د. عمر رحال: الخطر البعيد بتطبيع الإفلات من العقاب وبناء بيئة يشعر فيها حاملو السلاح بأن تبعات استخدام القوة القاتلة قد تكون محدودة أو قابلة للمحو
إسماعيل مسلماني: توقيت القرار يمنحه بعداً رمزياً إضافياً بعدما ربطه هرتسوغ بأجواء يوم الغفران ومفاهيم التوبة والمصالحة وفتح صفحة جديدة
د. أسامة عبد الله: القرار لا يعني إلغاء الإدانة القضائية بل تقصير فترة أثر سجل الجندي الجنائي بما ينهي مبكراً الآثار المدنية والمهنية للسجل
د. جمال حرفوش: يجب على الجهات المختصة الفلسطينية توثيق الواقعة والقرار والإجراءات القضائية كملف قانوني يمكن الرجوع إليه أمام المؤسسات الدولية
سليمان بشارات: هذا الواقع يمنح الجندي الإسرائيلي شعوراً بالأمان وتحقيق الإنجاز وينعكس على سلوكه ميدانياً في ظل غياب ضوابط التعامل مع الفلسطينيين
رام الله - خاص بـ"القدس"-
بعد نحو عقد من الزمن، جاء قرار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ السبت (التاسع عشر من الشهر الجاري) محو ما تبقى من السجل الجنائي للجندي إلور أزاريا بقضية استشهاد الشاب عبد الفتاح الشريف، إلى الواجهة، في خطوة لا تلغي الحكم القضائي الصادر بحق الجندي، لكنها تنهي في وقت مبكر الآثار العملية المترتبة على سجله، وبين الإدانة التي بقيت قائمة وبين إنهاء تبعاتها، برزت مجددًا أسئلة حول معنى العقوبة وحدود استمرارها بعد انتهاء المحكومية.
ويشيرون إلى أنه مع عودة القضية إلى دائرة الاهتمام، يمتد النقاش إلى ما يمكن أن يعنيه قرار الرئيس الإسرائيلي بالنسبة إلى الردع والمساءلة، وإلى العلاقة بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية والقضاء العسكري.
الإدانة قد لا تكون نهاية المطاف
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ومدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" د.عمر رحال أن قرار هرتسوغ شطب ما تبقى من مدة السجل الجنائي للجندي إليئور أزاريا لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً إنسانياً أو قانونياً فردياً، رغم تبريره بمرور الزمن وتنفيذ العقوبة والظروف الشخصية والعائلية، والرغبة في تمكين أزاريا من "فتح صفحة جديدة".
ويبين رحال أن أزاريا صرح بأنه لو عاد به الزمن لتصرف بالطريقة نفسها، معتبراً أن محو الأثر الجنائي يبعث برسالة إلى الجنود والمستوطنين مفادها بأن الإدانة قد لا تكون نهاية المطاف، وأن الدولة قادرة لاحقاً على إزالة جانب من آثارها، بما يثير أسئلة حول الردع وسيادة القانون والمساواة أمامه.
سياق تاريخي أوسع
ويشير رحال إلى أن القرار يأتي ضمن سياق تاريخي أوسع، مستحضراً قيام الرئيس الإسرائيلي الأسبق حاييم هرتسوغ في ثمانينيات القرن الماضي بتخفيف أحكام أعضاء في "التنظيم اليهودي السري" أدينوا بهجمات على فلسطينيين، إضافة إلى منح مسؤولين في الشاباك عفواً رئاسياً في قضية الحافلة 300 قبل توجيه الاتهام إليهم، معتبراً أن ذلك يطرح إشكالية أوسع بشأن المساءلة عندما يكون الضحية فلسطينياً.
ويلفت إلى أن وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس دعم طلب أزاريا، ثم أصدر هرتسوغ القرار، بينما رحب به وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
ويؤكد رحال أن المسؤولية السياسية لا تقف عند المدان، وإنما تمتد إلى المسؤولين والمؤسسات التي تدعم تخفيف الآثار القانونية للإدانة.
حق الضحية الفلسطينية
وعن التداعيات، يؤكد رحال أن إن أخطرها على المدى القريب يتمثل في الرسالة التي قد تصل إلى الميدان، إذ قد يضعف التساهل المؤسسي مع الانتهاكات الوظيفة الردعية للقانون، في وقت يشهد تصاعداً في عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين.
ويشير رحال إلى أن السؤال المقابل يتمثل في حق الضحية الفلسطينية وعائلتها في العدالة، والرسالة التي تصل إلى الفلسطيني بشأن حماية حياته بالقانون.
مساران للمساءلة
وعلى المدى البعيد، يرى رحال أن القرار قد يعزز تصوراً بوجود مسارين للمساءلة، أحدهما أكثر صرامة تجاه الفلسطينيين، وآخر يتيح، عندما يكون المدان إسرائيلياً، إمكانات أوسع للتخفيف والعفو وإعادة التأهيل.
ويشير رحال إلى أن صلاحية العفو الرئاسي تشمل جنوداً أدينوا أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية، بينما لا تمتد إلى القضايا الصادرة عن المحاكم العسكرية في الضفة الغربية التي يحاكم أمامها الفلسطينيون.
تطبيع الإفلات من العقاب
ويعتبر رحال أن القضية تتجاوز أزاريا والشريف، لتطرح سؤالاً حول قدرة القانون على ردع قتل الفلسطينيين إذا أمكن لاحقاً محو آثار الإدانة، محذراً من أن الخطر البعيد يتمثل في تطبيع الإفلات من العقاب وبناء بيئة يشعر فيها حاملو السلاح بأن تبعات استخدام القوة القاتلة قد تكون محدودة أو قابلة للمحو.
القرار لا يلغي الإدانة القضائية
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي إسماعيل مسلماني أن قرار هرتسوغ محو ما تبقى من السجل الجنائي للجندي أليئور أزاريا، المدان بإطلاق النار على الشهيد الفلسطيني عبد الفتاح الشريف في الخليل عام 2016، يحمل دلالات سياسية وقانونية ورمزية تتجاوز الجانب القانوني المباشر للقضية.
ويوضح مسلماني أن القرار لا يلغي الإدانة القضائية، وإنما يغيّر أثرها العملي، مشيراً إلى أن هرتسوغ شدد على أن العفو لا يمثل إعادة محاكمة أو تشكيكاً بحكم المحكمة العسكرية.
ويرى مسلماني أنه من الصعب فصل القرار سياسياً عن رمزية القضية، إذ ينتقل أزاريا، بعد تنفيذ العقوبة ومرور نحو عشر سنوات وإبدائه الندم وتغير ظروفه، من صورة "جندي أدين" إلى شخص يمكنه فتح صفحة جديدة.
انقسام داخل المؤسسة الإسرائيلية
ويشير مسلماني إلى أن اللافت في القرار وجود انقسام داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، إذ أوصى وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بمحو السجل، في حين عارض رئيس الأركان إيال زامير الطلب، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة تحمّل أزاريا المسؤولية وإبدائه الندم، ما يجعل القضية تغد اختباراً للعلاقة بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية والقضاء العسكري.
ويعتقد مسلماني أن توقيت القرار يمنحه بعداً رمزياً إضافياً، بعدما ربطه هرتسوغ بأجواء يوم الغفران ومفاهيم التوبة والمصالحة وفتح صفحة جديدة.
قواعد الاشتباك
إلا أن أكثر جوانب القضية حساسية، وفق مسلماني، يتعلق بقواعد الاشتباك، إذ كانت إدانة أزاريا قد حملت رسالة مفادها بأن الجندي لا يملك إطلاق النار على شخص مصاب وغير قادر على القتال، حتى لو كان قد نفذ هجوماً في وقت سابق.
ويتوقع مسلماني أن تتحول القضية قريباً إلى مادة سياسية وإعلامية داخل إسرائيل، خصوصاً مع ترحيب إيتمار بن غفير بالقرار مقابل معارضة الجيش، بما يعيد النقاش حول قواعد إطلاق النار وحدود العفو الرئاسي والعلاقة بين السياسيين والجيش.
رسالة مؤلمة فلسطينياً
أما فلسطينياً، فإن مسلماني يؤكد أن القرار سيُنظر إليه بوصفه رسالة مؤلمة، لأن الضحية فلسطيني والمستفيد من العفو جندي أدين بقتله، بما قد يعزز الشعور بوجود معايير مختلفة في التعامل مع حياة الفلسطينيين والإسرائيليين.
