسماء في متابعة واحدة من أكثر الظواهر الفلكية إثارة، لكن جمال المشهد لا يلغي ضرورة التعامل معه بحذر. فمشاهدة الشمس مباشرة بالعين المجردة تحمل مخاطر على العين، ما يجعل استخدام المرشحات والوسائل المناسبة أمرا أساسيا للاستمتاع بالظاهرة بأمان.
وإذا حالفك الحظ يوما لتشاهد كسوفا شمسيا كليا أو حلقيا فلا تتردد أبدا في إلغاء كل مواعيدك من أجل تلك اللحظات، إنها لحظات لا تتكرر، بل إنها الظاهرة الأجمل في السماء على الإطلاق، وإن شئت فقل إنها المنظر الرباني الذي يسلب العقول برهبته وجماله وروعته.
وبين النظارات الكسوفية والتلسكوبات ووسائل الرصد البديلة، توجد طرق متعددة تتيح متابعة مراحل الكسوف ورؤية تفاصيل قرص الشمس.
من المعلوم بالضرورة أن النظر إلى قرص الشمس غير ممكن بالعين المجردة في أي وقت من أوقات النهار عدا بعض لحظات غروب الشمس فقط، ففي ذلك خطر عظيم وضرر أكيد على العين. لذلك وُجدت وسائل آمنة يمكن الاستعانة بها، تقي من ذلك الضرر الناجم عن شدة إضاءة الشمس الساقطة على العين.
ولهذا، فعلى كل من يريد رؤية الكسوف ضرورة التخلص من أشعة الشمس بأن يضع الفلاتر والمرشحات التي لا تبقي أمام عينه سوى قرص أصفر أو أبيض بلا أشعة، هو قرص الشمس المفلترة.
من أفضل أنواع الفلاتر المرشحة لأشعة الشمس النظارات الكسوفية (Eclipse Shades)، وهي نظارات بلاستيكية تُصنع وفق مواصفات عالمية، فيها طبقة من الألمنيوم العاكس لامتصاص الأشعة الضارة والحارقة، وهذه النظارات ترشح من ضوء الشمس أكثر من 99.99%.
وبذلك فهذه النظارات هي الأكثر أمانا على الإطلاق، حيث تحمي أساسا من كل أنواع الأشعة -بما فيها الضوء الأبيض المسؤول عن حرق الشبكية- إذا نظر إليها الشخص بعينه المجردة أو بوسائل غير آمنة لفترة طويلة.
وهي المادة نفسها المستخدمة بحجم أكبر أمام المناظير والتلسكوبات للهدف ذاته.
أثناء الكسوف.. استعمل وسيلة آمنة للنظر إلى الشمس
يُتداول بين هواة الفلك -على غير يقين منهم- أن صور الأشعة وورق تظليل السيارات وأقراص الليزر والزجاج المعتم بسنا الشمع، وكذلك زجاج الحدادين المستعمل لحماية العين أثناء عملية اللحام الكهربائي، جميعها وسائل غير آمنة لرصد الكسوف، وهذا كلام مناف للحقيقة والعلم.
لا تطل النظر إلى الشمس ولو من وراء نظارة كسوفية أصلية
والصواب أنها آمنة جدا إن أحسنّا استعمالها. فلطالما استعملها الفلكيون، بل وصنعوا منها نظارات، واستعملها الناس والأطفال في مناسبات الكسوف، ولم تسجل عندهم بفضل الله ولا إصابة واحدة.
وفي أكثر من مناسبة، قام طلبة المدارس والجامعات باستعمال هذه الأدوات بدائل مناسبة للنظارات الكسوفية الجاهزة إذا فُقدت من السوق ولم تتوفر أو تصل إلى الراصد، فقد يكون في قرية أو مدينة لا تبلغه هذه المواد بسهولة، ولا يريد تفويت فرصة النظر الآمن إلى الكسوف، ولا يملك تلسكوبا ولا منظارا.
فعلى سبيل المثال، ووفقا لخبرة بعض الراصدين الفلكيين ممن شاهد ونظم حملات رصد لكسوفات الشمس، فإن استعمال ورق تظليل السيارات الأسود بطبقتين أو ثلاث يحقق المطلوب في حجب أشعة الشمس ومشاهدة قرصها واضحا.
كما أن استعمال زجاج اللحام للحدادين (بالأرقام 10 و12) هو وسيلة آمنة أيضا، مع أنها أغلى ثمنا من نظارة الكسوف، لكنها تظل متوفرة لدى محال مواد البناء والصيانة، ويمكن قصها إلى أكثر من قطعة.
أما صور الأشعة، التي لا تزال متوفرة في بعض البلدان، فاستعمال الجزء الأسود منها سيفي بالغرض، أما إن كانت صورا غير مستعملة فستكون أفضل وتعطي منظرا رائعا ونقيا لقرص الشمس، ويمكن من صورة واحدة عمل عشرات النظارات الكسوفية اليدوية.
