كشفت قيادات في حركة فتح عن تشكيل وفد رسمي باشر اتصالاته للترتيب لإجراء حوار وطني شامل مع كافة الفصائل الفلسطينية، ومن المتوقع أن تستضيفه العاصمة المصرية القاهرة خلال الأيام القليلة المقبلة. ويضم الوفد الذي شكلته اللجنة المركزية للحركة خمسة أعضاء بارزين، في خطوة تعكس جدية التحرك نحو صياغة توافقات جديدة تسبق المواعيد الانتخابية المقررة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الوفد يترأسه أمين سر اللجنة المركزية اللواء جبريل الرجوب، ويضم في عضويته كلاً من ماجد فرج ومحمد اشتية وزكريا الزبيدي وأحمد أبو هولي. ويهدف هذا التحرك إلى استثمار فترة الأسبوعين المتبقيين من موعد الترشح للوصول إلى نتاج وطني يضمن عدم الدخول في فراغ سياسي أو أزمات بنيوية جديدة.

من جانبه، أكدت القيادية دلال سلامة أن حركة فتح تدرك تماماً تبعات تأجيل الانتخابات، مشددة على أن دعوة الحوار لا تعتبر بديلاً عن الاستحقاق الديمقراطي بل مكملاً له. وأوضحت أن أي تأجيل محتمل سيكون مرتبطاً بسقف زمني محدد ومرهوناً بمخرجات الحوار الوطني لضمان التوافق الشامل وتجنب التجاذبات السلبية.

وفي سياق متصل، تشير التقديرات السياسية إلى أن أجندة الحوار في القاهرة ستكون مفتوحة، لتشمل القضايا النضالية والبنيوية والتنظيمية، بمشاركة فصائل من داخل وخارج منظمة التحرير. ويسعى الحوار للوصول إلى صيغة وطنية موحدة للانتخابات، في ظل استمرار التحديات التي يفرضها الاحتلال، خاصة في مدينة القدس المحتلة.

وبحسب مصادر سياسية، فإن هناك توجهاً لدى أطراف الحوار لبحث إمكانية ترحيل موعد الاقتراع إلى صيف العام المقبل، لإتاحة الفرصة لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني. ويأتي هذا التوجه في ظل قناعة لدى بعض القيادات بأن الظروف الموضوعية الحالية قد لا تسمح بإجراء انتخابات نزيهة وشاملة في كافة الأراضي الفلسطينية.

وعلى الصعيد الفني، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية أنها بدأت باستقبال طلبات الترشح، حيث تقدمت ست قوائم انتخابية بأوراقها في اليوم الأول لفتح باب الترشح. وأكدت اللجنة أن جميع الطلبات تخضع للتدقيق القانوني قبل قبولها نهائياً، مشيرة إلى أن باب الترشح سيغلق رسمياً في السابع من تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

ورحبت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقرار التوجه نحو الحوار الوطني، معتبرة إياه استجابة لمبادرات وطنية سابقة تهدف لتعزيز الصمود ومواجهة مخططات التصفية. وشددت الجبهة على ضرورة أن يفضي الحوار إلى برنامج وطني موحد ينهي الانقسام ويعيد بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية تشاركية.

مخرجات أو أي محاولة لأي تأجيل للانتخابات هو مسألة مرهونة بالحوار الوطني ومخرجاته لضمان التوافق.

من جهتها، دعت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى اتخاذ خطوات سريعة وملموسة لوضع دعوة الحوار موضع التنفيذ، معتبرة إياها مدخلاً لاستعادة الوحدة الوطنية. وأكدت الجبهة على أهمية توفير المناخات اللازمة لإجراء الانتخابات بمشاركة الجميع، بما في ذلك حركتا حماس والجهاد الإسلامي، بعيداً عن الحسابات الفئوية الضيقة.

ويرى مراقبون سياسيون أن سرعة استجابة حركة حماس لدعوات الحوار تعكس رغبة مشتركة في تجنب الصدام الانتخابي غير المحسوب. فقد دعا رئيس المكتب السياسي لحماس خليل الحية إلى الجلوس الفوري لوضع أسس برنامج وطني، مما يعزز فرضية أن الحوار سيتقدم على صندوق الانتخابات في المرحلة الراهنة.

وفي تحليل للمشهد، أشار المحلل السياسي هاني المصري إلى أن بيان اللجنة التنفيذية الأخير لم يحسم الالتزام بموعد 28 نوفمبر بشكل قطعي، بل ترك الباب موارباً أمام احتمالات التأجيل. واعتبر المصري أن اشتراط إجراء الانتخابات في القدس والضفة وغزة بالتزامن يمنح القيادة مساحة للمناورة السياسية في حال تعنت الاحتلال.

وتشير الأرقام الصادرة عن لجنة الانتخابات إلى أن نحو ثلاثة ملايين فلسطيني يحق لهم الاقتراع، وهو ما يمثل كتلة بشرية ضخمة تتطلع لتجديد الشرعيات. وتتوزع هذه الكتلة بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، مما يجعل من التوافق السياسي ضرورة لا غنى عنها لضمان نجاح العملية الانتخابية تقنياً وأمنياً.

وتواجه لجنة الانتخابات المركزية ضغوطاً متزايدة، حيث نأت بنفسها عن اتخاذ قرار التأجيل لأسباب تقنية، مؤكدة قدرتها على تنظيم الاقتراع بناءً على تجارب سابقة ناجحة. هذا الموقف وضع الكرة في ملعب المستوى السياسي، الذي يبدو أنه يفضل إخراج قرار التأجيل عبر بوابة 'التوافق الوطني الشامل' بدلاً من القرار المنفرد.

إن الحراك الجاري في رام الله وغزة والقاهرة يشير إلى أن المشهد الفلسطيني مقبل على تغييرات جوهرية في إيقاعه السياسي خلال الأسبوعين القادمين. فإما الوصول إلى صيغة تضمن إجراء الانتخابات في موعدها بضمانات دولية، أو الذهاب نحو تأجيل تقني وسياسي يمهد لمرحلة انتقالية جديدة تشارك فيها كافة القوى.

ختاماً، يبقى الشارع الفلسطيني في حالة ترقب لما ستسفر عنه لقاءات القاهرة، وسط آمال بأن يؤدي الحوار إلى إنهاء الانقسام فعلياً وليس مجرد ترحيل للأزمات. وتظل قضية مشاركة المقدسيين حجر الزاوية في أي قرار وطني مقبل، حيث ترفض كافة الفصائل إجراء انتخابات تستثني العاصمة المحتلة.