يصادف اليوم مرور أربعين عاماً على الحدث الذي هز أركان السرية الإسرائيلية، حين نشرت صحيفة صنداي تايمز البريطانية في الخامس من أكتوبر 1986 تحقيقاً مفصلاً عن البرنامج النووي الإسرائيلي. استند هذا الكشف التاريخي إلى شهادة وصور قدمها التقني السابق في مجمع ديمونا، مردخاي فعنونو، مما أتاح للخبراء الدوليين أول فرصة حقيقية لفحص طبيعة النشاط النووي الذي ظل محاطاً بستار كثيف من الكتمان.

لم تكن الشكوك الدولية حول امتلاك الاحتلال لسلاح نووي وليدة اللحظة، إلا أن أهمية ما قدمه فعنونو تكمن في الأدلة الدامغة من قلب المنشأة المحصنة. لقد فتحت تلك التسريبات نقاشاً عالمياً واسعاً حول حجم البرنامج وقدراته التدميرية، لكن المفارقة تكمن في أن المعرفة المتزايدة بالترسانة لم تؤدِ إلى كسر سياسة الغموض النووي الرسمية حتى يومنا هذا.

تشير الوثائق التاريخية التي أفرج عنها أرشيف الأمن القومي في جامعة جورج واشنطن إلى أن الغرض العسكري لمفاعل ديمونا كان تحت المجهر الاستخباراتي الأمريكي منذ عام 1960. ومع ذلك، فإن فعنونو قدم تفاصيل لم تكن معلومة حتى للفرق الأمريكية التي زارت الموقع في الستينيات، خاصة فيما يتعلق بالمنشآت السرية الموجودة تحت الأرض والمخصصة لإنتاج المواد العسكرية.

القيمة الحقيقية لشهادة فعنونو تمثلت في كشف آليات العمل الداخلي للمجمع، وهو ما عجزت عنه وسائل الاستطلاع والزيارات الرسمية المبرمجة سابقاً. ورغم أن هذه المعلومات عززت الأدلة على حجم البرنامج، إلا أنها ظلت قاصرة عن تقديم سجل كامل لأنواع الأسلحة المنتجة أو استراتيجيات نشرها واستخدامها الفعلي.

عقب نشر التحقيق في عام 1986، لم يهرع الاحتلال للاعتراف بقدراته، بل تمسك بصيغة دبلوماسية مطاطة صاغها رئيس الحكومة آنذاك شمعون بيريز. أكد بيريز حينها أن إسرائيل لن تكون أول من يدخل الأسلحة النووية إلى المنطقة، وهي جملة تحمل تأويلات متعددة تخدم استراتيجية الردع دون تحمل التبعات القانونية الدولية.

يعود أصل هذا الموقف إلى مناقشات إسرائيلية أمريكية في أواخر الستينيات، حيث تم ربط مفهوم 'إدخال' السلاح النووي بالتجارب العلنية أو الإعلان الرسمي فقط. هذا التفسير سمح للاحتلال بالاحتفاظ بقدراته النووية فعلياً مع الامتناع عن الإقرار بها، مما يبقي الخصوم في حالة من عدم اليقين الدائم.

لا يمكن فصل استمرار هذا الغموض عن الغطاء الدولي الذي وفرته الولايات المتحدة الأمريكية عبر عقود طويلة. وتكشف الوثائق عن تفاهم سري جرى عام 1969 بين الرئيس ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء غولدا مائير، أتاح لواشنطن التعايش مع وضع نووي إسرائيلي غير معلن مقابل وقف الضغوط الدولية.

كشف المعلومات لا يساوي تغيير الموقف الرسمي؛ فإسرائيل تمتنع عن تأكيد ما ينشره الآخرون مع بقاء قدراتها حاضرة في حسابات الخصوم.

استمرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بما فيها إدارة جيمي كارتر، في قبول التأكيدات الإسرائيلية الرسمية رغم توفر تقارير استخباراتية تؤكد عكس ذلك. هذا التوافق الضمني جعل من الغموض النووي ركيزة أساسية في العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين، متجاوزاً أي فضائح أو تسريبات إعلامية قد تظهر للعلن.

تؤدي سياسة الغموض وظيفة مزدوجة؛ فهي تمنح الاحتلال ميزة الردع النووي أمام القوى الإقليمية، وفي الوقت ذاته تجنبه المواجهة الدبلوماسية المباشرة في المحافل الدولية. وبناءً على ذلك، لم يكن الهدف من هذه السياسة إقناع العالم بعدم وجود البرنامج، بل تجنب التبعات القانونية والسياسية للاعتراف به.

على صعيد الرقابة الدولية، تستفيد إسرائيل من كونها ليست طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مما يحد من صلاحيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتقتصر رقابة الوكالة على منشآت محددة مثل مركز سوريك للأبحاث، بينما يبقى مجمع ديمونا بعيداً تماماً عن أي تفتيش أو نظام تحقق دولي شامل.

إن تراكم المعرفة الخارجية حول البرنامج النووي لم يترجم أبداً إلى آليات تحقق قانونية، نظراً للقيود التي تفرضها الاتفاقيات الدولية القائمة. وهذا يفسر لماذا لم تنجح صور فعنونو في فتح أبواب ديمونا أمام المفتشين الدوليين، حيث ظلت المعلومات المسربة مجرد قرائن لا تلزم الدولة بأي إجراء تصحيحي.

في الوقت الراهن، تشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) لعام 2026 إلى أن إسرائيل تمتلك نحو 90 رأساً نووياً. ويؤكد المعهد في تقاريره الحديثة استمرار حالة عدم اليقين بشأن الخصائص الدقيقة لهذه الأسلحة، رغم رصد عمليات بناء وتوسعة جديدة داخل مركز الأبحاث النووية قرب ديمونا خلال عام 2025.

تظل التوسعات الجديدة في ديمونا محاطة بالسرية، حيث يرجح الخبراء ارتباطها بتحديث القدرات النووية الحالية دون وجود تصريحات رسمية تؤكد ذلك. هذا التطور يشير إلى أن الاحتلال لا يكتفي بالحفاظ على ترسانته القديمة، بل يعمل على تطويرها بما يتماشى مع التحديات الأمنية المتغيرة في المنطقة.

بعد مرور أربعة عقود على قضية فعنونو، يبدو أن إرثه قد نجح في كسر حاجز السرية المطلقة لكنه فشل في تفكيك المنظومة السياسية التي تحمي الغموض. لقد أصبح العالم يعرف الكثير عما يدور خلف جدران ديمونا، لكن هذه المعرفة تظل حبيسة التقارير البحثية، دون أن تتحول إلى ضغط دولي حقيقي يلزم إسرائيل بالشفافية.