لطالما اعتقد العلماء أن "الأمونيتات"، وهي كائنات بحرية قديمة تشبه في شكلها الحلزوني الحبار والأخطبوط، انقرضت فوراً مع اصطدام الكويكب العملاق بالأرض قبل نحو 66 مليون سنة، وهو الحدث الذي أنهى عصر الديناصورات وقضى على نحو 75% من الكائنات الحية.
لكن دراسة جديدة نُشرت في دورية "ساينتفيك ريبورتس" (Scientific Reports)، شارك فيها فريق بحثي دولي يقوده د. مارسين ماشالسكي، من معهد علم الأحياء القديمة بالأكاديمية البولندية للعلوم، تقترح شيئاً مختلفاً تماماً، وهو أن "الأمونيتات" ربما نجت من الضربة الأولى للانقراض الجماعي، وعاشت فترة قصيرة بعده.
وأُجريت هذه الدراسة في موقع جيولوجي فريد هو "ستيفنز كلينت" بالدنمارك، وهو جرف ساحلي يمتد 15 كيلومتراً، ومُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وأهمية هذا الموقع أنه يحتوي على طبقة صخرية واضحة جداً تمثل الحد الفاصل بين العصر الطباشيري (عصر الديناصورات)، والعصر التالي له مباشرة (العصر الباليوجيني)، وهذا الحد يُعرف علميا باسم حد "كيه – بي جي".
وعثر الفريق البحثي في هذا الموقع على أحافير "أمونيتات" فوق خط الانقراض مباشرة، أي في طبقات يُفترض أنها تشكلت بعد الكارثة.
وأثار هذا الاكتشاف سؤالاً مهماً في علم الأحافير، حول ما إذا كانت هذه الكائنات عاشت فعلاً بعد الانقراض، أم أن الأحافير القديمة جرفتها المياه من طبقات أقدم ثم أُعيد ترسيبها لاحقاً، وتُعرف هذه الحالة باسم "الأحافير الزومبي".
ولاكتشاف الحقيقة، استخدم الباحثون تقنية دقيقة تُعرف بتحليل "الميكروفاسيس"، وهي فحص الرواسب تحت مجاهر قوية جدا.
وفحص الباحثون الطين الموجود داخل قواقع الأمونيتات، وقارنوه بالصخور المحيطة بها، وكانت النتائج حاسمة، وهي أن الطين داخل القواقع يحتوي على "إبر إسفنجية دقيقة"، وهي سمة مميزة لصخور العصر التالي للانقراض (العصر الدانياني، وهو المرحلة الأولى من العصر الباليوجيني الذي بدأ مباشرة بعد الانقراض العظيم).
في المقابل، يكاد يخلو من كائنات دقيقة تُسمى "البريوزوا"، والتي كانت شائعة قبل الانقراض ونادرة بعده، وهذا يعني أن القواقع امتلأت بالرواسب بعد الانقراض، أي أن الأمونيتات كانت حية وتسبح في البحار الجديدة التي تشكلت بعد الكارثة.
وتعني هذه النتائج أن اصطدام الكويكب لم يقضِ فوراً على الأمونيتات، فقد نجا بعضها وعاش في عالم ما بعد الانقراض، ولو لفترة قصيرة.
وتنسجم هذه النتيجة مع دراسات سابقة اقترحت أن بعض مجموعات الأمونيتات استمرت حتى 68 ألف سنة بعد الكويكب.
وتثير هذه النتيجة أسئلة مهمة، وهي أن الأمونيتات إذا كانت قد نجت من الاصطدام والظلام والانهيار الأولي للنظام البيئي، فما الذي أدى في النهاية إلى انقراضها الكامل؟ وهل
كان ذلك بسبب تغير طويل الأمد في كيمياء المحيطات؟ أم كان بسبب نقص الغذاء وانهيار السلاسل الغذائية؟ أم منافسة مع كائنات أخرى أكثر قدرة على التكيف، وهذا هو السؤال المفتوح الذي تتركه الدراسة أمام العلماء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة