آخر الأخبار

الفرق بين الهدنة ووقف إطلاق النار: تحديات السلام في غزة ولبن

شارك

تحدد اتفاقات وقف إطلاق النار ساعة محددة لصمت السلاح، لكن هذه اللحظة الزمنية لا تضمن بالضرورة توقف القصف أو توفير الأمان الفعلي للمدنيين. ففي كثير من النزاعات، تستمر الغارات الجوية والتوغلات الميدانية والاغتيالات رغم وجود اتفاقات رسمية، مما يجعل الوثائق الموقعة مجرد حبر على ورق أمام الواقع الدامي.

تتجسد هذه الصورة بوضوح في الحروب التي تشنها إسرائيل على غزة ولبنان، حيث لا يعني انخفاض وتيرة العمليات العسكرية توقف الاعتداءات بشكل كامل. وتؤكد مصادر ميدانية أن الخروق الإسرائيلية المستمرة تؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى بشكل دوري، دون أن تنجح آليات المراقبة الدولية في تحقيق الردع أو المحاسبة المطلوبة.

يأتي هذا النقاش بالتزامن مع اليوم الدولي للسلام الذي يحييه العالم في 21 سبتمبر من كل عام، وهي المناسبة التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عقود. غير أن التجارب المعاصرة أثبتت أن الانتقال من إعلان الهدنة إلى الحماية الحقيقية للإنسان يتطلب إرادة سياسية تتجاوز مجرد إصدار البيانات وتحديد التوقيتات.

هناك خلط شائع بين مصطلحات الهدنة ووقف الأعمال العدائية ووقف إطلاق النار، رغم وجود فروق جوهرية تحددها نصوص الاتفاقات. فالهدنة غالباً ما تكون قصيرة الأمد ولأغراض إنسانية محددة مثل إجلاء الجرحى، بينما يفترض بوقف إطلاق النار أن يكون أوسع نطاقاً ليشمل انسحابات عسكرية وتبادلاً للأسرى.

أما اتفاق السلام فهو المرحلة الأكثر تعقيداً، لأنه يعالج الجذور السياسية والأمنية التي أدت إلى اندلاع الحرب من الأساس. ولا يمكن الوصول إلى هذه المرحلة دون المرور بترتيبات أمنية متينة تضمن عدم العودة إلى مربع الاشتباك الأول عند أول خلاف تقني أو ميداني.

يحدد نص الاتفاق ماهية الخروق بشكل دقيق، حيث يعتبر تجاوز بنود الانسحاب أو فتح المعابر أو استهداف المدنيين انتهاكاً صارخاً للالتزامات. وفي الحالة اللبنانية، تواصل إسرائيل تنفيذ غارات وتوغلات والاحتفاظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، مما يفرغ اتفاقات وقف النار من مضمونها الفعلي ويحولها إلى إدارة للاشتباك.

تكمن المشكلة الأساسية في غياب أداة دولية ملزمة تجبر الطرف المنتهك للاتفاق على تحمل تبعات أفعاله والتراجع عن خروقاته. فالمراقبة الدولية، سواء عبر الأقمار الصناعية أو الدوريات الميدانية، تكتفي غالباً بتوثيق الانتهاكات ورفع التقارير دون امتلاك صلاحيات تنفيذية لفرض النظام أو معاقبة المعتدي.

وقف إطلاق النار يظل ترتيباً هشاً ما دامت الخروق مستمرة ولا تترتب عليها مساءلة، ولا يتحول لمسار سلام إلا بإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق.

يعتمد نجاح أي وقف لإطلاق النار على وضوح بنود الاتفاق وسرعة التحقيق في الحوادث الميدانية ونشر نتائجها للعلن بضغط من الدول الضامنة. ومن دون هذه العناصر، تتحول لجان المراقبة إلى مجرد سجلات لتوثيق الخروق اليومية بدل أن تكون وسيلة فعالة لمنع التصعيد وحماية أرواح الأبرياء.

في قطاع غزة، يرتبط تثبيت وقف إطلاق النار بشكل عضوي بوقف الهجمات الشاملة والانسحاب الكامل وفتح المعابر لضمان وصول المساعدات الإنسانية. أما في لبنان، فإن النقاش يتركز حول بسط سلطة الدولة وانتشار الجيش اللبناني وآليات التحقق التي تمنع الاحتلال من مواصلة اعتداءاته الحدودية.

لا تقتصر حماية المدنيين على توقف أزيز الرصاص، بل تمتد لتشمل إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة التي تظل خطراً كامناً يهدد العائدين. وتشدد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على أن العودة الطوعية للنازحين يجب أن تقترن بتوفر سبل الحياة الكريمة من مياه وكهرباء ومرافق صحية وتعليمية.

يعد ملف الأسرى والمفقودين وجبر ضرر الضحايا جزءاً لا يتجزأ من مسار العدالة الانتقالية الذي يمنع تكرار المآسي الإنسانية. فالمماطلة في كشف مصير المفقودين تعني بقاء الحرب مشتعلة داخل آلاف العائلات، حتى لو ساد هدوء نسبي على جبهات القتال المباشرة بين الأطراف المتنازعة.

إعادة الإعمار لا تعني فقط بناء الجدران، بل تشمل استعادة المؤسسات العامة لقدرتها على العمل وتوفير فرص عمل للسكان المتضررين. ويفقد الإعمار قيمته إذا ظل مهدداً بالتدمير في أي جولة تصعيد جديدة، مما يتطلب ضمانات دولية شفافة تمنع تكريس التهجير أو مكافأة النفوذ العسكري.

في المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، يأخذ وقف إطلاق النار أبعاداً دلالية مختلفة، حيث لا يمكن اعتبار خفض التصعيد مدخلاً للسلام مع بقاء الحصار. فالسلام الحقيقي يبدأ من إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الوطنية المشروعة، وليس فقط بتعليق مؤقت للعمليات العسكرية التي قد تستأنف في أي لحظة.

ختاماً، يظل وقف إطلاق النار ترتيباً هشاً وقابلاً للانهيار ما لم يتحول إلى مسار سياسي شامل يعالج مسببات الصراع. وعندما تنجح آليات المراقبة في منع الانتهاكات بدلاً من مجرد تسجيلها، يمكن حينها الحديث عن انتقال حقيقي من حالة الحرب إلى سلام دائم وقابل للاستمرار.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا