آخر الأخبار

انتفاضة لصالح القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة

شارك



د. أحمد رفيق عوض: الحملة الإسرائيلية ضد الرئيس الفرنسي تعكس رفضاً ومحاربة للخطاب الذي يعبر عن الغضب الشعبي والرسمي في أوروبا

د. حسين الديك: أهمية الخطاب تكمن في كونه "اختراقاً خطابياً" مهماً لكن يجب الحذر من اعتباره تحولاً أوروبياً كاملاً في السياسة تجاه إسرائيل

نعمان توفيق العابد: الكلمات تجاوزت المتوقع لثبوت صوابية الرواية الفلسطينية وتراجع الإسرائيلية واعتبار ممارسات الاحتلال تهديداً للأمن والسلم الدوليين

د. سهيل دياب: النقاشات الدولية تعبر عن رغبة متزايدة لدى الرأي العام العالمي بالانتقال من عالم أحادي الهيمنة إلى عالم متعدد الأقطاب

د. تمارا حداد: التحول الأبرز في خطابات قادة العالم يتمثل في انتقال القضية من ملف إنساني إلى اختبار سياسي وقانوني لمنظومة الأمم المتحدة

سري سمور: الخطابات تحتاج لمواقف عملية على المستويين الدبلوماسي والاقتصادي وغير ذلك لكنها غير موجودة فعلياً ولذلك ستواصل إسرائيل عدوانها



رام الله - خاص بـ"القدس"-

تكشف خطابات قادة دول العالم في افتتاح أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة عن حضور متقدم للقضية الفلسطينية، ليس فقط بوصفها أزمة إنسانية جراء الحرب في غزة، وإنما باعتبارها قضية سياسية وقانونية ترتبط بالاحتلال والاستيطان والتهجير وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، بما يشكل انتفاضة عارمة لصالح القضية الفلسطينية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات لعجز النظام الدولي عن تطبيق قواعد القانون الدولي ووقف الانتهاكات وحماية المدنيين.

ويوضح كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث مع "ے"، أنه يبرز في المشهد ارتفاع نبرة الخطاب العربي والإسلامي، بالتوازي مع مواقف أوروبية ودولية أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً في خطابات قطر وتركيا والأردن ومصر والبرازيل وفرنسا.

ويشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات إلى أن بعض المواقف قد تجاوزت حدود الإدانة التقليدية، لتطرح مسؤولية المجتمع الدولي وتطالب بضمانات لتنفيذ الالتزامات، ووقف الحرب والتهجير والاستيطان، وحماية حل الدولتين، فيما شكل الخطاب الفرنسي، وما أعقبه من هجوم إسرائيلي على الرئيس إيمانويل ماكرون، أحد أبرز مظاهر الاشتباك حول حدود الخطاب الأوروبي تجاه إسرائيل.

ويرى الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن ما تشهده أروقة الأمم المتحدة يعكس تغيراً في طبيعة النقاش الدولي حول فلسطين واتساع الفجوة بين مواقف إسرائيل وعدد متزايد من الدول، محذرين من اعتبار التحول الخطابي تحولاً سياسياً كاملاً، فالمواقف المعلنة لا تزال بحاجة إلى ترجمتها إلى إجراءات دبلوماسية واقتصادية وسياسية، في ظل استمرار علاقات وتعاون أوروبي مع إسرائيل، لتبقى المسألة الأساسية المطروحة أمام الدورة الحالية مرتبطة بمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل ارتفاع سقف الخطاب إلى خطوات عملية تؤثر في مسار الأحداث.




انتقادات لمنظومة القيم والعمل الدوليين


يوضح الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن الكلمات التي ألقيت حتى الآن في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة أكدت أن القضية الفلسطينية ما زالت قضية مركزية في الإقليم والعالم، رغم المحاولات الأمريكية والإسرائيلية لتغييبها أو دفعها إلى هامش الاهتمام الدولي.

ويبين أن المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية لم تقتصر هذه المرة على وصف الأوضاع واستعراض ما يجري، وإنما تضمنت انتقادات لمنظومة القيم والعمل الدوليين، مشيراً إلى أن الخطابات عكست قناعة متزايدة بوجود نقص هائل في النظام الدولي، ولا سيما في ما يتعلق بآليات تطبيق القانون الدولي، في ظل وجود دول لا تلتزم بالقانون ولا تخضع لقواعده.

ويشير عوض إلى أن القضية الفلسطينية باتت، إلى جانب كونها قضية سياسية، اختباراً للإنسانية وللقانون الدولي، كما أنها أصبحت قضية ضاغطة على السلم والاستقرار العالميين، وهو ما يفسر حضورها اللافت في الكلمات والمواقف التي صدرت عن قادة دول مختلفة خلال اجتماعات الجمعية العامة.


خطاب ماكرون والاتساق مع الموقف الأوروبي العام


ويرى عوض أن كلمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعكس، إلى حد كبير، الموقف الأوروبي العام والتململ المتزايد داخل الاتحاد الأوروبي من التعنت الإسرائيلي، ولا سيما تجاه حل الدولتين، إضافة إلى الاستهانة الإسرائيلية بالقانون الدولي.

ويشدد عوض على أن فرنسا، التي تسعى إلى أن تكون الدولة الأوروبية الأكثر فاعلية، يعكس خطاب رئيسها جانباً من المزاج العام داخل دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك مستوى النقد الرسمي الأوروبي للسياسات الإسرائيلية، معتبراً أن ذلك يفسر الانفعال الإسرائيلي الشديد تجاه تصريحات ماكرون.

ويشير عوض إلى أن هذا الغضب الأوروبي يرتبط أيضاً بتوتر العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، في ظل ممارسات إسرائيلية تجاه مؤسسات ووفود وممثلين أوروبيين.

ويرى عوض أن وصف ماكرون المشهد في غزة بأنه "مشهد يخجلنا جميعاً" وانتقاده حالة "التفرج مكتوفي الأيدي" جاءا بلهجة حادة، وأن الحملة الإسرائيلية ضده تعكس رفضاً ومحاربة لخطاب يعكس تعبيراً عن الغضب الشعبي في أوروبا، وكذلك عن مستوى من الغضب الرسمي الأوروبي من السياسات الإسرائيلية.

ويعتقد عوض أن الخطاب الفرنسي يعكس رسالة مفادها أن أوروبا تضيق ذرعاً بالسياسات الإسرائيلية، وأن استمرار القضية الفلسطينية بوصفها قضية ضاغطة على الضمير العالمي والقانون الدولي والاستقرار والسلام يجعل الوصول إلى حل لها أمراً ملحاً.


الارتفاع الحاد في نبرة الانتقاد لإسرائيل


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د. حسين الديك أن أبرز ما يميز كلمات قادة قطر وتركيا ومصر والبرازيل وفرنسا في افتتاح أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة يتمثل في الارتفاع الحاد في نبرة الانتقاد لإسرائيل، واتساع الفجوة بين الخطاب الغربي التقليدي تجاهها وخطاب عدد متزايد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وإسبانيا وأيرلندا وهولندا وبلجيكا.

ويوضح الديك أن هذا التحول يتوازى مع انتقال خطاب القادة العرب والمسلمين من مجرد الإدانة والتنديد إلى المطالبة بآليات دولية لتنفيذ الالتزامات، معتبراً أن ذلك يشكل نقطة تحول في المواقف الأوروبية والعربية والإسلامية من أعلى منبر دولي.


تحوّل في طرح القضية الفلسطينية


ويشير الديك إلى أن القضية الفلسطينية لم تعد تُطرح في الأمم المتحدة باعتبارها أزمة إنسانية فقط، بعدما كان الخطاب الدولي، خصوصاً الغربي، يركز على أمن إسرائيل وإطلاق سراح الرهائن والمساعدات الإنسانية في غزة، فيما أصبح الحديث بصورة أكثر مباشرة عن الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير والدولة الفلسطينية والقانون الدولي.


خطابان متقدمان لأمير قطر وملك الأردن


ويلفت الديك إلى أن أمير قطر حمّل المجتمع الدولي المسؤولية عما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ووصف ما يجري في غزة بأنه إبادة، وطالب بضمانات لتنفيذ الاتفاقيات والانسحاب الإسرائيلي ورفع الحصار وإدخال المساعدات، رابطاً بين غزة والقدس والضفة ورافضاً أي مسار يؤدي إلى التهجير، كما أن خطاب الملك الأردني عبد الله الثاني متقدم في هذا السياق.


أردوغان يستخدم لغة شديدة الحدة


ويشير الديك إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استخدم لغة شديدة الحدة تجاه ما يجري في غزة، واصفاً القطاع بأنه "أكبر مقبرة للأطفال في العالم" و"أكبر مراكز الاحتجاز القسري والجماعي"، وربط ذلك بالضفة الغربية وعنف المستوطنين والقدس، فيما ركز رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي على وقف الحرب وتثبيت التهدئة ومنع التهجير والانتقال إلى الحل السياسي.

أما الرئيس البرازيلي، يشير الديك إلى أن خطابه ربط ما يحدث في غزة وعجز المجتمع الدولي عن وقف ما وصفه بأعمال الإبادة بأزمة النظام الدولي نفسه، وانتقد عجز مجلس الأمن، بما يجعل القضية الفلسطينية اختباراً لمصداقية قواعد النظام الدولي وليس نزاعاً شرق أوسطيّ فقط.

وفي ما يتعلق بفرنسا، يرى الديك أن الاشتباك الدبلوماسي مع إسرائيل عقب خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون يكشف صراعاً حول ما أصبح مقبولاً قوله أوروبياً بشأن غزة والضفة والاحتلال.

ويؤكد الديك أن ماكرون لم يكتفِ بالوضع الإنساني، بل تحدث عن الاستيطان والحق الفلسطيني وحل الدولتين ومصداقية المجتمع الدولي، واعتبر أن ما يجري في غزة "مشهد ينبغي أن يخجلنا جميعاً"، منتقداً الوقوف متفرجين وعنف المستوطنين.


رد الحكومة الإسرائيلية كان حاداً


ويشير الديك إلى أن رد الحكومة الإسرائيلية كان حاداً، إذ وصف بنيامين نتنياهو كلام ماكرون بأنه سخيف، فيما يعتبر الديك أن أهمية الخطاب تكمن في كونه "اختراقاً خطابياً" مهماً، مع الحذر من اعتباره تحولاً أوروبياً كاملاً في السياسة تجاه إسرائيل، لافتاً إلى أن هذا التحول يحظى بمواقف داعمة من دول أوروبية عدة، بينها إسبانيا وهولندا وإيرلندا ومالطا، لكن ليس تحولاً فعلياً كبيراً تجاه إسرائيل يمكن أن يردعها عما تقوم به.


خرق اتفاقية المقر


يوضح الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن غياب الحضور الفلسطيني الفعلي عن أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بسبب منع الولايات المتحدة القيادة الفلسطينية من المشاركة وإلقاء خطاب الرئيس محمود عباس، يعكس عدم امتثال واشنطن للقانون الدولي واتفاقية المقر التي تنظم عمل الأمم المتحدة وتلزم الدولة المضيفة بتسهيل وصول الوفود ومشاركتها.

ويبين العابد أن هذا الموقف يعكس تماهياً أمريكياً مع الحكومة الإسرائيلية، لكن في المقابل يوجد امتعاض دولي متزايد من الممارسات الأمريكية والإسرائيلية، ظهر في عدد من كلمات الوفود، التي بدت وكأنها متقاربة أو منسقة في إدانة ما تقوم به إسرائيل، والتأكيد على ضرورة حل القضية الفلسطينية وحماية حل الدولتين والتحذير من محاولات تصفية القضية الفلسطينية.


الكلمات تجاوزت المتوقع


ويؤكد العابد أن العديد من الكلمات تجاوزت المتوقع في توصيف ما يجري على الأرض، وطالبت بوقف الإجراءات الإسرائيلية وما يقوم به المستوطنون، معتبراً أن ذلك يرتبط بتراجع الرواية الإسرائيلية أمام دول عدة، وبثبوت صوابية الرواية الفلسطينية، فضلاً عن اعتبار الممارسات الإسرائيلية تهديداً للأمن والسلم الدوليين وأمن المنطقة، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي.

ويشير العابد إلى أن كلمات الرئيس البرازيلي، والرئيس الفرنسي، والرئيس التركي، وملك الأردن، وأمير قطر، ورئيس الوزراء المصري، عكست قناعة بخطورة التطورات، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات تحمي حل الدولتين.

ويربط العابد ذلك أيضاً بتمسك عدد من الدول ببقاء الأمم المتحدة منصة دولية لمعالجة الصراعات، في ظل محاولات إضعاف دورها، بما في ذلك الممارسات الأمريكية تجاه المؤسسة الدولية ووكالة الأونروا والانسحاب من اتفاقيات دولية.

ويشدد العابد على أن قوة الخطاب الدولي لا ينبغي أن تبقى في إطار البيانات، داعياً إلى ترجمتها إلى إجراءات تشمل المقاطعة الدبلوماسية والاقتصادية، وعدم التعاون العسكري، والعمل على تنفيذ الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.


الموقف الفرنسي يمكن البناء عليه


وفي ما يتعلق بخطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يرى العابد أنه شكل تغيراً مهماً في الخطاب الأوروبي، خصوصاً في وصفه ما يجري في غزة بأنه "أمر علينا أن نخجل جميعاً منه"، وانتقاده عدم وقف الإبادة الجماعية، مشيراً إلى أن فرنسا ودولاً أوروبية اتخذت خلال الفترة الماضية مواقف وإجراءات تتصل بحل الدولتين والاستيطان.

ويعتبر العابد أن الموقف الفرنسي يمكن البناء عليه، لكنه يحتاج إلى إجراءات عملية تشمل الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، وعدم التعاون العسكري والاستخباراتي، ودعم السلطة الوطنية والدولة الفلسطينية.

ويؤكد العابد أن الموقف الفرنسي يتقاطع أيضاً مع تنافس أوسع بين أوروبا والولايات المتحدة حول النفوذ الدولي، داعياً فلسطينياً وعربياً وإسلامياً إلى استثمار هذه المواقف عبر تحرك دبلوماسي مع دول الاتحاد الأوروبي والبرازيل والصين ودول أخرى لتحويل الخطاب الدولي إلى خطوات عملية.


الدورة الـ81 مختلفة ومفصلية


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي د.سهيل دياب أن الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة تبدو مختلفة ومفصلية عن الدورات السابقة، لارتباطها بثلاثة ملفات على المستويين الدولي والإقليمي، هي الحرب الأمريكية الإيرانية، والقضية الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، إلى جانب الحرب في أوكرانيا وأوروبا، معتبراً أن النقاشات الأممية هذه المرة عبّرت بصورة أكثر عقلانية وتقدماً عن أزمات العالم الراهنة.

ويوضح دياب أن من أبرز سمات هذه الدورة هو "انعزال إسرائيل"، مشيراً إلى ما واجهه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال وجوده في نيويورك، وإلى اقتصار لقاءاته على قادة أقل تأثيراً في مجمل الملفات الدولية، وعدم لقائه أطرافاً أمريكية أو أوروبية أو عربية وازنة.


اهتمام متميز بالقضية الفلسطينية


ويرى دياب أن الحضور العربي والإسلامي، من الأردن وقطر وتركيا ودول أخرى، إلى جانب مواقف أوروبية عدة، عكس اهتماماً متزايداً بالقضية الفلسطينية، فيما شكلت خطابات عدد من القادة، وبينهم رئيس البرازيل ورئيس فرنسا، مؤشراً إلى التحولات التي شهدها العالم خلال السنوات الثلاث الماضية.

ويشير إلى أن الميزة الثانية للدورة تتمثل في تعبير النقاشات الدولية عن رغبة متزايدة لدى الرأي العام العالمي بالانتقال من عالم أحادي الهيمنة إلى عالم متعدد الأقطاب، مستشهداً بخطابات البرازيل والهند وتركيا وقطر وباكستان وأطراف أخرى، معتبراً أن الدورة الـ81 تعد "مفصلية وفارقة" في التعبير عن الاتجاه الذي يمضي إليه النظام العالمي.

ويلفت دياب إلى أهمية مراقبة لقاءين في ظل مخرجات الدورة، الأول القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ، وما إذا كانا سيصلان إلى تفاهمات ومقايضات بشأن الملفات الساخنة والاقتصاد العالمي، أم تتجه الأمور إلى مزيد من التوتر، والثاني لقاء ترمب مع القيادات العربية والإسلامية، ما قد يحدد إلى حد كبير التوجه المقبل في الشرق الأوسط، خصوصاً في ملفي إيران وفلسطين.


تحول بالموقف الأوروبي تجاه إسرائيل.. ولكن


وفي ما يتعلق بأوروبا، يؤكد دياب أن هناك تحولاً واضحاً في الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل، لكنه لا يصل بعد إلى حد "الانقلاب" عليها، كون وجود خلافات بهذا الشأن، وهو ما ظهر بالموقف الفرنسي.

ويلفت دياب إلى أن عام 2023 شهد وقوف غالبية الدول الأوروبية إلى جانب إسرائيل بعد 7 أكتوبر، فيما بدأ التحول خلال 2024 مع تصاعد التساؤلات بشأن حدود مفهوم "الدفاع عن النفس" في ظل حرب غزة، ثم شهد عام 2025 موجة اعترافات أوروبية بالدولة الفلسطينية، قبل الانتقال خلال 2026 إلى خطوات عملية، بينها وقف إمدادات أسلحة معينة ومقاطعة منتجات المستوطنات، وإن بقي تأثيرها الاقتصادي على إسرائيل محدوداً.

ويؤكد دياب أن أوروبا لا تزال غير موحدة، وتحافظ على اتفاقيات تجارية وأكاديمية وبحثية وتكنولوجية مع إسرائيل، بينها "هورايزون يوروب"، إضافة إلى تعاون في مجالات تصنيع الأسلحة، مشيراً إلى أن إلغاء الاتفاقيات التجارية الأوروبية يمثل نقطة ضعف اقتصادية أساسية لإسرائيل.

ويشير دياب إلى تراجعات في مواقف دول مثل سلوفينيا وبولندا، مستشهداً بإعادة سلوفينيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل عام 2026.

ويدعو دياب أوروبا إلى خطوات "أكثر خشونة"، تشمل فرض عقوبات اقتصادية وسياسية وأكاديمية وبحثية وتصنيعية وعسكرية على النظام الإسرائيلي، وليس المستوطنين فقط، إلى جانب مراجعة تاريخية لدور دول أوروبية في القضية الفلسطينية، بما في ذلك موقف بريطانيا من وعد بلفور، ودور فرنسا في إقامة المفاعل النووي الإسرائيلي عام 1956، والعلاقة الألمانية بإسرائيل والقضية الفلسطينية، معتبراً أن هذه الملفات تطرح أسئلة أساسية حول مستقبل العلاقات الأوروبية الفلسطينية والموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية.


