توقيف نبيلة الحشوش حارسة الأرض في الأردن وتهمة جرائم إلكترون
شهدت منطقة غور الصافي جنوبي الأردن تطورات متسارعة في قضية الناشطة الزراعية نبيلة الحشوش، حيث مثلت أمام المحكمة قبل أن يتم الإعلان عن تدهور حالتها الصحية بشكل مفاجئ. وأفادت مصادر محلية بأن الحشوش تعرضت لحالة إغماء وارتفاع حاد في ضغط الدم أثناء تواجدها في حرم المحكمة، مما استدعى نقلها على الفور تحت حراسة أمنية مشددة إلى أحد المستشفيات الحكومية في مدينة الكرك لتلقي العلاج.
وتعرف نبيلة الحشوش في الأوساط المحلية بلقب 'حارسة الأرض'، نظراً لنشاطها المستمر والدؤوب في مواجهة ملفات استملاك الأراضي في منطقة الأغوار. وترى الحشوش أن هذه الاستملاكات تتم لصالح مشاريع استثمارية تضم شركاء أجانب، وهو ما دفعها للظهور المتكرر عبر منصات التواصل الاجتماعي وهي تندد بهذه الإجراءات وتقتحم الاجتماعات الرسمية لإيصال صوت المزارعين المتضررين.
وعلى الرغم من غياب التوضيحات الرسمية المفصلة من قبل السلطات الحكومية حول طبيعة التهم، إلا أن قرار التوقيف صدر عن الادعاء العام لمدة يومين متتاليين قبل تمديده. وقد اعتبر الادعاء في منطقة غور الصافي أن النظر في الشكوى المقدمة ضدها يخرج عن اختصاصه المكاني، مما أدى إلى إحالة الملف بالكامل إلى محكمة مدينة الكرك لاستكمال الإجراءات القانونية.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن لائحة الاتهام الرسمية لم تعلن بشكل نهائي بعد، إلا أن هناك مؤشرات قوية على أن القضية مرتبطة بقانون الجرائم الإلكترونية. ويأتي هذا الاشتباه بعد أن طُلب من الحشوش المثول أمام القضاء إثر شكوى تتعلق بنشاطها الرقمي وتصويرها لمواجهات ميدانية مع مسؤولين ومستثمرين في المنطقة، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول سقف الحريات.
وكانت الحشوش قد كشفت في اتصالات سابقة عن تعرضها لمضايقات مستمرة من جهات متعددة، وصفت بعضها بأنها حكومية وأخرى مرتبطة بشخصيات متنفذة في منطقة الأغوار. وأكدت الناشطة أن هذه الضغوط تزايدت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، خاصة مع تصاعد وتيرة احتجاجها على قرارات نزع الملكية التي تطال أراضي المزارعين البسطاء في تلك المنطقة الحيوية.
وجاء قرار التوقيف الفعلي بعد حادثة اقتحام الحشوش وزميلة لها لاجتماع رسمي في مقر بلدية غور الصافي، ضم مسؤولين ومستثمرين لمناقشة مشاريع المنطقة. وقد وثقت مقاطع فيديو تم تداولها عبر الهواتف الخلوية مشادات كلامية حادة انتهت بطرد الناشطتين من الاجتماع، وهي الحادثة التي يبدو أنها كانت الشرارة المباشرة للتحرك القضائي ضدهما.
وفي سياق متصل، برزت شكاوى متبادلة بين المزارعة وأحد الموظفين الذي اتهم زميلة الحشوش بالاعتداء البدني عليه والتسبب بكسر في يده، وهي اتهامات وصفتها الحشوش بأنها 'مضحكة' ولا أساس لها من الصحة. واعتبرت أن هذه الشكاوى الكيدية تهدف إلى ترهيب الناشطين وثنيهم عن المطالبة بحقوقهم في الأراضي التي يعتاشون منها منذ عقود طويلة.
وتتركز معارضة الحشوش والمزارعين في الأغوار على قرارات استملاك الأراضي لصالح مشاريع السكك الحديدية الجديدة، بالإضافة إلى التوسع في إقامة البرك الملحية التابعة لصناعات التعدين والبوتاس. ويرى المحتجون أن هذه المشاريع تلتهم المساحات الزراعية المحدودة وتهدد الأمن الغذائي وسبل عيش العائلات الفقيرة التي تعتمد كلياً على الزراعة في تلك المناطق.
وتفاعل ائتلاف 'حماية أراضي الأغوار الجنوبية' مع قضية توقيف الحشوش، حيث أصدر بياناً عاجلاً طالب فيه بالإفراج الفوري عنها وضمان سلامتها الجسدية والنفسية. وشدد الائتلاف على ضرورة تمكين محاميها وأفراد أسرتها من التواصل معها بشكل طبيعي، محذراً من تداعيات استمرار توقيف سيدة تعاني من ظروف صحية صعبة وهي أم لتسعة أطفال.
كما طالب البيان بضرورة التراجع الفوري عن قرارات استملاك الأراضي الزراعية في منطقتي غور الصافي وغور فيفا، ووقف كافة إجراءات وضع اليد والتجريف التي تقوم بها الآليات الثقيلة. وأكد الائتلاف على أهمية صون حقوق أصحاب الأراضي في الملكية والاستعمال والانتفاع، معتبراً أن الأرض هي الملاذ الأخير للفلاح الأردني في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وقد قرر الادعاء العام عصر الأربعاء استمرار توقيف الحشوش لمدة أسبوع على ذمة التحقيق، فيما فشلت جهود شركائها ومحاميها في الحصول على قرار بالإفراج عنها بكفالة. ويبقى الوضع الصحي للناشطة هو الشاغل الأكبر لذويها، خاصة مع بقائها في المستشفى تحت الرقابة الطبية والأمنية بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من إجراءات.
وتسلط هذه القضية الضوء على الصراع المستمر بين المشاريع الاستثمارية الكبرى وحقوق الملكية الفردية للمزارعين في الأردن، حيث تبرز نبيلة الحشوش كنموذج للمرأة الريفية المدافعة عن أرضها. ورغم أنها لا تنتمي لأي تيار حزبي أو سياسي، إلا أن قضيتها تحولت إلى قضية رأي عام جذبت اهتمام المنظمات الحقوقية والناشطين على مستوى البلاد.
ويرى مراقبون أن استخدام قانون الجرائم الإلكترونية في مثل هذه القضايا يثير مخاوف جدية حول تقييد حق التعبير والاحتجاج السلمي على السياسات الاقتصادية. فالحشوش التي كانت تنقل معاناة أهل منطقتها عبر البث المباشر، تجد نفسها اليوم خلف القضبان بسبب مقاطع فيديو وثقت فيها ما تعتبره تغولاً على حقوق المزارعين التاريخية في أراضيهم.
ختاماً، تنتظر الأوساط الشعبية في الأغوار والكرك نتائج التحقيقات الرسمية، وسط دعوات للتهدئة وتغليب لغة الحوار وحماية حقوق الفئات الضعيفة. وتظل قصة 'حارسة الأرض' مفتوحة على كافة الاحتمالات، في ظل إصرار المزارعين على التمسك بحقوقهم ورفضهم لسياسات الاستملاك التي يرونها مجحفة بحق مستقبل أبنائهم وأرض أجدادهم.