مستقبل الفصائل العراقية بعد انسحاب التحالف الدولي 2026
دخل الدولة العراقية مرحلة سياسية وأمنية جديدة مع الإعلان الرسمي عن انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم داعش. هذا التحول يضع حكومة بغداد أمام استحقاقات كبرى، أبرزها كيفية التعامل مع الفصائل المسلحة التي طالما بررت وجودها بضرورة مقاومة الوجود الأجنبي.
وتواجه الحكومة برئاسة علي الزيدي ضغوطاً متزايدة من واشنطن لفرض سيطرة الدولة الكاملة على السلاح وحصره بيد المؤسسات الرسمية. ويرى الزيدي أن رحيل القوات الدولية يسقط الذريعة الأساسية التي تستخدمها المجموعات المسلحة للاحتفاظ بترسانتها العسكرية بعيداً عن سلطة القانون.
وعلى الرغم من التعهدات الحكومية، تشير مصادر مطلعة إلى أن طهران أبلغت الجانب العراقي بوضوح رفضها لفكرة تجريد الفصائل الحليفة لها من سلاحها في الوقت الراهن. ويأتي هذا الموقف الإيراني في ظل استمرار التوترات الإقليمية والحرب الدائرة، مما يجعل من السلاح العراقي ورقة ضغط استراتيجية.
من جانبها، تضع الفصائل المسلحة شروطاً معقدة قبل الدخول في أي مفاوضات جدية حول نزع سلاحها أو دمجه في القوات النظامية. وتطالب هذه المجموعات بضمانات أمريكية قطعية بعدم استهداف قادتها أو مقارها، معتبرة أن سلاحها هو الضامن الوحيد للسيادة الوطنية.
ويرى مراقبون سياسيون أن ملف حصر السلاح بيد الدولة قد يشهد انفراجة في حال توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات شاملة تنهي حالة الصراع. وفي هذه الحالة، قد تتجه طهران لتوجيه حلفائها في العراق لخفض مستوى نشاطهم العسكري والاندماج بشكل أكبر في العملية السياسية.
تاريخياً، بدأ انتشار القوات الأجنبية في العراق وسوريا عام 2014 لمواجهة التمدد السريع لتنظيم داعش الذي سيطر على مساحات شاسعة. وبعد إعلان النصر العسكري على التنظيم في 2017، تحولت مطالب الفصائل من محاربة الإرهاب إلى المطالبة برحيل القوات الأمريكية وحلفائها.
وشهدت السنوات الماضية جولات من التصعيد المتبادل، حيث استهدفت الفصائل القواعد الأمريكية بالطائرات المسيرة والصواريخ، بينما ردت واشنطن بضربات جوية. هذه المواجهات أدت إلى مقتل عدد من القادة البارزين في الفصائل، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي في البلاد.
وتسعى أطراف سياسية عراقية بارزة حالياً للتوصل إلى صيغة توافقية تمنع حدوث أي صدام مسلح بين القوات النظامية والفصائل المتشبثة بسلاحها. والهدف الأساسي هو طمأنة هذه المجموعات بأن المرحلة المقبلة لن تشهد استهدافاً لها، مقابل انخراطها في رؤية الدولة الموحدة.
المتحدث باسم كتائب سيد الشهداء، كاظم الفرطوسي، أكد أن الفصائل لا ترغب في الدخول بمواجهة مع الحكومة، لأن الجميع سيكون خاسراً في مثل هذا السيناريو. وشدد على أن السلاح يمثل وسيلة ردع أساسية ضد ما وصفه بالتدخلات الأمريكية في الشؤون السياسية والاقتصادية للعراق.
وعلى صعيد متصل، أعلن العراق يوم الأول من أكتوبر 'يوم السيادة' وعطلة رسمية احتفاءً بجلاء القوات الأجنبية، في خطوة رمزية لترسيخ حضور الدولة. وتؤكد الرئاسات الأربع في العراق أن هذه الخطوة تعزز استقلال القرار الأمني وتنهي حقبة طويلة من الاعتماد على الدعم العسكري الخارجي.
وفي إقليم كردستان، يسود نوع من القلق الشعبي والرسمي من احتمال حدوث فراغ أمني بعد انسحاب قوات التحالف من قاعدة أربيل الجوية. وتخشى الأوساط الكردية من تصاعد هجمات المسيرات أو عودة نشاط الخلايا النائمة لتنظيم داعش في المناطق المتنازع عليها.
وبالرغم من الانسحاب العسكري، يرى محللون أن النفوذ الأمريكي سيظل حاضراً عبر الأدوات الاقتصادية والتحكم في عائدات النفط العراقي. ويمثل هذا التداخل الاقتصادي تحدياً إضافياً للحكومة التي تحاول موازنة علاقاتها بين واشنطن وطهران دون الانجرار إلى صراعات المحاور.
ختاماً، يبقى مستقبل العراق مرهوناً بقدرة مؤسساته الأمنية على ملء الفراغ الذي تركه التحالف الدولي، ومدى نجاح الحوار الوطني في استيعاب الفصائل. إن الانتقال من الشراكة العسكرية الجماعية إلى الاتفاقيات الثنائية يمثل اختباراً حقيقياً لسيادة بغداد وقدرتها على حماية أراضيها بشكل مستقل.