ويرى مسلماني أن قضية أزاريا قد تتحول إلى سابقة رمزية في النقاش الإسرائيلي حول الجنود المدانين بأفعال ضد فلسطينيين، لتطرح سؤالاً حول الحدود بين المسؤولية الجنائية للجندي والحماية السياسية له.
صورة الدولة الإسرائيلية وحدود المساءلة
يرى الباحث السياسي والأكاديمي د.أسامة عبد الله أن التعامل مع قرار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تقصير الفترة المتبقية لمحو آثار السجل الجنائي للجندي الإسرائيلي إليئور أزاريا باعتباره مجرد إجراء قانوني يتعلق بشخص أنهى عقوبته قبل سنوات، يمثل قراءة ناقصة، لأن القضية تتصل بصورة الدولة الإسرائيلية وحدود المساءلة عن قتل الفلسطينيين والعلاقة بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية.
ويوضح عبد الله أن القرار لا يعني إلغاء الإدانة القضائية، إذ لم يعلن هرتسوغ براءة أزاريا أو أن المحكمة العسكرية أخطأت في إدانته، وإنما يتعلق بتقصير الفترة التي كان يفترض أن يستمر خلالها أثر سجله الجنائي حتى عام 2032، بما ينهي مبكراً الآثار المدنية والمهنية للسجل.
تعريف معنى العقوبة بعد انتهاء الحكم
ويرى عبد الله أن الدلالة السياسية تبدأ من هنا، إذ يعيد القرار تعريف معنى العقوبة بعد انتهاء الحكم، باعتبار أن الدولة ترى أن العقوبة أدت غرضها ولا ينبغي أن تستمر تبعاتها على مستقبل الجندي المهني والاجتماعي.
ويشير عبد الله إلى أن السؤال الفلسطيني المقابل يتعلق بموقع حق الضحية في معادلة "الصفح وفتح صفحة جديدة"، خصوصاً أن أزاريا أصبح منذ قضية عام 2016 رمزاً في الصراع الإسرائيلي الداخلي حول ما إذا كان الجندي الذي يقتل فلسطينياً في ظروف ميدانية يجب أن يحظى بحماية الدولة أم يتحمل المسؤولية الجنائية الكاملة.
تبني اليمين الإسرائيلي لأزاريا
ويؤكد عبد الله أن اليمين الإسرائيلي تبنى أزاريا باعتباره جندياً عوقب بصورة مبالغ فيها، بينما رأت المؤسسة العسكرية والقضاء أن القضية تتعلق بحدود استخدام القوة والانضباط العسكري.
ويلفت عبد الله إلى أهمية توقيت القرار، الذي جاء عشية يوم الغفران، وإلى تقديم مكتب الرئيس له ضمن مفاهيم الرحمة والمغفرة وفتح صفحة جديدة، معتبراً أن المفارقة، من المنظور الفلسطيني، تكمن في أن الدولة تتحدث عن صفحة جديدة للجندي، بينما تبقى صورة الشهيد عبد الفتاح الشريف، وفق التعبير الفلسطيني، مفتوحة.
عدم تحمس المؤسسة العسكرية
ويشير عبد الله إلى أن المؤسسة العسكرية لم تكن متحمسة للقرار، إذ عارض رئيس الأركان إيال زامير ومسؤولون عسكريون طلب أزاريا، ومن بين المبررات أن أزاريا لم يظهر بصورة كافية الندم وتحمل المسؤولية عن فعلته، بما يكشف عن نقاش حول الجهة التي تحدد حدود حماية الجندي: المؤسسة العسكرية أم المستوى السياسي.
وبحسب عبد الله، فإن الرسالة الأخرى للقرار تتصل بالجنود، إذ إن مواقف هرتسوغ ووزير الحرب يسرائيل كاتس توحي بأن الدولة لا تريد أن يشعر جنودها بأنها ستتخلى عنهم بعد انتهاء المواجهة، وهو ما يجعل قضية أزاريا تتجاوز الشخص إلى إنتاج علاقة ثقة بين الدولة والجندي، لكن الإشكال يبدأ عندما ترتبط هذه الرسالة بجندي أدين بقتل فلسطيني مصاب.
أبعد من الأثر القانوني المباشر للقرار
ويتوقع عبد الله إعادة أزاريا إلى المشهد السياسي الإسرائيلي، وتصاعد النقاش حول العلاقة بين المستوى السياسي والجيش، وتوظيف القضية من جانب اليمين، إلى جانب تصاعد النقاش الفلسطيني والدولي حول المساءلة، وإعادة إنتاج أزاريا بوصفه رمزاً سياسياً وإعلامياً.
ويشير إلى أن طرح عودة أزاريا إلى الخدمة العسكرية قد يدفع التداعيات إلى ما هو أبعد من الأثر القانوني المباشر للقرار.
ويحذر عبد الله من استخلاص نتائج قطعية، مؤكداً أن قراراً واحداً لا يكفي للقول إنه سيغير قواعد إطلاق النار أو يزيد الجرائم، لكن يمكن بحث آثاره المحتملة على الردع داخل المؤسسة العسكرية، فالإدانة عام 2016 حملت رسالة بأن الجندي ليس فوق القانون، بينما قد يؤدي إنهاء آثارها مبكراً إلى إضعاف هذه الرسالة رمزياً إذا تحولت القضية إلى نموذج لاحق.
الدولة تقف دوماً إلى جانب جنودها
ويرى عبد الله أن أزاريا قد يتحول إلى "نموذج سياسي" لفكرة أن الدولة يجب أن تقف دائماً إلى جانب الجندي حتى بعد إدانته، في مقابل الرواية التي أرادت المؤسسة العسكرية تثبيتها عام 2016، وهي أن الجندي جزء من الجيش لكنه ليس فوق القانون.
ويؤكد عبد الله أن القرار يطرح تساؤلات حول صورة القضاء العسكري الإسرائيلي وآليات المحاسبة الداخلية، ويعمق الانقسام حول مفهوم "أخلاق الجيش"، بين الالتزام بقواعد الاشتباك وحماية الجندي ومنحه هامشاً واسعاً للتعامل مع الخطر.
ويشير إلى أن الأهم فلسطينياً هو نقل النقاش من سؤال ما إذا كانت عقوبة أزاريا كافية إلى سؤال أعمق يتعلق بكيفية قياس قيمة حياة الفلسطيني داخل منظومة العدالة الإسرائيلية، معتبراً أن ذلك ينقل القضية من شخص أزاريا إلى منظومة التعامل مع الفلسطينيين تحت الاحتلال.
تراجع الاعتبار للقانون الدولي والقانون الإنساني
يرى الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن الموقف العالمي الرسمي الذي اتُّخذ خلال "المقتلة" في قطاع غزة، وهي "الجريمة الأبشع"، منح الاحتلال قناعة بإمكانية فعل ما يريد، وأينما يريد ومتى وكيف يشاء، معتبراً أن ذلك يفسر استمرار الجرائم التي يشهدها قطاع غزة والقدس والضفة الغربية.
ويؤكد الصباح أن إقدام رئيس دولة الاحتلال على هذا الفعل بمحو السجل المدني للجندي قاتل الشهيد عبد الفتاح الشريف يشكل مؤشراً إلى تراجع الاعتبار للقانون الدولي والقانون الإنساني وحقوق الإنسان والحريات وكرامة البشر.
تداعيات ترك قطاع غزة
ويشير الصباح إلى أن الاحتلال بات يعتقد أن العالم، بعدما تركه يفعل ما يشاء في قطاع غزة، لم يعد مستعداً للاحتجاج على ما يرتكبه، محذراً من أن استمرار غياب أي تحرك دولي أو إجراءات عقابية من أي نوع ضد دولة الاحتلال سيجعل مؤسساتها وعلى مختلف المستويات تواصل ارتكاب الجرائم بالشكل نفسه وبأشكال مختلفة.
ويرى الصباح أن الصمت عن هذه الإجراءات، وكذلك عن سابقاتها وعن التداعيات التي ستترتب عليها لاحقاً، يشكل غطاءً لاستمرار هذا النهج.
تشجيع المستوطنين على الجرائم
ويحذر الصباح من أن ذلك سيشجع المستوطنين ومنظماتهم على تصعيد اعتداءاتهم، في ظل رعاية حكومة الاحتلال لهم، والدعم الذي يتلقونه من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب الغطاء الذي تمنحه لهم مؤسسات الدولة، وخصوصاً الجيش والشرطة. وبحسب الصباح، فإن ما جرى في القضية التي صدر فيها حكم بحق مرتكب الجريمة بحق الشهيد الشريف يبعث برسالة إلى قوات الاحتلال والمستوطنين الذين يرتكبون الاعتداءات في الضفة الغربية بأنهم يستطيعون التمادي في جرائمهم مع إدراكهم أن العقوبة والمساءلة لن تطاولهم، لا محلياً ولا دولياً.
ويعتبر الصباح أن استمرار هذا الواقع من شأنه تفجير الأوضاع في الضفة الغربية، لكنه يشدد، في المقابل، على ضرورة وجود فعل ونشاط فلسطينيين باستخدام الوسائل والأدوات المتاحة في القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، إلى جانب الضغط الدولي وتعاطف العالم والتفافه حول القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني وحق المواطنين الفلسطينيين في الحياة.
ويحذر الصباح من أن غياب ذلك سيجعل الحياة بالنسبة إلى الفلسطينيين "كارثية"، ويؤسس لما يسعى الاحتلال إليه، والمتمثل في تهجير الفلسطينيين عبر الضغط المتواصل وتحويل حياتهم إلى جحيم.
عدم المساس بصحة الإجراءات القضائية
يؤكد الباحث في السياسات الدولية وأستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د.جمال حرفوش أن قرار هرتسوغ تقصير المدة المتبقية لمحو القيد الجنائي للجندي السابق إليئور أزاريا، بما يؤدي إلى محوه فوراً، لا يعني إلغاء الحكم القضائي الصادر بحقه أو تبرئته من الواقعة التي أُدين بسببها، مشيراً إلى أن مكتب الرئيس الإسرائيلي أكد أن القرار لا يمثل إعادة نظر في القضية ولا يمس بصحة الإجراءات القضائية.
ويوضح أن أزاريا أدين أمام القضاء العسكري الإسرائيلي بالقتل غير العمد بعد إطلاقه النار عام 2016 على الشهيد عبد الفتاح الشريف في الخليل، بينما كان مصاباً وملقى على الأرض، في واقعة وثقتها كاميرات الفيديو وأثارت جدلاً واسعاً حينها.
ويرى حرفوش أن التمييز القانوني بين بقاء الإدانة ومحو آثارها من السجل لا يلغي الدلالات السياسية والأخلاقية للقرار، خصوصاً أن القضية أصبحت رمزاً للنقاش حول استخدام القوة والمساءلة.
عدم وجود إجماع داخل المؤسسات الإسرائيلية
ويشير حرفوش إلى أن أهمية القرار تتعزز بسبب عدم وجود إجماع داخل المؤسسات الإسرائيلية بشأنه، إذ أيد وزير الحرب يسرائيل كاتس طلب أزاريا، بينما أفادت تقارير إسرائيلية بأن رئيس هيئة الأركان إيال زامير وضباطاً كباراً لم يؤيدوا الطلب، معتبراً أن ذلك يكشف خلافاً حول الرسالة التي ينبغي أن تخرج من القضية، ولا سيما بشأن المساءلة والانضباط العسكري.
ويؤكد حرفوش أن القرار ستكون له دلالة شديدة الحساسية فلسطينياً، لأن القضية تتعلق بفلسطيني قُتل في واقعة ارتبطت بالنقاش حول حدود استخدام القوة، وقد يُقرأ محو القيد باعتباره تخفيفاً لآثار الإدانة، رغم بقاء الحكم القضائي.
وبحسب حرفوش، فإن مبررات القرار، وفق مكتب هرتسوغ، ترتبط بمرور الزمن وتنفيذ العقوبة والظروف الشخصية والعائلية وإتاحة فرصة لفتح صفحة جديدة.
محو السجل لا يمحو الواقعة التاريخية
ويرى حرفوش أن الأمور لا تتعلق بمستقبل الشخص المدان وحده، بل تشمل الاعتراف بالضحية والحفاظ على الثقة بمنظومة المساءلة، مؤكداً أن محو السجل لا يمحو الواقعة التاريخية أو الحكم الصادر فيها، وأن مكتب هرتسوغ نفسه شدد على أهمية القضاء العسكري في صون سيادة القانون وقواعد الجيش ومبدأ ما سمي "طهارة السلاح".
ويتوقع أن يعيد القرار قضية الشريف إلى واجهة النقاش الفلسطيني والإسرائيلي والدولي، وأن يثير جدلاً حول حدود المساءلة عن استخدام القوة، فيما قد يعمق فلسطينياً الشعور بعدم التكافؤ في منظومة العدالة، بينما قد يتوسع النقاش داخل إسرائيل ليشمل العلاقة بين الدعم السياسي للجنود واستقلال منظومة الانضباط والقضاء العسكري.
ويؤكد حرفوش أن محو السجل في هذه الحالة لا يعني قانوناً أن الحالات المستقبلية ستعامل بالطريقة نفسها، لكنه قد يثير تساؤلات حول قوة الردع التي تحققها الإدانات الجنائية إذا تراجعت آثارها العملية.
ويلفت حرفوش إلى أنه قد يُستشهد بالقرار في النقاشات الحقوقية والدبلوماسية بشأن فعالية آليات التحقيق والمحاسبة الإسرائيلية، داعياً الجهات المختصة الفلسطينية إلى توثيق الواقعة والقرار والإجراءات القضائية بصورة مهنية، والحفاظ على ملف قانوني يمكن الرجوع إليه أمام المؤسسات الحقوقية والدولية المختصة.
إسرائيل باتت مكشوفة أمام العالم بصورة أكبر
يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن عفو الرئيس الإسرائيلي عن الجندي قاتل الشهيد عبد الفتاح الشريف يكشف عن تكامل المنظومة الإسرائيلية في استهداف الوجود الفلسطيني ودعم الخيار العسكري في التعامل معه، مشيراً إلى أن إسرائيل تقدم نفسها باعتبارها منظومة قيمية وحضارية وديمقراطية ومؤسساتية، لكنها باتت، أمام العالم، مكشوفة بصورة أكبر، وأن موقف الرئيس الإسرائيلي يأتي ليكمل الصورة التي تشكلت خلال السنوات الماضية، ولا سيما منذ حرب الإبادة على قطاع غزة وحتى الآن.
ويؤكد بشارات أن المجتمع الإسرائيلي، بمختلف مكوناته وأطيافه، بات منزاحاً نحو فكر يميني متطرف ومتشدّد، ينظر إلى الإنسان الفلسطيني باعتباره يجب أن يكون ميتاً ومقتولاً، لا إنساناً يمكن التعايش معه.
ويرى أن إسرائيل تثبت عملياً رفضها لخيار التعايش مع الوجود الفلسطيني، وكذلك لأي طرح سياسي يمكن أن يؤسس لحل الدولتين، مشيراً إلى أنها أسست وترعى منظومة عنصرية وأبارتهايد قائمة على مفهوم الإبادة الجماعية للوجود الفلسطيني.
ويشير بشارات إلى أن فهم هذه الصورة على المستوى الدولي يقتضي تجاوز العقوبات التي تطاول أفراداً إلى التعامل مع المؤسسات والمنظومة السياسية كاملة.
عقوبات دولية ناقصة
ويعتبر بشارات أن العقوبات الأوروبية أو الدولية التي تستهدف شخصيات وقيادات إسرائيلية، ولا سيما قيادات الاستيطان وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، تبقى ناقصة وغير مكتملة، إذا لم تشمل المنظومة السياسية بأكملها، من رأس الهرم وصولاً إلى مختلف الأذرع والمؤسسات السياسية.
ويحذر بشارات من أن هذا الواقع يمنح الجندي الإسرائيلي شعوراً بالأمان وبأنه يحقق الإنجاز، بما قد ينعكس على سلوكه في الميدان مع غياب الضوابط في التعامل مع الفلسطينيين. ويشير بشارات إلى تسليح المستوطنين ومنح تراخيص السلاح، وإلى دور المؤسسات الإعلامية في ضخ دعاية، حيث تشيطن الفلسطيني وتقدم السلوك الإسرائيلي باعتباره دفاعاً عن النفس.
الإصرار على تنفيذ هذه الممارسات
ويؤكد بشارات أن المنظومة السياسية توفر القرارات والبيئة الداعمة لسلوك القتل وإرهاب الفلسطينيين، فيما تمنح المنظومة القانونية غطاءً وشرعية لهذه الممارسات، بما يجعل المؤسسات الإسرائيلية حلقات متكاملة في دعم سلوك الجندي.
ويرى أن عمليات القتل والإبادة التي كشفتها تحقيقات دولية وشهادات لضباط إسرائيليين في فيلم "نازا" توثق الإصرار على تنفيذ هذه الممارسات، بينما ترعى المنظومة السياسية هذا السلوك وتبرره وتوفر الأمان للجندي الذي ينفذه.
المصدر:
القدس