لطالما اعتُبرت التشكيلات الصخرية المعروفة بـ"أعمدة الرسل الاثني عشر"، التي ترتفع حتى 70 مترا فوق المحيط، واحدة من أكثر المعالم الطبيعية شهرة وتميزا في أستراليا، إذ تجذب ملايين الزوار سنويا لرؤية مشهد طبيعي أيقوني على طول أكثر من 40 كيلومترا من الساحل الوعر والساحر لولاية فيكتوريا، الذي تحيط به منحدرات هائلة من الحجر الجيري الأصفر والرمادي المذهل.
وتعد هذه الأعمدة من أشهر الوجهات السياحية في أستراليا، وتقع على طريق المحيط العظيم في ولاية فيكتوريا، في متنزه بورت كامبل الوطني، وتوصف رسميا بأنها معلم أيقوني و"جوهرة" رحلة طريق المحيط العظيم، ويزورها سياح من أنحاء العالم لمشاهدة الأعمدة الجيرية والمنحدرات الساحلية، خصوصا وقت الشروق والغروب.
تبدو هذه التكوينات الجيرية الضخمة الممتدة على طول طريق المحيط العظيم وكأنها خالدة وثابتة لا تتغير، إلا أن أصلها الحقيقي وتطورها الجيولوجي والكيفية التي تشكلت بها ظل واحدا من أكثر الأسئلة الجيولوجية استعصاء في المنطقة رغم عقود من المراقبة والدراسة.
ويقول الأستاذ المشارك في كلية الجغرافيا وعلوم الأرض والغلاف الجوي بجامعة ملبورن في أستراليا، ستيفن غالاغر، إن "الاعتقاد السائد لدى كثيرين، بمن فيهم معظم العلماء، كان أن الانكشاف الجيولوجي الهائل يعني أن جيولوجيا الأعمدة الاثني عشر قد دُرست وفُهمت بالفعل. لكن هذا لم يكن صحيحا، إذ إن آخر دراسة علمية متخصصة حول جيولوجيتها تعود إلى عام 1944".
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن "ذلك يعود جزئيا إلى صعوبة الوصول إلى الطبقات التي تكون المنحدرات والأعمدة ودراستها ميدانيا، إضافة إلى قلة العلماء الذين امتلكوا عبر السنوات الخبرة اللازمة لدراسة الأحافير الدقيقة وتحديد أعمارها".
أما الآن، فقد كشفت دراسة جديدة نُشرت في "أستراليان جورنال أوف إيرث ساينسز" (Australian Journal of Earth Sciences) عن قصة أكثر تعقيدا بكثير، تمتد عبر ملايين السنين، وتتضمن بحارا قديمة وصفائح تكتونية متحركة، وتظهر أن المشهد الطبيعي الذي نراه اليوم أحدث عمرا بكثير مما يبدو عليه.
وجمع الباحثون بين العمل الميداني التقليدي وجمع العينات والخرائط الرقمية عالية الدقة للمنحدرات والأعمدة البحرية لإعادة بناء تلك البيئات وفهم كيفية تطور الظروف عبر الزمن استكشاف أسرار طبقات الحجر الجيري التي تحتفظ بظروف المناخات القديمة بتفاصيل استثنائية.
ويشرح غالاغر، المؤلف الرئيسي للدراسة أن فريقه بدأ العمل باستخدام الصور الرقمية لرسم خرائط دقيقة للطبقات الصخرية الممتدة على أكثر من 40 كيلومترا من المنحدرات المكشوفة المذهلة، مضيفا: "في المواقع التي استطعنا الوصول إليها، قمنا بقياس الطبقات وأخذ عينات منها كل 25 سنتيمترا، ما أتاح لنا تجميع الطبقات فوق بعضها للحصول على مقطع رأسي يتجاوز سمكه 100 متر".
كما لعبت أحافير كائنات بحرية مجهرية تُعرف باسم المنخربات، دورا محوريا في هذه الجهود. إذ حُفظت هذه الكائنات داخل أحد الأعمدة بأعداد هائلة تصل إلى 760 تريليونا، ما وفر سجلا دقيقا لدرجات حرارة المحيطات القديمة وكيميائها وأنماط دورانها عبر آلاف وملايين السنين.
ومن خلال تحليل هذه الأحافير الدقيقة تمكن الباحثون من تفسير الطبقات الصخرية بمستوى من التفصيل نادر التحقيق في البيئات الساحلية التي غالبا ما تؤدي فيها التعرية إلى إزالة الأدلة، وأصبح بإمكانهم قراءة طبقات الصخور كما تكشف حلقات نمو الأشجار عن عمرها.
أتاح هذا العمل تحديد أكثر الخطوط الزمنية دقة حتى الآن لتشكل الحجر الجيري الخاص بالأعمدة. فبينما أشارت الأبحاث الأولية المبكرة إلى أن طبقات الحجر الجيري القديمة يتراوح عمرها بين 7 و15 مليون سنة، أظهر تحليل الأحافير أن أقدم الطبقات تعود إلى 14.1 مليون سنة، بينما يبلغ عمر أحدثها حوالي 8.6 ملايين سنة.
وبالقرب من قاعدة الحجر الجيري، تقع طبقة أقدم من مادة داكنة وطرية تُعرف باسم "غيليبراند مارل"، ترسبت قبل نحو 14 إلى 15 مليون سنة، في ظروف بحرية أعمق وأكثر دفئا. فوق هذه الطبقة التي تشكل معظم المنحدرات والأعمدة نفسها، يقع حجر بورت كامبل الجيري، الذي ترسب في ظروف أكثر ضحالة وبرودة خلال ملايين السنين التالية.
ومن بين أكثر الاكتشافات إثارة وجود سجل محفوظ بتفاصيل استثنائية على ساحل فيكتوريا لفترة امتدت بين 14.1 و13.8 مليون سنة مضت، وكان خلالها المناخ العالمي أكثر دفئا مما هو عليه اليوم، وكانت مستويات ثاني أكسيد الكربون أعلى، ومشابهة لتوقعات المناخ المستقبلية.
وتمثل الطبقات الصخرية العائدة إلى تلك الحقبة سجلا مناخيا طبيعيا لما تبدو عليه درجات الحرارة العالمية ومستويات البحار المرتفعة، فقد احتفظت هذه الطبقات بمعلومات عن مناخ الأرض والنشاط التكتوني والنباتات والحيوانات عبر ملايين السنين.
كيف انتهى الأمر بحجر جيري تشكل تحت بحار قديمة إلى الوقوف على ارتفاع عشرات الأمتار فوق مستوى المحيط؟ وفقا للباحث الذي تركز اهتماماته على المناخ القديم وتغير المناخ باستخدام الأحافير الدقيقة، فإن الإجابة تكمن في حركة الصفائح التكتونية.
ويشرح غالاغر: "بعد انفصال أستراليا عن القارة القطبية الجنوبية وانجرافها شمالا، ضغطت القوى التكتونية على الطبقات الصخرية وتسببت في التوائها وتكسيرها. وبعد تشكل آخر طبقة قبل نحو 8.6 ملايين سنة، تسبب هذا الضغط في رفع الطبقات خارج البحر وتشكيل مشهد طبيعي من التلال والوديان المتموجة والأشجار والمراعي التي استمرت لملايين السنين".
ويوضح أن "الحركات التكتونية لم ترفع الطبقات بصورة مستقيمة تماما، بل أجبرتها على الميل والتشقق أثناء العملية. فجميع صور الأعمدة البحرية تظهر طبقات تبدو أفقية ويمكن تتبعها لمسافات طويلة. لكن الحقيقة ليست كذلك، فالطبقات مائلة فعليا بضع درجات، كما أن العديد منها متصدع بفعل فوالق صغيرة، وهي أدلة مباشرة على الحركات الجيولوجية والزلازل القديمة".
وكان هذا الرفع التكتوني خطوة حاسمة في تشكل الأعمدة. فبدونه، لبقيت الصخور غارقة تحت مياه المحيط، لكن انكشافها على السطح أتاح للأمواج والتعرية نحت التكوينات الحالية، فيما تكشف هذه الظواهر كيف أعادت القوى البطيئة والمستمرة تشكيل المشهد الطبيعي تدريجيا عبر ملايين السنين.
أكثر الاكتشافات إثارة للدهشة أن المظهر اللافت للأعمدة الصخرية الشاهقة حديث للغاية بمقاييس الزمن الجيولوجي، رغم أن المنطقة المحيطة بها تحتفظ بسجل يمتد لملايين السنين من تاريخ الأرض.
ويقول غالاغر إن "نتائجنا تشير إلى أنه بينما كانت المنطقة التي توجد فيها المنحدرات والأعمدة البحرية الحالية عبارة عن سلسلة من التلال والوديان المتموجة لملايين السنين، فإن البحر لم يغمرها إلا خلال بضعة آلاف من السنين الأخيرة، مما أدى إلى تكوين هذه الصخور".
ويضيف "قبل نحو 20 إلى 23 ألف سنة، خلال العصر الجليدي الأخير، كان مستوى البحر أقل من مستواه الحالي بـ125 مترا، وكان ساحل هذا الجزء من أستراليا يبعد 50 كيلومترا جنوبا، وكان بالإمكان الوصول سيرا على الأقدام إلى تسمانيا من البر الرئيسي لأستراليا".
وبعد العصر الجليدي، تقدمت مياه البحر، وغمرت المنطقة، وبدأت الأمواج في نحت الحجر الجيري المكشوف الذي كان قد ضعف أصلا بفعل القوى التكتونية السابقة. فتشققت الصخور وتآكلت، مكونة رؤوسا ساحلية ثم أقواسا صخرية. انهارت في النهاية لتترك أعمدة منفصلة وسط الأمواج بالشكل الذي نراه حاليا.
ولا تزال هذه العملية مستمرة حتى اليوم. وهي ظاهرة جيولوجية مؤقتة؛ فخلال العقدين الماضيين، انهارت بالفعل عدة أعمدة، ليبقى العدد المتفق عليه عموما اليوم 7 أعمدة فقط، بينما تبقى أعمدة أخرى عرضة لتأثير الأمواج المتواصل والعنيف، ما يجعل هذه التشكلات جزءا من نظام ساحلي ديناميكي يتطور باستمرار.
ويرى الباحث أن هذه الأعمدة تعد تكوينات مؤقتة جيولوجيا، ويتوقع أن تنهار أعمدة أخرى مستقبلا، في الوقت الذي ستتشكل فيه أعمدة جديدة، وأن يؤدي تغير المناخ وارتفاع مستوى البحر إلى جعل هذه المناظر الساحلية أكثر تقلبا.
وفي وقت يواجه فيه العالم أسئلة ملحة بشأن المناخ، يواصل الباحثون حاليا دراسة الطبقات الصخرية الفردية والعمل على إعادة بناء التفاصيل الدقيقة لكيفية تغير المناخ ومستويات البحار وظروف المحيطات عبر ملايين السنين، بهدف فهم الكيفية التي لا تزال بها العمليات القديمة تؤثر في التعرية الساحلية الحديثة.
ويختم غالاغر حديثه قائلا "يمكننا استخدام هذه الطبقات بوصفها كبسولات زمنية للعودة إلى الماضي ودراسة كيفية تغير مستويات البحار والبيئة خلال تلك الظروف. وفي هذه الحالة، فإننا ننظر إلى الماضي لنرى مستقبلنا. وستكشف أبحاثنا التفصيلية المستقبلية حول هذه الطبقات عن التاريخ الأعمق الكامن في هذه الأعمدة الأيقونية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة