في المجتمعات التي تتعدد فيها مصادر الخلاف، وتزداد فيها الحاجة إلى مساحات آمنة للحوار، لا تكمن الاستجابة المستدامة في التوعية بمفاهيم السلام وحل النزاعات فحسب، بل في تمكين أفراد المجتمع من امتلاك الأدوات والمعارف التي تساعدهم على التعامل مع اختلافاتهم بصورة أكثر سلمية وفاعلية.
من هذه الفكرة انطلقت مبادرة «جسور الحوار: تمكين الشباب في الوساطة المجتمعية لحل النزاعات في قطاع غزة»، التي قدّمت تصورًا عمليًا لدور الشباب في بناء ثقافة الحوار، انطلاقًا من مبدأ واضح: أن يكون الشباب جزءًا من الحل، لا مجرد متلقين للمعرفة حوله.
وجاءت المبادرة بدعم من مؤسسة ACT لحل النزاعات وبتنفيذ من رانيا جودة ، في إطار توجهها نحو تعزيز استخدام الوساطة والحوار والوسائل البديلة لحل النزاعات، ودعم المبادرات التي تمنح المجتمعات المحلية، ولا سيما الشباب، مساحة أكبر للمشاركة في بناء حلول سلمية ومستدامة للخلافات.
نُفذت المبادرة في قطاع غزة، واستهدفت بصورة أساسية الشباب والشابات المهتمين بالوساطة المجتمعية والحوار والعمل المجتمعي، إلى جانب أفراد المجتمع المحلي، وبشكل خاص النازحين والنازحات في مخيمات النزوح. ولم يكن الهدف مجرد نقل المعرفة، وإنما تحويلها إلى ممارسة، وإتاحة المجال أمام الشباب لتوظيف ما تعلموه في مجتمعاتهم والمساهمة في نشر ثقافة الحوار والوساطة وتطويرها.
من المعرفة إلى الممارسة
بدأت «جسور الحوار» من قناعة بأن تعلم الوساطة لا يكتمل داخل قاعة التدريب. لذلك ركزت المبادرة على الجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، من خلال تدريب متخصص تناول الوساطة المجتمعية، والوسائل البديلة لحل النزاعات، ومهارات الحوار والتعامل السلمي مع الخلافات.
ولجعل هذه المفاهيم أكثر ارتباطًا بواقع المشاركين، اعتمد التدريب على محاكاة نزاعات مستمدة من البيئة المحلية، بما أتاح للشباب فرصة الانتقال من فهم المفهوم إلى اختبار كيفية استخدامه في مواقف عملية.
لكن التحول الأهم جاء بعد انتهاء التدريب؛ إذ لم يتوقف دور الشباب عند تلقي المعرفة. فقد شاركوا في تطوير أفكار الأنشطة، وتوزيع الأدوار، وإعداد خطط التنفيذ، ثم انتقلوا إلى الميدان لتنفيذ أنشطة توعوية بأنفسهم، ليصبحوا بذلك «سفراء جسور الحوار».
وهنا تتجسد القيمة الأساسية للمبادرة: المعرفة لم تكن نقطة النهاية، بل نقطة الانطلاق نحو الفعل المجتمعي.
الشباب في موقع الفعل
أتاحت المبادرة للشباب مساحة حقيقية للمشاركة في تصميم وتنفيذ الأنشطة، وهو ما عزز إحساسهم بالملكية تجاه المبادرة ورسائلها.
فبدل أن يكون الشاب متلقيًا لرسالة حول أهمية الحوار، أصبح هو من ينقلها إلى الآخرين. وبدل أن تبقى مهارات الوساطة ضمن إطار التدريب، تحولت إلى أدوات يمكن استخدامها في التواصل مع المجتمع، وفهم الخلافات، والتعامل معها بطريقة أكثر هدوءًا وتوازنًا.
هذا الانتقال من «التعلم» إلى «الممارسة» شكّل أحد أهم عناصر التجربة، وفتح المجال أمام بناء نواة شبابية يمكن تطوير دورها مستقبلًا في مجالات الوساطة والحوار والعمل المجتمعي.
أثر يتجاوز الأرقام
تُظهر نتائج المبادرة حجم الوصول الذي تحقق خلال فترة تنفيذها. فقد تم تدريب 25 شابًا وشابة ليشكلوا نواة من «سفراء جسور الحوار»، كما نُفذت 4 ورش توعوية في مخيمي أنصار والجلاء.
ومن خلال هذه الورش، وصلت المبادرة إلى 94 مشاركًا ومشاركة من أفراد المجتمع، متجاوزة الهدف المخطط له والبالغ 80 مشاركًا ومشاركة. وبذلك حققت المبادرة 117.5% من هدف الوصول، أي بزيادة قدرها 14 مستفيدًا ومستفيدة عن العدد المستهدف.
ولم يكن هذا الوصول مجرد رقم، بل ارتبط بمحاولة الوصول إلى الفئات المستهدفة داخل مجتمعاتها. فقد جرى التنسيق مع المخيمات لتنفيذ الأنشطة والوصول إلى الشباب النازحين والنازحات، كما نُظمت جلسات منفصلة للإناث والذكور في مخيمي أنصار والجلاء. وشكّل الشباب نحو 90% من المشاركين في ورش التوعية، بما يعكس الحضور الشبابي الواضح في المبادرة.
حين تصبح الوساطة تجربة يمكن رؤيتها
كان من أبرز عناصر «جسور الحوار» اعتماد أساليب تفاعلية تتجاوز التقديم التقليدي للمعلومات. ففي الورش، لم تقتصر المشاركة على الاستماع إلى شرح حول الوساطة والحوار، بل استخدمت المحاكاة والاسكتشات المسرحية ولعب الأدوار لتقريب المفاهيم من الحياة اليومية.
أتاحت هذه الأساليب للمشاركين رؤية أدوار أطراف النزاع والوسيط، والتفاعل مع مواقف شبيهة بتلك التي يمكن أن يواجهوها في محيطهم، الأمر الذي جعل مفاهيم مثل الحوار والوساطة والوسائل البديلة لحل النزاعات أكثر وضوحًا وقربًا من تجربتهم.
وتكشف هذه التجربة عن أهمية الجمع بين المعرفة والتجربة والإبداع عند العمل مع الشباب؛ فكلما ارتبطت المعرفة بممارسة فعلية ومساحة للتعبير، أصبحت فرص استيعابها وتحويلها إلى سلوك أكبر.
من قاعة التدريب إلى الفضاء العام
لم تكتفِ المبادرة بالعمل المباشر مع المشاركين، بل سعت إلى إنتاج أدوات يمكن أن تستمر رسائلها بعد انتهاء الأنشطة.
وفي هذا السياق، أُنتجت قصة مصورة توعوية باللغتين العربية والإنجليزية تناولت مفاهيم الحوار والوساطة وحل النزاعات بطريقة بصرية مبسطة، بما يتيح استخدامها مع فئات مختلفة وفي أنشطة وحملات مستقبلية.
كما وظفت المبادرة الفن في إنتاج جدارية مجتمعية تحمل رسائل حول الحوار والوساطة والسلام. وجاءت الجدارية بأبعاد تقارب 20 مترًا ارتفاعًا و5.2 متر عرضًا، ووُضعت في موقع مركزي قريب من الجامعات وعلى طريق يربط شمال قطاع غزة بجنوبه.
وبذلك لم يعد خطاب الحوار محصورًا في مساحة التدريب أو الورشة، بل انتقل إلى مساحة عامة يمكن أن يراها أفراد المجتمع بصورة مستمرة.
وتحمل الجدارية كذلك قيمة تتصل باستدامة الرسالة؛ إذ نُفذت باستخدام مواد وألوان مناسبة للحفاظ عليها وإطالة عمرها، مع إمكانية إعادة عرضها أو نقلها إلى مواقع مجتمعية أخرى عند الحاجة.
الاستدامة تبدأ بمن يحمل الرسالة
إذا كانت الأنشطة والورش تمثل مخرجات مباشرة للمبادرة، فإن أثرها الأبعد يتمثل في الأشخاص الذين أصبحوا قادرين على مواصلة حمل الرسالة.
فالـ25 شابًا وشابة الذين تلقوا التدريب لم يكونوا مجرد مستفيدين من نشاط قصير المدى، بل شكلوا نواة من «سفراء جسور الحوار» الذين اكتسبوا معارف ومهارات في الوساطة المجتمعية والحوار والوسائل البديلة لحل النزاعات، وشاركوا في نقل هذه المعرفة إلى المجتمع.
ومن هنا، تصبح استدامة المبادرة مرتبطة بقدرة هؤلاء الشباب على الاستمرار في التواصل مع مجتمعاتهم، ونقل ما تعلموه إلى محيطهم، والمشاركة في أنشطة مستقبلية، وتطوير أفكار جديدة في مجال الحوار والوساطة المجتمعية.
وفي الوقت نفسه، تمثل المخرجات التي أنتجتها المبادرة، مثل القصة المصورة والمواد التدريبية والتوعوية والمحتوى الإعلامي والجدارية، أدوات قابلة لإعادة الاستخدام، بما يتيح توسيع نطاق الرسائل واستثمارها في مبادرات وحملات لاحقة.
ما الدروس المستفادة من هذه المبادرة؟
تقدم تجربة «جسور الحوار» عددًا من الدروس التي تتجاوز حدود المبادرة نفسها.
أول هذه الدروس أن إشراك الشباب في التنفيذ، وليس فقط في الاستفادة، يعزز شعورهم بالملكية تجاه المبادرة ويزيد فرص استمرار أثرها.
وثانيها أن التعلم بالممارسة يمكن أن يجعل مفاهيم الوساطة وحل النزاعات أكثر وضوحًا وتأثيرًا من التوعية النظرية وحدها، خصوصًا عندما ترتبط الأمثلة والتطبيقات بواقع المشاركين.
أما الدرس الثالث، فيتعلق بأهمية الإبداع. فقد أثبت توظيف المسرح والمحاكاة والفنون والوسائل البصرية أن رسائل الحوار يمكن أن تصل إلى الشباب بصورة أكثر قربًا وتفاعلًا عندما تُقدَّم خارج الأطر التقليدية.
ويضاف إلى ذلك درس مهم يتعلق بالعمل المجتمعي في البيئات المتغيرة: المرونة ليست خيارًا إضافيًا، بل جزء من نجاح المبادرة. فقد ساعدت المتابعة المستمرة، وإعادة الجدولة، والتنسيق المسبق مع المجتمعات المستهدفة على الحفاظ على مسار التنفيذ والاستجابة للتحديات الميدانية.
من مبادرة قصيرة إلى نواة لأثر مستدام
في النهاية، لا تُقاس قيمة المبادرات المجتمعية فقط بعدد الأنشطة التي نفذتها أو عدد الأشخاص الذين شاركوا فيها، وإنما بما تتركه خلفها من قدرات وأشخاص وأدوات ورسائل قابلة للاستمرار.
في «جسور الحوار»، تحولت فكرة تمكين الشباب في مجال الوساطة من مفهوم تدريبي إلى تجربة عملية؛ فقد دُرّب 25 شابًا وشابة، ووصلت أنشطة التوعية إلى 94 مشاركًا ومشاركة، وتجاوزت المبادرة هدف الوصول بنسبة 117.5%، كما أنتجت أدوات إبداعية وتوعوية امتد أثرها إلى خارج مساحة التدريب.
لكن الأهم من ذلك كله أن المبادرة ساهمت في بناء نواة شبابية قادرة على حمل رسالة الحوار إلى المجتمع، وهو أثر يتسق مع أهمية الاستثمار في الشباب بوصفهم فاعلين في مجتمعاتهم، وليسوا فقط مستفيدين من برامج بناء السلام وحل النزاعات.
وهذا هو المعنى الأعمق لـ«جسور الحوار»: أن بناء ثقافة الحوار لا يبدأ فقط بتعليم الناس كيف يتحدثون عن السلام، بل بمنحهم الفرصة لتجربة الحوار، وممارسته، ونقله إلى الآخرين.
فالحوار لا يستمر عندما نتحدث عنه فقط، بل عندما يتحول إلى ممارسة، ويجد من يحمله من جيل إلى آخر.
المصدر:
القدس