تواجه الطبقة الوسطى في سوريا اليوم خطر التلاشي التام، حيث بات حضورها الإنتاجي والمالي شبه منعدم في ظل واقع اقتصادي مرير. وتشير البيانات إلى أن نحو 90 في المئة من السوريين باتوا يرزحون تحت خط الفقر، بينما تتركز الثروات في يد فئة محدودة من أثرياء الحرب الذين استغلوا الفوضى لمراكمة ثروات فاحشة.

كشف سقوط النظام السوري أواخر عام 2024 عن حجم الدمار الهائل الذي أصاب البنية التحتية والاقتصاد الوطني طوال العقود الماضية. ولم يقتصر الأمر على تدمير المنشآت، بل امتد ليشمل اختلالاً وظيفياً في توزيع الثروة والنفوذ، وهو إرث ثقيل ورثته المرحلة الانتقالية الحالية عن عهد البعث.

يرى خبراء أن حقبة النظام السابق أنتجت طبقة واسعة من المستفيدين الذين راكموا ثرواتهم بناءً على القرب من دوائر الحكم والولاء السياسي. وقد اعتمد هذا الكسب غير المشروع على نهب الممتلكات العامة والخاصة، والسيطرة على المعابر التجارية، والاحتكارات التي أدت لانكماش قدرة المواطن العادي على الادخار.

أوضح الباحث الاقتصادي مفيد السقا أن الطبقة الوسطى التي كانت تمثل ملايين السوريين خرجت تماماً من دورة رأس المال الوطني. وأشار إلى أن المرحلة الانتقالية، بدلاً من حل المشكلة، أمعنت في الرضوخ لآليات الماضي عبر منح امتيازات اقتصادية قائمة على 'الولاء الثوري' الجديد، مما أنتج طبقة أثرياء جدد.

تتحدث التقارير الدولية عن احتياجات هائلة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، حيث قدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع التكلفة بما يتراوح بين 600 و900 مليار دولار. ورغم هذه الأرقام الضخمة، لا يزال التحدي الأكبر يكمن في كيفية تأمين هذه الموارد وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية الحقيقية.

من جانبه، أشار أستاذ الاقتصاد علي إبراهيم إلى ملاحظات البنك الدولي حول تحسن طفيف في بعض مؤشرات النمو، لكنه أكد أنها غير كافية. وشدد على أن وجود تسعة جائعين من أصل كل عشرة سوريين يتطلب إعادة نظر شاملة في كيفية توزيع الأصول وضبط الأسواق بعيداً عن الاستثمارات الوهمية.

اتخذت السلطة الجديدة خطوات تمثلت في إنشاء صندوق سيادي ولجان لمكافحة الكسب غير المشروع وإجراء تسويات مالية مع رموز العهد السابق. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه الإجراءات شابتها تجاوزات، مثل الحجز على أملاك آلاف المواطنين دون أوامر قضائية واضحة، مما أثار مخاوف من تكرار ممارسات الماضي.

إن إسقاط النظام وحده لم يكن كافياً لإسقاط بنيته الفكرية في الاقتصاد، حيث لا تزال الامتيازات تقوم على الولاء بدلاً من الكفاءة.

يعتقد الباحث السياسي عمر أورفي أن المشكلة الحقيقية تكمن في نقل إرث 'إمبراطورية رجال الأسد' إلى شبكات نفوذ جديدة ترتبط بالعهد الحالي. واعتبر أن ما حدث في كثير من الأحيان هو مجرد تبديل أسماء وملكيات، حيث استحوذ متنفذون جدد على العقود والموارد تحت مسمى 'حقوق المنتصر'.

تلاحق السلطات الانتقالية اتهامات تتعلق بتوقيع عقود بمليارات الدولارات مع شركات واجهة أو وهمية اختفت لاحقاً من المشهد. هذه الفضائح المالية جعلت سوريا بيئة مقلقة لرؤوس الأموال الخارجية المستقلة، التي تخشى من فرض الشراكات القسرية أو غياب الشفافية في المناقصات الحكومية.

يؤكد الأكاديمي حذيفة إسماعيل أن الاقتصاد الطبيعي يتطلب بروتوكولات واضحة للمحاسبة وتفعيل مبدأ 'من أين لك هذا'. وحذر من تحول النفوذ السياسي إلى أصل ثابت لتحويل الامتيازات البسيطة إلى ثروات طائلة، مما يحرم المستثمرين المستقلين من فرص المنافسة الشريفة.

يقترح اقتصاديون ضرورة التوقف عن التفكير في 'الاستحواذ' والبدء في 'الإنتاج'، من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تخلق فرص عمل دائم. ويرى الاقتصادي زكي العربي أن التركيز على قطاعات الربح السريع كالعقارات والسياحة لن ينقذ البلاد ما لم يتم دعم الزراعة والصناعة التحويلية.

تاريخياً، كانت الطبقة الوسطى هي صمام الأمان في المجتمع السوري وعموده الفقري الذي يضمن التوازن بين الفقراء والأغنياء. ويؤكد المحامي عبد الله خليفة أن استعادة هذه الطبقة تتطلب صون الملكية الخاصة، وإصلاح النظام الضريبي، وتوفير تسهيلات حكومية حقيقية لا ترتبط بالمواقف السياسية للمستثمرين.

يبرز مفهوم 'البرجوازية الوطنية' كحل محتمل، حيث يحتاج الاقتصاد السوري إلى أثرياء يستثمرون في بناء المصانع والمعامل بدلاً من مراكمة الأصول. ويرى الباحث خالد حسان أن الشريك المحلي المستقر هو الوحيد القادر على جذب الشريك الخارجي القلق في ظل التوترات الإقليمية الراهنة.

يبقى الاختبار الأصعب أمام سوريا الجديدة هو القدرة على إنتاج اقتصاد مستدام ينهي عقوداً من التبعية والفساد. إن حماية رأس المال المنتج وتشجيع الكفاءات بعيداً عن الولاءات الضيقة هي السبيل الوحيد لاستعادة المجتمع السوري لعافيته، وتحقيق حلم العودة إلى بلد بلا أمية أو فقر أو بطالة.