الاستخبارات الإسرائيلية والانتفاضة الثانية: تحليل الفشل والن
شكلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي اندلعت شرارتها في سبتمبر 2000، اختباراً مفصلياً للمنظومة الأمنية الإسرائيلية بكافة أذرعها. ورغم أن أجهزة الاستخبارات كانت تضع احتمالات المواجهة ضمن سيناريوهاتها، إلا أن حجم الزخم الشعبي والعملياتي تجاوز كافة التقديرات الموضوعة سلفاً، مما وضع العقل الاستخباري في مواجهة مباشرة مع واقع ميداني متفجر.
توزعت المسؤوليات الاستخباراتية خلال هذه الحقبة بين ثلاثة أجهزة رئيسية، يتصدرها جهاز الأمن العام 'الشاباك' المسؤول عن الساحة الفلسطينية وتجنيد المصادر البشرية. وإلى جانبه، لعب جهاز الاستخبارات العسكرية 'أمان' دوراً محورياً في تقديم تقديرات الموقف الاستراتيجية للمستوى السياسي، بينما انحصر دور 'الموساد' في العمليات الخارجية المرتبطة بالدعم اللوجستي للمقاومة.
كشفت وثائق 'الماغنا كارتا' الاستخباراتية عن محاولات حثيثة لتنظيم العلاقة بين الأجهزة الأمنية وتجنب تضارب الصلاحيات في الضفة وغزة. ومع ذلك، ظلت التنازعات على النفوذ قائمة، خاصة في ظل غياب مظلة مؤسسية موحدة تدير مجتمع الاستخبارات، مما أدى في بعض المراحل إلى قطيعة بين رؤساء هذه الأجهزة رغم حساسية الظرف الأمني.
تبنى موشيه يعالون، الذي قاد الاستخبارات العسكرية ثم رئاسة الأركان، رؤية متشددة تحمّل الرئيس ياسر عرفات المسؤولية المباشرة عن تحريك الانتفاضة. هذه القناعة المسبقة أثرت بشكل كبير على طبيعة الرد العسكري الإسرائيلي، ودفعت نحو محاصرة المقاطعة واستهداف رموز السلطة الفلسطينية باعتبارهم المحرك الأساسي للمواجهة المسلحة.
في المقابل، برزت رؤى داخل جهاز 'الشاباك' تشير إلى أن الانتفاضة قد أفلتت من يد القيادة السياسية الفلسطينية وتحولت إلى حالة شعبية وتنظيمية لا مركزية. هذا التباين في التحليل يعكس معضلة الاستخبارات في التمييز بين امتلاك المعلومة الخام وبين القدرة على فهم التحولات الاجتماعية والسياسية العميقة داخل المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال.
اعتمدت الاستخبارات الإسرائيلية بشكل مكثف على 'المصادر البشرية' أو العملاء لاختراق البنى التنظيمية للفصائل الفلسطينية وإحباط العمليات التفجيرية. ورغم الادعاءات بالنجاح، إلا أن حالات اختراق مضادة وقعت، مثل قصة الضابط يهودا أدري الذي قُتل بعد استدراجه من قبل فلسطيني اعتقد الجهاز أنه نجح في تجنيده، مما كشف هشاشة الاعتماد الكلي على الولاءات المصطنعة.
طورت فصائل المقاومة الفلسطينية تكتيكات أمنية معقدة تقوم على التخفي وبناء خلايا عنقودية صغيرة يصعب تعقبها تقنياً. ونجحت حركات مثل حماس والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى في تنفيذ عمليات نوعية رغم الرقابة اللصيقة، مستفيدة من خبرات المطاردين القدامى وانخراط جيل جديد لم تكن بياناته متوفرة لدى أجهزة الاحتلال.
شكلت سياسة الاغتيالات أو 'القتل المستهدف' الركيزة الأساسية للاستراتيجية الإسرائيلية في محاولة لضرب 'مراكز الثقل' في المقاومة. ولم تقتصر هذه العمليات على الكوادر العسكرية فحسب، بل طالت قيادات سياسية ورموزاً وطنية، في مسعى لحرمان الشعب الفلسطيني من عقول مدبرة قادرة على إدارة الصراع وتوجيه المسار النضالي.
جاءت عملية 'السور الواقي' في عام 2002 كذروة للجهد العسكري والاستخباري المشترك لتفكيك البنى التحتية للمقاومة في مدن الضفة الغربية. واستخدمت قوات الاحتلال خلالها أساليب تحقيق وحشية وضغوطاً نفسية وجسدية لانتزاع معلومات تتيح لها رسم خارطة التنظيمات الفلسطينية، وهو ما وثقته تقارير حقوقية دولية وفلسطينية عديدة.
تؤكد الأدبيات الأمنية الإسرائيلية أن المعرفة الاستخباراتية لم تكن يوماً محايدة، بل كانت أداة لتشكيل قرارات المستوى السياسي ودعم توجهات معينة. فالعلاقة بين الضابط والسياسي في إسرائيل تتجاوز التراتبية المهنية إلى نوع من التأثير المتبادل الذي يساهم في صياغة العقيدة الأمنية للدولة بناءً على تصورات أيديولوجية مسبقة.
واجه المحللون الاستخباريون انتقادات لاذعة بسبب النزعة الاستشراقية في تفسير دوافع المقاومة الفلسطينية، حيث ركزت التقارير على الجوانب الدينية والنفسية وتجاهلت الأسباب السياسية. هذا القصور المعرفي أدى في محطات كثيرة إلى سوء تقدير لردود الفعل الشعبية الفلسطينية تجاه ممارسات القمع والاستيطان المستمرة.
يبرز مفهوم 'تفكيك المنظومات' كأحد الأدوات الفلسفية التي دخلت العقيدة الحربية الإسرائيلية خلال الانتفاضة، حيث يتم التعامل مع العدو كشبكة من العقد يجب ضرب مفاصلها. ومع ذلك، أثبت الواقع أن المقاومة الفلسطينية تمتلك قدرة عالية على الترميم الذاتي وتوليد قيادات جديدة من رحم المعاناة، مما أفشل رهان الحسم العسكري المطلق.
تظل تجربة الانتفاضة الثانية شاهداً على أن التطور التكنولوجي الهائل لا يضمن التفوق الاستخباري الكامل أمام إرادة الشعوب. فالمفاجأة وعدم اليقين بقيا يلاحقان قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وهو ما تجلى بوضوح في إخفاقات لاحقة وصولاً إلى أحداث السابع من أكتوبر التي أعادت طرح أسئلة الفشل الاستخباري القديمة.
في الختام، يمكن القول إن العقل الاستخباري الإسرائيلي نجح في الجوانب التكتيكية والميدانية المحدودة، لكنه أخفق في فهم الروح الجمعية الفلسطينية. إن تحويل البشر إلى مجرد أرقام وبيانات في ملفات أمنية يعطل القدرة على رؤية الحقيقة الكبرى، وهي أن الاحتلال هو المحرك الأول والأساسي لكل أشكال المقاومة مهما بلغت قوة الردع.