يعيش آلاف الفلسطينيين الذين اضطروا لمغادرة قطاع غزة حالة من الترقب الممزوج بالألم في العاصمة المصرية القاهرة، حيث يواجهون مستقبلاً مجهولاً بعيداً عن ديارهم التي دمرتها الحرب. ومن بين هؤلاء عمر الحساينة، الرجل الستيني الذي غادر القطاع بعد أن فقد معظم أفراد أسرته في غارات جوية إسرائيلية عنيفة استهدفت مربعاً سكنياً كانت تقطنه عائلته.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن السلطة الفلسطينية إلى أن الحساينة هو واحد من بين أكثر من 100 ألف فلسطيني غادروا القطاع منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023. هؤلاء النازحون يجدون أنفسهم اليوم عالقين بين مرارة الغربة وصعوبة العودة في ظل انعدام مقومات الحياة الأساسية والأمن في مناطقهم الأصلية.

لا تقتصر معاناة النازحين على البعد الجغرافي فحسب، بل تمتد لتشمل صدمات نفسية عميقة ناتجة عن فقدان الأقارب والأصدقاء. الحساينة، على سبيل المثال، لا يزال يتجرع مرارة فقدان 308 أفراد من عائلته الممتدة، الذين استشهدوا في يوم واحد عندما دمرت طائرات الاحتلال المباني التي كانوا يحتمون بها في مدينة غزة.

ومن بين الشهداء الذين فقدهم الحساينة زوجته وأربعة من أبنائه وأربعة أحفاد، أحدهم رضيع لم يكمل شهوره الأولى. هذه المأساة تعكس حجم الإبادة الجماعية التي تعرضت لها عائلات فلسطينية كاملة، حيث شُطبت أسماء عائلات بأكملها من السجل المدني نتيجة القصف المركز على التجمعات السكنية.

وعلى الرغم من مرور نحو عام على الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، إلا أن الواقع على الأرض في قطاع غزة لم يشهد تغييراً ملموساً يسمح بعودة النازحين. فلا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلية تفرض سيطرتها على أكثر من 60 بالمئة من مساحة القطاع، وتواصل تنفيذ ضربات جوية وعمليات عسكرية بصورة شبه يومية.

تتوزع عائلة الحساينة الناجية اليوم بين عدة دول، حيث يقيم ابنه الأكبر محمد مع أطفاله في القاهرة، بينما نُقلت إحدى بناته إلى تركيا لتلقي العلاج. وفي المقابل، لا تزال ابنة أخرى له داخل قطاع غزة المحاصر مع أطفالها، رغم استشهاد زوجها في ذات الهجوم الذي دمر منزل العائلة.

في شهر أغسطس الماضي، عاش الحساينة لحظات قاسية وهو يشاهد عبر شاشة هاتفه مقاطع مصورة لأقاربه وهم يدفنون 112 من أفراد عائلته بعد انتشالهم من تحت الأنقاض. ولا تزال عشرات الجثامين الأخرى مدفونة تحت ركام المباني المدمرة، حيث يصعب على فرق الإنقاذ الوصول إليها بسبب نقص المعدات واستمرار الاستهداف.

أنا أتحين اللحظة التي تستقر فيها غزة لأعود إلى بلدي وأكون أداة صالحة للبناء، ولن ننسى ما حدث مهما طال الزمن.

كان الحساينة يدير تجارة ناجحة في قطاع غزة متخصصة في معدات السلامة ومكافحة الحرائق قبل أن تدمر الحرب كل شيء. واليوم، يضطر لبيع ما تبقى من بضاعته التي نجت من القصف لتأمين تكاليف المعيشة والإقامة في القاهرة، محاولاً التكيف مع واقع جديد فرضته الحرب القاسية.

تؤكد التقارير أن جميع الذين غادروا القطاع خضعوا لإجراءات تدقيق أمني مشددة من قبل السلطات المصرية والإسرائيلية على حد سواء. ورغم هذه التعقيدات، تمكن نحو 7000 شخص فقط من العودة إلى غزة، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بأعداد النازحين الذين ينتظرون فرصة الرجوع إلى ديارهم.

تتزايد المخاوف بين النازحين من دعوات بعض السياسيين الإسرائيليين التي تنادي بتهجير سكان غزة بشكل دائم ومنعهم من العودة. إلا أن الحساينة يعرب عن ثقته في أن الموقف المصري سيظل حائط صد أمام أي محاولات للتهجير القسري واسع النطاق للفلسطينيين خارج حدودهم التاريخية.

ويبقى مستقبل عودة النازحين مرتبطاً بشكل وثيق ببدء عملية إعادة إعمار حقيقية ووجود ضمانات دولية للأمن والاستقرار. فبدون خطة واضحة لإعادة بناء المنازل والبنية التحتية المدمرة، ستظل العودة الجماعية حلماً بعيد المنال بالنسبة لآلاف العائلات التي فقدت كل ما تملك.

يؤكد الحساينة في حديثه لمصادر إعلامية أنه لن يتردد لحظة واحدة في العودة إلى غزة فور توفر الظروف الملائمة وبدء الإعمار. ويقول بلهجة ملؤها الإصرار: 'سأبني وأرجع أبني'، مشدداً على أن اليأس ليس له مكان في قلوب الفلسطينيين رغم حجم الدمار والفقد.

إن قصص النازحين في القاهرة تعكس فصلاً جديداً من فصول اللجوء الفلسطيني المستمر منذ عقود، حيث تكرر الحرب الحالية مآسي النكبة بصور أكثر دموية. وتظل العودة إلى غزة، رغم ركامها، هي الهدف الأسمى الذي يسعى إليه كل من غادر القطاع قسراً تحت وطأة الصواريخ والقذائف.

وفي ختام المشهد، يترقب المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية ما ستسفر عنه التحركات السياسية المقبلة، في وقت يستمر فيه النازحون في إحصاء خسائرهم البشرية والمادية. وتبقى صرخة الحساينة وأمثاله تذكيراً دائماً بضرورة إنهاء الحرب وتمكين الفلسطينيين من العيش بكرامة على أرضهم.