أهمية تعز الإستراتيجية في الحرب اليمنية وتأثيرها على ميزان ا
تتصاعد الأهمية الإستراتيجية لمحافظة تعز في قلب الصراع اليمني، حيث تحولت المرتفعات الجبلية وخطوط الإمداد الحيوية إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله (الحوثيين). وتكتسب هذه المحافظة ثقلاً استثنائياً نظراً لموقعها الجغرافي الذي يربط بين المرتفعات الوسطى والساحل الغربي لليمن.
تتحكم تعز بشكل مباشر في الممرات المؤدية إلى ميناء المخا ومضيق باب المندب المائي العالمي، مما يجعلها مفتاحاً للسيطرة على حركة الملاحة وتأمين العمق البري للساحل. كما تمتد أهميتها الجغرافية جنوباً لتشكل حلقة الوصل الرئيسية نحو محافظتي لحج وعدن، وهو ما يفسر حدة القتال المستمر فيها.
لا تقتصر قيمة تعز على الجغرافيا العسكرية فحسب، بل تمثل ثقلاً سكانياً وسياسياً واجتماعياً يتجاوز حدود مساحتها الجغرافية. وتعد المحافظة من أكثر المناطق اليمنية كثافة سكانية، حيث خرجت منها أجيال من النخب السياسية والثقافية التي شكلت ملامح الدولة اليمنية الحديثة عبر العقود الماضية.
أفادت مصادر عسكرية بأن الضغط الميداني الحالي على أطراف تعز يهدف إلى تثبيت وقائع جديدة على الأرض، حيث تسعى الأطراف المتصارعة لتعزيز نفوذها في المناطق المطلة على الساحل. وتعتبر السيطرة على هذه المرتفعات وسيلة لتأمين خطوط الإمداد وضمان عدم عزل المدن الرئيسية عن محيطها الحيوي.
من جانبه، يرى المحلل العسكري محمد الصمادي أن تعز تشكل عقدة إستراتيجية تربط الشمال بالجنوب، مؤكداً أن السيطرة عليها قد تؤدي إلى تغيير جذري في موازين القوى. وأشار الصمادي إلى أن الطبيعة الجبلية الوعرة تمنح كل تلة قيمة تكتيكية تساهم في رفع مستوى المكاسب الميدانية إلى مستوى عملياتي مؤثر.
وأوضح الصمادي أن جماعة الحوثي تسعى بشكل حثيث لتحويل تعز إلى جيب معزول عبر قطع الطرق الحيوية، لا سيما طريق التربة الذي يربط المحافظة بالعاصمة المؤقتة عدن. وتتسم المعارك في هذه المناطق بصعوبة بالغة نظراً لاعتماد تكتيكات حرب العصابات والمجموعات الصغيرة في تضاريس جبلية معقدة.
وعلى الصعيد السياسي، أكد الخبير في الشأن اليمني أنور العنسي أن تعز تمتلك رمزية خاصة في الوجدان اليمني، كونها كانت دائماً منبعاً للتيارات الفكرية والثقافية. وأشار العنسي إلى أن مستوى الوعي السياسي والتعليمي في المحافظة يفوق نظيره في العديد من المناطق الأخرى، مما جعلها مركزاً للقرار الوطني.
لعبت تعز دوراً محورياً في المحطات التاريخية المفصلية لليمن، وكان أبرزها انتفاضة عام 2011 التي انطلقت شرارتها من ساحاتها لتشمل كافة المحافظات. وقد ساهم أبناء تعز بمختلف انتماءاتهم في الإطاحة بالنظام السابق، مما عزز من مكانتها كقائدة للحراك الشعبي والمجتمعي في البلاد.
تؤكد التقارير الميدانية أن السيطرة على تعز أو عزلها يؤثر بشكل مباشر على ميزان القوة بين الداخل اليمني والساحل الغربي. وهذا التأثير يمتد ليشمل التوازنات بين المحافظات الشمالية والجنوبية، مما يجعل من تعز بيضة القبان في أي تسوية سياسية أو حسم عسكري مستقبلي.
رغم الأهمية الإستراتيجية الكبرى، يرى مراقبون أن تعقيد الجغرافيا في تعز قد يحول دون حسم المعركة بشكل سريع لأي طرف. فالسلاسل الجبلية الغربية تفرض واقعاً عسكرياً يجعل من التقدم الميداني مكلفاً وبطيئاً، ويحتاج إلى قدرات لوجستية وبشرية هائلة للاحتفاظ بالمواقع المحررة.
تظل تعز اليوم ساحة لاختبار الإرادات السياسية والعسكرية، حيث تتداخل فيها المصالح المحلية والإقليمية بشكل معقد. ومع استمرار المواجهات، يبقى مصير المحافظة مرتبطاً بقدرة الأطراف على التحكم في الممرات الإستراتيجية التي تربط قلب اليمن بأطرافه الساحلية والجنوبية.