وأما التخويف بالأشعة تحت الحمراء التي تدخل العين فتسبب لها العمى بسبب هذه الوسائل غير الآمنة، فهو أيضا لا أصل له في العلم، فالأشعة تحت الحمراء تدخل العين حتى حين لا ننظر إلى الشمس أساسا، ثم إنها ليست مؤذية كما يفترض البعض، بل المؤذي هو النور الساطع للشمس المتركز بسبب العدسة على شبكية العين.
مواد بديلة للمرشحات الشمسية العالمية (الجزيرة)والقاعدة في الآمن وغير الآمن، أن ترى الشمس بأي نوع من الفلاتر والمرشحات قرصا أصفر أو أبيض صافيا بحوافه، وما حوله سواد.
أما القاعدة الأساسية الثانية، فهي لا تطل النظر إلى الشمس ولو من وراء نظارة كسوفية أصلية.
ثمة طرق آمنة ورائعة يمكن فيها استخدام التلسكوب لرؤية مراحل الكسوف الشمسي، وجميعها آمنة، وهي على النحو الآتي:
الأولى (الفلتر الشمسي): أن ينظر مباشرة إلى الشمس عبر عدسة التلسكوب العينية بعد وضع فلتر للشمس أمام العدسة الشيئية للتلسكوب. ونؤكد هنا أن الفلتر يجب وضعه أمام شيئية التلسكوب لا العينية، حتى تعبر الأشعة التلسكوب مرشحة وجاهزة.
طلاب يرصدون كسوف الشمس باستعمال تلسكوب وفلتر شمسي (أولمبياد قطر المدرسي لعلم الفلك)أما وضع الفلتر بين العين والعدسة العينية ففي ذلك خطر أكيد، إذ إن شدة حرارة أشعة الشمس القادمة إلى البؤرة بعد مرورها بالعدسة الشيئية كفيلة بأن تتسبب في كسر أو حرق الفلتر الموضوع على العدسة العينية، وما هي سوى لحظات بعد ذلك لتصل هذه الأشعة الحارقة إلى عين الشخص الذي ينظر إليها فتعميها أو تحرقها.
كما يمكن استخدام المنظار ثنائي العينية (الدربيل) بطريقة التلسكوب نفسها، بحمله يدويا أو بتثبيته على قاعدة والنظر من خلاله، لكن مرة أخرى بوضع الفلتر المرشح على عدستيه الأماميتين، الشيئيتين، قبل النظر.
الثانية (عملية الإسقاط): وهي الأكثر أمانا، بتوجيه التلسكوب نحو قرص الشمس دون النظر من خلاله، ثم إسقاط صورة الشمس الخارجة من العدسة العينية للتلسكوب على قطعة كرتون أبيض، حيث سيظهر لك قرص الشمس المكسوف جليا واضحا بكل ما عليه من تفاصيل، كالبقع الشمسية إن وُجدت.
طالبات في قطر يرصدن كسوف الشمس بطريقتي النظارات الكسوفية والإسقاط التلسكوبي (أولمبياد قطر المدرسي لعلم الفلك)الثالثة (التلسكوب الشمسي): وهو تلسكوب مزود بفلتر من نوع هيدروجين-ألفا، يسمح برؤية تفاصيل أكثر على سطح الشمس كالطبقة الضوئية "الفوتوسفير" والطبقة اللونية "الكروموسفير" .
الرابعة (القُمرة المظلمة): وهي طريقة ابن الهيثم المعروفة بالقُمرة المظلمة أو الكاميرا ذات الثقب، وهي صندوق مغلق من خمس جهات، يُثقب في إحدى جهتيه ثقب صغير، ويُلصق على الناحية المقابلة للثقب ورقة بيضاء لتسقط عليها صورة الشمس بعد دخولها من هذا الثقب مكسوفة وفي الوقت ذاته مقلوبة.
وإن حالفك الحظ وكنت تقف أسفل شجرة، فانظر كيف تتخلل أشعة الشمس أوراقها لتسقط على الأرض كسوفات كثيرة، وإن شئت فقم بتشبيك أصابعك على شكل مربعات ثم انظر كيف تتخللها أشعة الشمس إلى الأرض على شكل كسوفات كذلك.
الأشجار تلقي بعشرات من صور الكسوف من بين أوراقها (أولمبياد قطر المدرسي لعلم الفلك)أخيرا، قد يكون الكسوف الشمسي مشهدا قصيرا، لكنه يترك أثرا طويلا في ذاكرة من يشاهده. ومع تعدد وسائل الرصد، لا يتطلب الاستمتاع بالظاهرة بالضرورة امتلاك معدات فلكية متقدمة، إذ يمكن الاستعانة بوسائل مختلفة لمتابعة الشمس، سواء عبر المرشحات أو إسقاط صورتها أو استخدام ظاهرة الظلال الطبيعية.
وفي النهاية، يبقى الوعي بطريقة الرصد جزءا أساسيا من متعة استكشاف السماء، لأن المعرفة تجعل من الظواهر الفلكية المهيبة فرصة للتأمل والتعلم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة