آخر الأخبار

150 دولارا للكيلوغرام.. هل يتحول روبيان عُمان النافق إلى "ذهب بحري"؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يمر وقت طويل على انتشار صور وفيديوهات لكميات ضخمة من الروبيان النافق على شاطئ مرباط في محافظة ظفار جنوب سلطنة عمان، حتى كانت التوجيهات الرسمية التي سبقت إعلان أسباب النفوق، هي التحذير من استخدامه كطعام.

وأعلنت السلطات أن أسباب النفوق تعود إلى عوامل مناخية هي التغير المفاجئ في درجات حرارة مياه البحر ونقص الأكسجين الذائب، لكن أيا كانت الأسباب فإن الروبيان كائن حساس جدا، وبمجرد خروجه من بيئته المائية وموته، تحدث له عملية تحلل سريعة، خاصة في الأجواء المفتوحة، وهو ما يؤدي إلى تراكم البكتيريا الضارة خلال ساعات قليلة ويصبح بيئة خصبة للسموم المعوية.

غير أن هذه الأسباب التي تمنع تناوله كطعام، لا تعوق توظيفه في إنتاج "الكيتوزان"، وهو ثاني أكبر بوليمر حيوي في العالم بعد السليلوز، والمادة الخام التي تدخل في تصنيع أغلى الأدوية، كما تدخل أيضا في العديد من التطبيقات الصناعية والبيئية، وهو ما أكسبها صفة "الذهب البحري".

خطوات تصنيع الكيتوزان

ويُصنع الكيتوزان في الأساس من قشور الروبيان، لذلك، فإن الروبيان النافق في الحالة العمانية يظل منجما يمكن استغلاله، حتى لو كان اللحم فاسدا أو مسموما ببكتيريا تمنع أكله.

ويقول الأستاذ المشارك بقسم الهندسة الكيميائية بجامعة السلطان قابوس الدكتور علاء المحتسب للجزيرة نت إن "الهيكل الكربوني للقشرة لا يتأثر، والعمليات الكيميائية القاسية التي يُصنع بها الكيتوزان ستكون بمثابة تعقيم فائق، ما يجعل المنتج النهائي آمنا في معالجة المياه والاستخدامات الطبية والصيدلانية".

وتبدأ عملية تصنيع الكيتوزان، كما يشرحها علاء، بنزع القشور عن اللحم، لتبدأ سلسلة من العمليات الكيميائية تبدأ بالتخلص من كربونات الكالسيوم والمعادن التي تعطي القشرة صلابتها، وذلك بنقعها في حمض الهيدروكلوريك، لتكون مهيأة بعد ذلك لمرحلة ثانية تهدف إلى التخلص من الأنسجة العضوية والبروتينات الملتصقة بالقشور للحصول على مادة "الكيتين" الصافية، ويكون ذلك باستخدام هيدروكسيد الصوديوم.

إعلان

وللحصول على منتج نقي وشفاف أو أبيض بعيدا عن صبغات الروبيان الطبيعية، تتم معالجة الكيتين المعزول بـ "بيروكسيد الهيدروجين"، ولتحويل "الكيتين" إلى مادة "الكيتوزان" المطلوبة، تتم المعالجة مرة أخرى بهيدروكسيد الصوديوم.

وتختلف مواصفات الروبيان العماني عن غيره، إذ غالبا ما تكون قشوره أكثر سماكة وكثافة، ما يعني تركيزا أعلى للمادة الخام، وذلك وفق دراسة لباحثين من جامعة نزوى العمانية وثقت لهذه الميزة.

وبحسب تلك الدراسة المنشورة بدورية "كاربوهايدريت ريسيرتش" (Carbohydrate Research)، فقد استطاع الباحثون استخلاص أكثر من 530 جراما من الكيتوزان الصافي من كل كيلوجرام من القشور، وهي كفاءة إنتاجية تضع سلطنة عمان في مقدمة الدول القادرة على استثمار نفاياتها البحرية.

أسعار مشجعة.. بروتوكول الاستخلاص النقي

وبالإضافة إلى كفاءة إنتاجية الكيتوزان التي توفرها مواصفات قشور الروبيان العماني، فإن الكيتوزان المنتج منها يمكن أن يصل إلى مستويات عالية النقاء، تؤهله للبيع بأسعار مرتفعة للغاية.

ومثل خام الذهب، يختلف سعر الكيتوزان بناء على "درجة النقاء"، فبينما تباع الخامة الأقل درجة في النقاء بالكيلوجرام، وتتراوح بين 20 و150 دولارا للكيلوجرام، فإن الأنواع الأعلى نقاء والمستخدمة في الجراحة والضمادات وتصنيع الأدوية تباع بالجرام، ووفق الأسعار المدونة على موقع "نانوكيمازون" (nanochemazone)، المتخصص في بيع المواد الكيماوية، فقد وصل سعر الجرام من تلك الخامة عالية النقاء إلى 274 دولارا للجرام.

ووضعت دراسة عمانية نشرتها دورية "واتر إنرجي نيكسس" (Water-Energy Nexus) بروتوكول الوصول إلى درجة نقاء تؤهل الكيتوزان للاستخدامات الطبية.

ويضع هذا البروتوكول الذي تم التوصل له بعد تنفيذ 27 تجربة مخبرية مكررة، تصورا للظروف المثلى للإنتاج، بداية من الخطوة الثانية في عملية إنتاج الكيتوزان وهي استخلاص الكيتين، حيث وجدت الدراسة أن أفضل تركيز للمواد المستخدمة في الاستخلاص هو حمض الهيدروكلوريك بتركيز 3% عند درجة حرارة 25 درجة مئوية لمدة ساعة واحدة، يليها استخدام هيدروكسيد الصوديوم بتركيز 50% عند 110 درجة مئوية لمدة 3 ساعات لإزالة البروتينات في المرحلة التالية، وهو ما يحقق كفاءة في الاستخلاص تبلغ نحو 53.31%.

وفي المرحلة النهائية، يتم تبييض الكيتين باستخدام بيروكسيد الهيدروجين بتركيز 30% لمدة 3 ساعات، ثم تحويله إلى كيتوزان عبر المعالجة القلوية باستخدام هيدروكسيد الصوديوم بتركيز 50% لمدة 15 دقيقة.

مصدر الصورة يمكن توظيف الروبيان في إنتاج "الكيتوزان" (شترستوك)

تطبيقات طبية متنوعة

ويستخدم هذا الكيتوزان النقي كحامل ذكي للمواد العلاجية، وكما تشير دراسة نشرتها دورية "جورنال أوف درغ تارجِتينج" (Journal of Drug Targeting)، فإن ذلك يسهم في تحسين امتصاص الدواء داخل الجسم، والتحكم في سرعة إطلاقه، ما يتيح تقليل الجرعات وتحسين الفعالية العلاجية.

أما في هندسة الأنسجة، فقد أشارت دراسة نشرتها دورية "جورنال أوف ماتيريالز كيمستري بي" (Journal of Materials Chemistry B)، إلى فعاليته كمادة داعمة لنمو الخلايا، حيث يستخدم في تطوير هياكل حيوية تساعد على ترميم العظام والغضاريف والأنسجة الجلدية، وينظر إليه كعنصر واعد في الطب التجديدي نظرا لقدرته على دعم عمليات إعادة بناء الأنسجة المتضررة.

إعلان

وفي سياق الرعاية الجراحية، تشير دراسة ثالثة نشرتها دورية "نوفل بايو ماتيريالز فور رجنراتيف ميدسين" (Novel Biomaterials for Regenerative Medicine)، إلى استخدام الكيتوزان في صناعة ضمادات طبية متقدمة تساعد على تسريع التئام الجروح وتقليل الالتهابات، إلى جانب خصائصه المضادة للميكروبات التي تسهم في تقليل مخاطر العدوى، كما يتم استخدامه في تصنيع مواد إيقاف النزيف والخيوط الجراحية القابلة للامتصاص.

وتتوسع تطبيقاته كذلك في مجالات الأورام والسكري، حيث يُستخدم كوسيط في توصيل أدوية السرطان بهدف تقليل آثارها الجانبية، وذلك بحسب دراسة نشرتها دورية "بايوتكنولوجي أدفانسيز" (Biotechnology Advances)، إضافة إلى دوره المحتمل في تحسين استجابة الجسم للعلاجات الأيضية وتنظيم مستويات الجلوكوز، بحسب دراسة نشرتها دورية "جورنال أوف درغ دِليفِري ساينس أند تِكنولوجي" (Journal of Drug Delivery Science and Technology).

معالجة المياه وتطبيقات أخرى

وإلى جانب هذه التطبيقات الطبية للأنواع عالية النقاء، يقول د. علاء المحتسب إنه يمكن استخدام الأنواع الأقل نقاء من الكيتوزان في معالجة مياه الصرف الصحي، حيث يمتلك خصائص امتصاصية متميزة تمكنه من إزالة المواد العالقة في مياه الصرف الصحي، إلى جانب قدرته على الارتباط بأيونات المعادن الثقيلة السامة مثل الرصاص والكادميوم والنيكل، ما يجعله مادة فعالة في تقنيات المعالجة الحيوية الحديثة.

كما تشير الدراسات إلى أن استخدام الكيتوزان يؤدي إلى خفض مؤشرات التلوث العضوي في المياه مثل الطلب الحيوي على الأكسجين (BOD) والطلب الكيميائي على الأكسجين (COD)، وهما معياران أساسيان لقياس درجة تلوث مياه الصرف، ويعكس هذا الانخفاض تحسنا واضحا في جودة المياه بعد المعالجة.

وإلى جانب هذه التطبيقات، يستخدم الكيتوزان عاملا محفزا لنمو النبات ومحسنا للمناعة النباتية، حيث يساعد على تعزيز مقاومة المحاصيل للأمراض الفطرية والبكتيرية، وذلك وفق دراسة نشرتها دورية "أغريكلتشر" ( Agriculture).

كما يُستخدم في تغليف البذور وتحسين كفاءة الأسمدة بفضل قدرته على الإطلاق التدريجي للعناصر الغذائية، وذلك وفق دراسة نشرتها دورية "إنترناشونال جورنال أوف بايولوجيكل ماكرو موليكيولز" (International Journal of Biological Macromolecules).

وفي الصناعات الغذائية، تشير دراسة نشرتها دورية "فوود كيمستري" (Food Chemistry) إلى استخدامه في حفظ الأغذية عبر تكوين أغشية حيوية رقيقة على سطح المنتجات الطازجة، مما يطيل فترة صلاحيتها ويحد من نمو الميكروبات، كما يُستخدم في صناعة التغليف الحيوي بديلا صديقا للبيئة للمواد البلاستيكية التقليدية، وفق دراسة نشرتها دورية "جورنال أوف أغريكلتشر أند فود ريسيرتش" (Journal of Agriculture and Food Research).

أما في المجال الصناعي، فيُوظف في صناعة الورق و المنسوجات لتحسين خصائص القوة واللمعان والمتانة.

ويقول علاء إن "هذا التنوع في الاستخدامات يعكس مرونة التركيب الكيميائي للكيتوزان وإمكانية تعديله ليخدم تطبيقات متعددة، وهو ما يعني أن الروبيان النافق يمكن أن يتحول إذا استُغلت قشوره من عبء بيئي إلى منجم ذهبي".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار