عبد الله أبو رحمة: 55 أمراً عسكرياً في الضفة منذ بداية العام تهدف إلى إزالة عشرات الآلاف من الأشجار وتحويل الأراضي إلى أراضٍ خالية لتسهيل مصادرتها
د. عبد الناصر مكي: المواطنون لا يستطيعون جني أكثر من 20% من موسم الزيتون نتيجة اعتداءات المستوطنين وقيود الجيش الإسرائيلي ما سينعكس على الأسعار
ياسر مناع: خطورة هذه الاعتداءات لا تقتصر على لحظة وقوعها بل تمتد آثارها على المزارع مع استحضاره الخطر في كل مرة يحاول فيها العودة إلى أرضه
د. سهيل دياب: من المتوقع استمرار التصعيد حتى الانتخابات الإسرائيلية وما يجري بحق المزارعين وشجرة الزيتون يأتي ضمن رؤية جديدة متدرجة في الضفة
محمد الرجوب: الخطورة تكمن في تحوّل الأراضي من ملكية قائمة إلى أراضٍ يصعب الوصول إليها ثم متروكة بما قد يقود نحو إعادة تشكيل الجغرافيا
د. تمارا حداد: موسم الزيتون يرتبط بالأرض والهوية والوجود واستهداف المزارعين يحمل أبعاداً تتجاوز الضرر المباشر إلى الضغط عليهم للابتعاد عن أراضيهم

رام الله - خاص بـ"القدس"-
لا يمر موسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية هذا العام كموعد زراعي اعتيادي، إذ يجد المزارعون أنفسهم أمام اعتداءات للمستوطنين وقيود عسكرية وأوامر تمنع الوصول إلى مساحات من أراضيهم، وسط تحذيرات من أن تتحول هذه الممارسات إلى وسيلة لإضعاف ارتباط الفلسطيني بأرضه ومصدر رزقه، في وقت يتصاعد فيه الاستيطان والعنف في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
وبحسب مسؤولين ومختصين وكتاب ومحللين سياسين وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع ”ے”، تتخذ الضغوط أشكالاً متعددة، تبدأ بمنع المزارعين من الوصول إلى الحقول، وتمر بالاعتداء عليهم وتخريب الأشجار والمحاصيل، وصولاً إلى إصدار أوامر عسكرية لإزالة الأشجار والغطاء النباتي وفرض مناطق عازلة.
ولا تقتصر تداعيات ذلك على خسارة موسم زراعي، إذ يرى مسؤولون وخبراء وكتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات أن تكرار المنع والاعتداءات يجعل الوصول إلى الأرض أكثر صعوبة، ويضع المزارع أمام مخاطر متكررة كلما حاول العودة إليها، بما يهدد مورداً اقتصادياً أساسياً لآلاف العائلات ويؤثر في قدرة الفلسطينيين على استثمار أراضيهم والحفاظ عليها، فيما يتوقعون تصاعد الاعتداءات مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، بينما تتجاوز الاعتداء الانتخابات لتنفيذ استراتيجية إسرائيلية تهدف للسيطرة على الأرض.




اعتداءات ضمن مسار تصاعدي

يؤكد نائب رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة أن الاعتداءات والانتهاكات والإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، تشهد على الأرض تزايداً، ضمن مسار تصاعدي بدأ بالتحريض والمنشورات ضد الفلسطينيين، ثم خطّ الشعارات على المنازل والمساجد وإحراقها، قبل الانتقال إلى استهداف المراعي والتجمعات البدوية ومصادر المياه والممتلكات والمزارعين، وصولاً إلى سرقة المواشي، بما يخلق بيئة طاردة تدفع السكان إلى الرحيل.
ويوضح أبو رحمة أن هذا النهج، بعد تهجير جزء من التجمعات البدوية، انتقل إلى القرى، خصوصاً الواقعة على الأطراف، حيث تتعرض المنازل والأراضي للمضايقات والاعتداءات بهدف دفع سكانها إلى ترك أراضيهم.
ويشير أبو رحمة إلى أن هناك قرى تمت محاصرتها مع صعوبة الحركة والدخول والخروج، بينما لم يتبقَّ لبعض سكانها سوى مناطق المنازل، التي تتعرض الأطراف منها للاعتداء والتهديد.
ويؤكد أبو رحمة أن الاستهداف يتوسع ليطال المزارعين، ولا سيما في موسم الزيتون، باعتبار أن الزيتون وثمارَه وزيته يشكل جزءاً أساسياً من دخل الفلسطينيين، ويعتمد عليه كثيرون في تزويج أبنائهم وبناء منازلهم وتحسين أوضاعهم وتعليم أبنائهم.
ويشير أبو رحمة إلى أن ذلك يأتي بالتزامن مع استهداف قطاعات العمال والموظفين ومربي المواشي والمزارعين، عبر منع أعداد كبيرة من المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بما يؤدي إلى فقدان مصدر رزق أساسي ويدفع نحو الرحيل.

إجراءات لتنفيذ الخطط الإسرائيلية

ويلفت أبو رحمة إلى أن لهذه الإجراءات أهدافاً واضحة، بينها تنفيذ الخطط التي يطرحها قادة اليمين المتطرف، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش، لتفريغ الأرض وتسهيل ضمها وفرض السيادة عليها.
ويوضح أبو رحمة أنّ سموتريتش يتحدث عن شرعنة 104 مستوطنات وعن 150 مزرعة استيطانية، فيما تشير إحصائيات الهيئة إلى وجود 450 بؤرة استيطانية، لافتاً إلى أن الهدف من كل ذلك يتمثل في تمزيق الأرض الفلسطينية وزيادة السيطرة عليها وتقييد حركة المواطنين.

إزالة الغطاء النباتي

ويبيّن أبو رحمة أن ذلك يترافق مع إجراءات جيش الاحتلال، من الحواجز والمصادرات والأوامر العسكرية لإزالة الغطاء النباتي، مشيراً إلى تسجيل 55 أمراً عسكرياً منذ بداية العام الحالي تهدف إلى إزالة عشرات الآلاف من الأشجار وتحويل الأراضي إلى أراضٍ خالية لتسهيل مصادرتها، إضافة إلى أوامر عسكرية لإقامة مناطق عازلة تمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وإجراءات تسهّل حركة المستوطنين وتضيّق على الفلسطينيين.
ويتوقع أبو رحمة ارتفاع الاعتداءات خلال الأيام المقبلة مع بدء موسم قطف الزيتون واقتراب الانتخابات الإسرائيلية، مرجعاً ذلك إلى استغلال ميليشيات اليمين المتطرف وجود الحكومة لفرض أمر واقع، وإلى محاولة استخدام الاعتداءات والانتهاكات كنوع من الدعاية الانتخابية.

أهمية القطاف الجماعي

وللحد من الاعتداءات، يدعو أبو رحمة إلى تنظيم عملية القطاف بشكل جماعي، ومساندة أهالي القرى للمزارعين المهددة أراضيهم، وتشكيل لجان محلية في كل قرية.
ويوضح أبو رحمة أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بالتعاون مع وزارة الزراعة ومؤسسات أخرى، عممت هذه التوجيهات ضمن الحملة الوطنية لموسم قطف الزيتون، كما تعمل مع مؤسسات دولية لتشجيع المتضامنين الدوليين على المشاركة، إلى جانب مشاركة الهيئة في عمليات القطاف وتقديم الدعم اللوجستي للمزارعين، بما يشجعهم على الوصول إلى أراضيهم ويسهم في تقليل الاعتداءات.

استراتيجية ممنهجة للسيطرة على الأرض

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والخبير في شؤون الاستيطان، د. عبد الناصر مكي، أن تصاعد اعتداءات المستوطنين على المواطنين وأشجار الزيتون في الضفة الغربية يأتي ضمن استراتيجية إسرائيلية ممنهجة للسيطرة على الأرض الفلسطينية، وتضييق سبل الحياة أمام السكان ودفعهم نحو التهجير.
ويوضح مكي أن هذا المسار بدأ قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو ودخول أحزاب وقوى يمينية متطرفة إليها، مشيراً إلى أن مصالح نتنياهو السياسية تلاقت مع تطلعات بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير المتعلقة بالاستيطان والسيطرة على الأرض الفلسطينية.
ويوضح مكي أن سموتريتش ركز بصورة خاصة على توسيع الاستيطان في الضفة الغربية وخلق بيئة استيطانية واسعة تضغط على الفلسطينيين، فيما تركزت الإجراءات على مناطق استراتيجية، بينها مسافر يطا والأغوار الشمالية والوسطى، إلى جانب مناطق شمال شرقي رام الله، خاصة سنجل وترمسعيا، وكذلك جالود وقصرة وكفر مالك وبورين وغيرها.

عودة "مشروع E1" الاستيطاني

ويشير مكي إلى عودة "مشروع E1" الاستيطاني، الذي كان قد جُمد العمل به عام 1994، قائلاً: "إن حكومة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير أعادت تحريك المشروع وجهزت عطاءات لتنفيذه، على أن تُفتح العطاءات، وفق ما هو متداول، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بيومين".
ويربط مكي بين ذلك وبين موسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية، قائلاً: "إن المستوطنين والحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي يتحركون بصورة متزامنة بهدف التضييق على الفلسطينيين والقضاء على أشجار الزيتون، التي تعد المرتكز الأساسي لصمود السكان الفلسطينيين، وعنواناً أساسياً لوجودهم في الضفة الغربية".

تكثيف الهجمات على المزارعين

ويوضح مكي أن المستوطنين بدأوا منذ نحو أسبوع بتكثيف الهجمات على قاطفي الزيتون، خصوصاً في مناطق رام الله ونابلس، من خلال الاعتداء عليهم وطردهم ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، مشيراً إلى اعتداءات خطيرة وقعت في تلك المناطق.
ووفق مكي، تشير تقديرات إلى تدمير نحو 14 ألف شجرة خلال الفترة الماضية، بينها نحو 9 آلاف شجرة زيتون، موضحاً أن هذه الأشجار تمثل مصدر غذاء ودخل لعدد كبير من العائلات الفلسطينية، ولا سيما في شمال الضفة الغربية، وبالتالي فإن الاعتداء عليها يشكل اعتداءً مباشراً على أرزاق الفلسطينيين.

انعكاس على الأسعار

ويشير مكي إلى أن الفلسطينيين لا يستطيعون في الوقت الحالي جني أكثر من نحو 20% من موسم الزيتون، نتيجة اعتداءات المستوطنين وقيود الجيش الإسرائيلي ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، الأمر الذي سينعكس على أسعار الزيت والزيتون خلال الفترة المقبلة.
ويعتبر مكي أن أحد أهداف التصعيد يرتبط بالدعاية الانتخابية للأحزاب اليمينية الإسرائيلية، عبر تقديم هذه الممارسات للناخبين باعتبارها إجراءات للسيطرة على الأرض الفلسطينية ودعم المستوطنين، متوقعاً تصاعد الاعتداءات خلال الأيام المقبلة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.

مهمات مطلوبة من الفلسطينيين

ولا يتوقع مكي اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، للتصدي لتلك الاعتداءات، لكنه يدعو إلى مواجهة هجمات المستوطنين، عبر الاستفادة من تجربة الانتفاضة الأولى من خلال تشكيل لجان وطنية ولجان حراسة في التجمعات والقرى، خاصة المناطق القريبة من حقول الزيتون.
ويؤكد مكي تمسك الفلسطينيين بأرضهم وتجذرهم فيها، رافضاً أي تهجير أو توطين خارج الضفة الغربية، فيما يدعو السلطة الفلسطينية إلى العمل مع الجهات المحلية لتفعيل لجان الحراسة والحماية في القرى، على غرار الانتفاضة الأولى، لحماية المواطنين وموسم الزيتون المقبل من اعتداءات المستوطنين.
ويرى مكي أن هجمات المستوطنين كانت في السابق تكتيكاً، لكنها تحولت اليوم إلى استراتيجية تشترك فيها الحكومة الإسرائيلية والجيش والمستوطنون، مع توزيع أدوار بين مجلس المستوطنات والإدارة المدنية والجيش والمستوطنين، بهدف واحد يتمثل في الضغط على الفلسطينيين وتهجيرهم وتوسيع الاستيطان.

استهداف قدرة الفلسطينيين على البقاء

يؤكد الكاتب والباحث المختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن ما يجري في الضفة الغربية يمثل تصعيداً يستهدف قدرة الفلسطينيين على البقاء في أرضهم، معتبراً أن الهجمات على قاطفي الزيتون تأتي ضمن مسار تتداخل فيه اعتداءات المستوطنين مع القيود والممارسات العسكرية التي تعرقل وصول المزارعين إلى حقولهم.
ويوضح مناع أن خطورة هذه الاعتداءات لا تقتصر على لحظة وقوعها، بل تمتد آثارها إلى ما بعدها، إذ إن المزارع الذي يتعرض للضرب أمام أسرته، أو يشاهد سرقة محصوله وإتلاف أشجاره، يستحضر الخطر في كل مرة يحاول فيها العودة إلى أرضه.
ويرى مناع أن هذا الضغط النفسي يخدم السيطرة الاستيطانية، من خلال وضع الفلسطيني أمام مفاضلة قاسية بين سلامة عائلته ومصدر رزقه، واستنزاف قدرته على الصمود مع تكرار الاعتداءات.
ويبين مناع أن أهداف هذا المسار تتمثل في إبعاد أصحاب الأراضي عنها، وإضعاف الموارد التي تساعدهم على البقاء، وفرض وقائع استيطانية تزيد من عزلة القرى وتحد من قدرتها على التوسع والزراعة.

استمرار الاعتداءات خلال موسم قطاف الزيتون

ويرجّح مناع استمرار الاعتداءات خلال موسم قطاف الزيتون في ظل غياب إجراءات الردع والمحاسبة، محذراً من امتداد منع الوصول إلى الأراضي إلى ما بعد الموسم، بما يعيق رعاية الأشجار واستثمارها.
ويدعو مناع إلى استجابة منظمة تشمل المرافقة المدنية بالتنسيق مع الأهالي، وتوفير الإسعاف والتوثيق والمتابعة القانونية، إلى جانب تعويض المتضررين ودعم تكاليف القطاف والنقل، مؤكداً ضرورة استمرار هذه المساندة طوال العام، بالتوازي مع تحرك دولي لمحاسبة المعتدين والجهات التي تدعمهم.

تحولات استراتيجية تجاه الضفة الغربية

يؤكد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن الاعتداءات المتكررة للمستوطنين على أشجار الزيتون في الضفة الغربية لا تمثل مجرد إجراءات انتقامية متراكمة بحق الفلسطينيين، وإنما تعكس تحولاً استراتيجياً في منهجية الاحتلال الإسرائيلي بعيدة المدى تجاه الضفة لتغيير الواقع السياسي والديمغرافي، ودور المستوطنين كعامل أساسي ومحرك ومشارك مع الجيش الإسرائيلي في تنفيذ هذه الاستراتيجية.
ويوضح دياب أن شجرة الزيتون لم تعد مجرد رمز تاريخي للصمود والبقاء والصبر، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة، وبصورة أوضح خلال الأشهر الأخيرة، إلى مقوم اقتصادي أساسي يعبر عن وجود الفلسطيني على أرضه، وعن قدرته على البقاء فيها، ما يجعل استهدافها جزءاً من استهداف مقومات الحياة والاستقرار الاقتصادي الفلسطيني.
ويشير دياب إلى أن ما يجري بحق المزارعين وشجرة الزيتون يأتي ضمن الرؤية الإسرائيلية الجديدة والمتدرجة في الضفة الغربية، والتي لا تقتصر على السيطرة على الجغرافيا الفلسطينية والديموغرافيا، وإنما تمتد إلى "الضلع الثالث" من مثلث الأهداف الاستراتيجية، والمتمثل في تدمير المؤسسات الاقتصادية والشعبية والحياتية والحوكمة والبنوك والسلطة والأجهزة الأمنية والفصائل الفلسطينية وهياكل المجتمع المدني والمؤسسات السياسية، بما يؤدي إلى تفكيك كيان الشعب الفلسطيني ومنعه من امتلاك مقومات تمكّنه من التعبير عن حقوقه القومية وحقه في تقرير المصير والسيادة.

استهداف أشجار الزيتون ضمن الاستراتيجية

ويؤكد دياب ضرورة الربط بين استهداف أشجار الزيتون وهذه الاستراتيجية بعيدة المدى، باعتبار الزيتون أحد أكثر المقومات الاقتصادية فاعلية في تثبيت الفلسطيني على أرضه، ليس فقط من الناحية التنموية والمعيشية، وإنما أيضاً في ضمان صموده في مواجهة الاحتلال. ويتوقع دياب أن يشهد موسم الزيتون الحالي مزيداً من إراقة الدماء الفلسطينية والتنكيل وقطع الأشجار وسرقة المحاصيل والاعتداءات.

ثلاثة أهداف استراتيجية

ويحدد دياب ثلاثة أهداف استراتيجية لما يجري في الضفة، أولها الهدف الجغرافي، عبر السعي إلى السيطرة على نحو 80% من الأراضي الفلسطينية، مع تطهير عرقي قدر الإمكان من السكان الفلسطينيين، وحشرهم في أقل من 20% من مساحة الضفة، وتحويل هذه المناطق من "سجن كبير مفتوح" إلى "سجن كونفدرالي" تفصل بين أقسامه بوابات حديدية بين القرى والأحياء والبلدات، بما ينغّص حياة الفلسطينيين ويدفعهم إلى التفكير بالهجرة، سواء الطوعية أو القسرية.
أما الهدف الثاني، بحسب دياب، فهو ديموغرافي يتمثل في مزيد من التطهير العرقي والتهجير، مستشهداً بتصريحات رسمية تتعلق بالأردن ونقل السكان إليه.
ويشير دياب إلى أن الهدف الثالث يتمثل في تدمير المؤسسات الفلسطينية بكل أشكالها، من مؤسسات السلطة والأجهزة الأمنية والبنوك والمؤسسات الاقتصادية، وصولاً إلى المؤسسات الزراعية والرعوية والمزارع وأشجار الزيتون وكل مقومات الحياة التي تمنح الفلسطيني كينونته.
ويتوقع دياب استمرار التصعيد حتى الانتخابات الإسرائيلية على الأقل، معتبراً أن إسرائيل تتعامل مع الضفة باعتبارها الجبهة التي تحظى بصمت أمريكي ودولي أكبر، وتتيح لها هامشاً أوسع للتحرك، خصوصاً في ظل الاحتياجات الانتخابية المرتبطة بتصعيد الوضع فيها، وهو ما يفسر استهداف الضفة الغربية.
ويدعو دياب إلى بناء وحدة فلسطينية كفاحية واسعة تضم الفصائل المستعدة للانضواء تحت منظمة التحرير الفلسطينية والمؤمنة بحل الدولتين، إلى جانب تثبيت الفلسطيني وتعزيز بقائه على أرضه.
كما يدعو دياب الدول العربية والإسلامية إلى توظيف أوراق قوتها، إلى جانب الأدوات الدبلوماسية، للضغط على الولايات المتحدة من أجل كبح التصعيد الإسرائيلي، مشيراً إلى إمكانات تشمل الطاقة والنفط والممرات والمضائق البحرية والمواقع الجيوسياسية، باعتبارها أوراق ضغط يمكن استخدامها إذا توفرت الإرادة السياسية.

تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي على الأرض

يرى الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن المشهد في الضفة الغربية لم يعد يحتمل قراءته باعتباره سلسلة حوادث أمنية منفصلة أو مجرد انفلات ينفذه المستوطنون، معتبراً أن ما يجري يمثل تراكمًا بين الاستيطان والعنف والقيود على الحركة والوصول إلى الأراضي، بما يساهم في تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي على الأرض.
ويوضح الرجوب أن الاعتداء على المزارعين وقطع الأشجار وإحراق المركبات ومنع العائلات من الوصول إلى أراضيها يجب ألا تُقرأ كل حادثة منها بمعزل عن الأخرى، لأن تكرار الاعتداء في المكان والأشخاص والأراضي ذاتها يحول العنف إلى أداة للتأثير في القدرة العملية على استخدام الأرض.

مساس بحق المزارعين

ويشير الرجوب إلى أن موسم قطف الزيتون يمثل لحظة مباشرة يعود فيها الفلسطيني إلى أرضه ويزرع ويقطف وينتج، ولذلك فإن استهدافه لا يقتصر على الاعتداء على شخص، بل يمس قدرته على ممارسة حقه العملي في أرضه.
ويلفت الرجوب إلى أن تقييد الوصول المتكرر، وتخريب الأشجار والمحاصيل، وتحويل الذهاب إلى الأرض إلى مخاطرة، يخلق فارقاً بين الملكية القانونية والسيطرة الفعلية، مؤكداً أن السؤال يصبح متعلقاً بمن يستطيع الوصول إلى الأرض واستخدامها والبقاء فيها، وليس فقط بمن يملكها على الورق.

ظاهرة ليست موسمية

ويبيّن الرجوب أن الأرقام تؤكد أن الظاهرة ليست موسمية، مشيراً إلى توثيق أكثر من 1600 حالة هجوم استيطاني بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026، أوقعت إصابات وأضراراً بالممتلكات، وطاولت 275 تجمعاً فلسطينياً، مقابل 279 تجمعاً طوال عام 2025، وفق ما أورده تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).
ويشير الرجوب إلى أن الاعتداءات ارتبطت كذلك بتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي والمنازل والخدمات.
ويلفت الرجوب إلى أن قرية المغير شمال شرق رام الله تقدم نموذجاً على تداخل الاعتداءات مع التوسع الاستيطاني والقيود على الوصول إلى الأراضي، موضحاً أن الأمم المتحدة أشارت إلى إنشاء خمس بؤر من أصل ثماني بؤر تحيط بالقرية منذ منتصف عام 2024.
كما يتوقف الرجوب عند حادثة جالود في 29 سبتمبر/أيلول، حين هاجم أكثر من 100 مستوطن القرية ومنعوا عائلات فلسطينية من العودة إلى منازلها، وهاجموا قوات إسرائيلية كانت ترافق العائلات، ما أدى، وفق ما نقلته رويترز، إلى إصابة ثلاثة جنود وإجلاء العائلة بدلاً من استكمال عودتها.
ويرى الرجوب أن أهداف هذه الممارسات تتقاطع في إعادة تعريف السيطرة على الأرض، وتوسيع المجال الحيوي للبؤر الاستيطانية، والضغط على الاقتصاد المحلي عبر خسارة المزارعين لمواسمهم الزراعية، وصولاً إلى "تطبيع التغيير" بحيث تصبح إجراءات مثل إغلاق الطرق ومنع الوصول وظهور البؤر الاستيطانية أمراً اعتيادياً.
ويتوقع الرجوب تصاعداً في عنف المستوطنين خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع موسم الزيتون، معتبراً أن الأخطر قد يكون الضغط التراكمي منخفض الظهور الإعلامي.
ويشير الرجوب إلى أن موسم 2025 شهد 185 هجوماً استيطانياً خلال أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني، مقابل 40 إلى 99 هجوماً في المواسم المناظرة بين 2021 و2023، مع الإضرار بأكثر من 6000 شجرة زيتون.

أهمية الحماية الميدانية للمزارعين

ويدعو الرجوب إلى حماية ميدانية للمزارعين، وتوثيق الاعتداءات ضمن قاعدة بيانات وطنية تربط الحوادث المتكررة، والانتقال من الإدانة إلى المساءلة القانونية والسياسية، إلى جانب توفير الدعم الاقتصادي للمزارعين، واعتماد سياسة دائمة لحماية الأراضي الواقعة في مناطق الاحتكاك.
ويعتقد الرجوب أن القضية لا تتعلق فقط بعدد الأشجار التي تُقطع، بل بخطر تحول الأراضي من ملكية قائمة إلى أراضٍ يصعب الوصول إليها، ثم إلى أراضٍ متروكة، بما قد يقود تدريجياً إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والسيطرة الفعلية على الأرض.

الضغط على المزارعين للابتعاد عن الأرض

تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن اختزاله في اعتداءات موسمية مرتبطة بقطف الزيتون، بل يأتي ضمن تصاعد أوسع في الاستيطان والعنف ضد الفلسطينيين ومحاولات فرض واقع ميداني جديد.
وتوضح حداد أن موسم الزيتون يتجاوز كونه نشاطاً اقتصادياً، لارتباطه بالأرض والهوية والوجود، وبالتالي فإن استهداف المزارعين أو منعهم من الوصول إلى أراضيهم يحمل أبعاداً تتجاوز الضرر المباشر إلى الضغط عليهم للابتعاد عنها.
وتشير حداد إلى تداخل أدوار المستوطنين مع الإجراءات العسكرية الإسرائيلية، موضحة أن الاعتداءات قرب المستوطنات، بالتزامن مع القيود على حركة الفلسطينيين والوصول إلى الأراضي، تضيق تدريجياً المجال أمامهم، خصوصاً في المناطق المصنفة "ج".
وتلفت حداد إلى أن استمرار هذا المسار قد ينتج حلقة متصاعدة تبدأ بالاعتداءات، ثم ردود الفعل، فالإغلاقات والاعتقالات والإجراءات الأمنية، بما يرفع مستوى الاحتقان واحتمالات اتساع المواجهات.

في خدمة نتنياهو

وترى حداد أن هذه التطورات تخدم اعتبارات داخلية لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في ظل سعيه لاستمالة أصوات اليمين المتشدد والمتطرف والشركاء السياسيين، مشيرة إلى أن الهدف يتجاوز موسم الزيتون إلى مسار أوسع يتمثل في الضم التدريجي للضفة، بدءاً من المناطق المصنفة "ج" والمناطق المصنفة "ب" القريبة منها، بما يؤدي إلى تضييق المساحات الفلسطينية اقتصادياً وجغرافياً وديموغرافياً، وتعزيز ظروف قد تدفع نحو التهجير الاضطراري أو القسري.

أدوات إسرائيلية متعددة

وتعتقد حداد أن السياسة الإسرائيلية تستخدم أدوات متعددة، بينها الحواجز والقيود الأمنية، وتقييد الحركة، والضغط الاقتصادي من خلال منع المزارعين من قطف الزيتون، الذي يمثل مصدراً للغذاء والدخل والاكتفاء الذاتي لعدد كبير من العائلات.
وتوضح حداد أن استمرار الاستيطان والعنف يعيد تشكيل الجغرافيا ويجعل التواصل بين المناطق الفلسطينية أكثر صعوبة.
وتحذر حداد من أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار التصعيد، خصوصاً مع تزامن عنف المستوطنين مع العمليات العسكرية والإغلاقات والاقتحامات، مؤكدة أن أي حادث كبير قد ينتقل من نطاق محلي إلى محافظات عدة.
وتدعو حداد إلى حماية فعلية للمزارعين وتمكينهم من الوصول إلى أراضيهم، والضغط الدولي لمحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، وتوثيق الانتهاكات بصورة قانونية ومنهجية، إلى جانب الحفاظ على قنوات سياسية وأمنية تحول دون اتساع المواجهة.

أهمية التحرك الشعبي

وتشدد حداد على ضرورة وجود تحرك شعبي ومؤسساتي ورسمي ومجتمع محلي، بما في ذلك تنظيم حملات تشاركية لحماية المزارعين أثناء قطف الزيتون.
وتؤكد حداد أن موسم الزيتون هذا العام قد يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي والمؤسسة الرسمية الفلسطينية على حماية الفلسطينيين في أراضيهم، مشددة على أن القضية لا تتعلق بالمحصول وحده، وإنما بحماية حق الفلسطيني في الوصول إلى أرضه والحفاظ على وجوده فيها ومنع تحويل العنف إلى أداة لإعادة رسم الواقع الجغرافي والسياسي في الضفة الغربية.