توجيه انتقادات أكثر مباشرة لإسرائيل


تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د.تمارا حداد أن أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة تعكس محاولة ردم الفجوة بين حجم المأساة الفلسطينية وقدرة النظام الدولي على الاستجابة لها.

وتشير إلى أن اللافت هذه المرة لا يتمثل فقط في ارتفاع نبرة الخطاب العربي والإسلامي، بل أيضاً في انتقال جزء من الخطاب الغربي من الدعوة إلى التهدئة وتقديم المساعدات الإنسانية إلى توجيه انتقادات أكثر مباشرة لإسرائيل وسياساتها في غزة والضفة.

وتوضح حداد أن كلمة أمير قطر حملت لهجة واضحة، من خلال وصف ما يحدث في غزة بأنه "وصمة عار على الضمير الإنساني"، وربط استمرار الأزمة بمسؤولية المجتمع الدولي عن الضغط لتنفيذ الالتزامات المتعلقة بوقف الحرب والانسحاب ورفع الحصار وإدخال المساعدات. وترى حداد أن كلمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وضعت القضية الفلسطينية في إطار أوسع يتصل بأزمة النظام الدولي، وانتقدت عجز الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن حماية المدنيين، ودعت الدول التي لم تعترف بدولة فلسطين إلى إعادة النظر في مواقفها.

وتؤكد حداد أن أهمية الموقفين الفرنسي والبرازيلي تكمن في أن القضية الفلسطينية لم تعد محصورة في الخطاب العربي والإسلامي، بل أصبحت جزءاً من نقاش غربي ودولي بشأن مسؤولية المجتمع الدولي تجاه الفلسطينيين.


وتحول القضية الفلسطينية لاختبار سياسي وقانوني


وتعتبر حداد أن التحول الأبرز في خطابات قادة العالم داخل أروقة الأمم المتحدة يتمثل في انتقال القضية من ملف إنساني إلى اختبار سياسي وقانوني لمنظومة الأمم المتحدة.

وتشدد حداد على ضرورة التمييز بين التحول في الخطاب والتحول في السلوك، معتبرة أن المعيار الحقيقي يتمثل في ترجمة المواقف إلى ضغط سياسي واقتصادي ودبلوماسي، وضمان إدخال المساعدات ووقف الاستيطان وحماية المدنيين ودفع مسار الدولة الفلسطينية.

وفي ما يتعلق بتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تؤكد حداد أنها مهمة لأنها صدرت عن دولة أوروبية ذات وزن سياسي، ولأن لغتها تجاوزت الصياغات الدبلوماسية التقليدية، خصوصاً وصف ما يحدث في غزة بأنه "مشهد يجب أن يخجلنا جميعاً"، وانتقاد الوقوف متفرجين، إلى جانب إدانة تصاعد عنف المستوطنين في الضفة.


صراع حول الرواية بشأن الحرب


وترى حداد أن الهجوم الإسرائيلي على ماكرون يأتي في سياق صراع متزايد حول الرواية السياسية والدبلوماسية للحرب، فيما يعكس الموقف الفرنسي تراكم مواقف أوروبية تشمل الاعتراف بدولة فلسطين، وانتقادات المستوطنين، وإجراءات مرتبطة بالمستوطنات، ودعوات لحماية حل الدولتين.

وتعتقد أن هناك تطوراً واضحاً في الخطاب الأوروبي الرسمي، لكن وصفه بأنه "اختراق مكتمل" يحتاج إلى الحذر، مؤكدة أن الاختبار الحقيقي سيكون في انتقال اللغة السياسية من الإدانة إلى أدوات ضغط قادرة على تغيير الوقائع على الأرض.


خطابات مرهونة بالمواقف العملية


يرى الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن الحرب الإسرائيلية على غزة أحدثت صدمة كبيرة في العالم، وأعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي، وهو ما انعكس في خطابات الدول على منابر الأمم المتحدة، معتبراً أن هذه الخطابات، وإن كانت جيدة من الناحية المعنوية، لن يكون لها رصيد فعلي على الأرض ما لم تدعمها مواقف عملية.

ويوضح سمور أن القضية الفلسطينية حظيت منذ زمن بعيد بتضامن العديد من الدول، إلا أن السنوات التي سبقت الحرب شهدت تراجعاً في مواقف الدول الصديقة، بما فيها بعض الدول العربية والإسلامية، مشيراً إلى أن الشارع العربي والفلسطيني كان يسخر من الاكتفاء العربي، في السابق، بالشجب والاستنكار كلما تعرض الفلسطينيون أو اللبنانيون لمجازر وقصف واعتداءات، قبل أن يتراجع حتى هذا المستوى من المواقف، وتتجه دول عربية نحو التطبيع مع إسرائيل.


مذبحة غزة أحدثت صدمة كبيرة


وبحسب سمور، فإن مذبحة غزة أحدثت صدمة كبيرة، ومن الطبيعي رؤية آثارها في خطابات الأمم المتحدة، لكن إسرائيل تتعامل مع معادلة مفادها بأنه ما دامت الولايات المتحدة الأمريكية معها، فلا يهمها موقف بقية العالم، حتى لو أظهرت بعض التضايق من المواقف الدولية، لافتاً إلى أن واشنطن تبقى الأساس بالنسبة إليها.

ويشدد سمور على أن الخطابات والكلمات تحتاج إلى مواقف عملية على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي وغير ذلك، معتبراً أن هذه المواقف غير موجودة حتى الآن على أرض الواقع، ولذلك ستواصل إسرائيل عدوانها.

وفي ما يتعلق بالهجوم الإسرائيلي على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يؤكد سمور أن إسرائيل تريد من العالم، وحتى الفلسطيني الذي يتعرض للعدوان، تبني روايتها ومواقفها، ولا تريد لأي دولة أو رئيس الخروج عن النص الذي تضعه.

ويعتبر سمور أن ماكرون خرج بصورة واضحة عن الرواية الإسرائيلية وتبنى موقفاً مختلفاً، ولذلك جاء هجوم إسرائيل عليه عبر أدواتها ومسؤوليها وأدواتها الإعلامية.


أوروبا تمتلك وسائل ضغط محدودة


ويشير سمور إلى أن أوروبا تمتلك وسائل للضغط على إسرائيل، لكنها محدودة وضعيفة نسبياً، بسبب مركزية الدور الأمريكي بالنسبة لإسرائيل، وانشغال الأوروبيين بقضايا أخرى، خصوصاً الحرب في أوكرانيا، التي تستهلك جانباً كبيراً من جهدهم الخارجي.

ويؤكد أن تغيراً يظهر في أوروبا وحتى داخل الولايات المتحدة، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي، مع تزايد الرأي العام الذي يرى أن إسرائيل ترتكب جرائم وتنتهك القوانين والأعراف الدولية، والتشكيك بروايتها ومبرراتها.

ويوضح سمور أن الشارع الغربي، رغم تاريخه المليء بالمجازر، لا يريد رؤية مشاهد القتل والدمار يومياً، وهناك سقف معين يصل عنده إلى المطالبة بوقف المزيد من المجازر.

ويؤكد سمور أن تضامن الشارع الأوروبي مع الشعب الفلسطيني أكبر من مستوى المواقف الرسمية، وأن الموقف الرسمي الأوروبي يعكس جزئياً ما عاينه القادة من نبض الشارع، في ظل الانتخابات الدورية، لكنه لا يرقى إلى مستوى مطالب الطلبة والناشطين والأكاديميين، بمن فيهم يهود في أوروبا والولايات المتحدة يرفضون العمل العدواني لإسرائيل.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا