شهدت الساحة السياسية والاجتماعية في الأردن حالة من الجدل الواسع عقب دعوة وجهها الفريق المتقاعد موسى العدوان إلى القصر الملكي، طالب فيها باتخاذ إجراءات حاسمة تشمل سحب الجنسية الأردنية من قادة في السلطة الفلسطينية. وشمل المقترح أيضاً نحو 800 ألف فلسطيني يحملون الجنسية ويقيمون بصفة دائمة في مناطق الضفة الغربية المحتلة.
برر العدوان مبادرته التي أثارت نقاشاً عاصفاً عبر منصات التواصل الاجتماعي بضرورة التصدي لمشاريع التهجير 'الترانسفير' التي يروج لها اليمين الإسرائيلي المتطرف. واعتبر أن تثبيت الهوية الفلسطينية ومنع ازدواجية الجنسية في هذه المرحلة الحساسة يساهم في إغلاق الباب أمام الأطماع الإسرائيلية الرامية لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين.
في المقابل، واجه هذا المقترح معارضة شديدة من نخب سياسية وقانونية اعتبرت أن مواجهة مخططات الاحتلال لا تكون بتجريد الفلسطينيين من حقوقهم المكتسبة. وأكد المعارضون أن حماية الأردن وفلسطين تتطلب برامج وطنية دفاعية شاملة وتفعيل أوراق القوة السياسية والدبلوماسية التي تمتلكها عمان في المحافل الدولية.
وأشار مراقبون إلى أن المقترح استهدف تحديداً الأردنيين المقيمين في المناطق المصنفة 'ج' (C) التي تخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية كاملة وتتعرض لهجمة استيطانية شرسة. وحذر عضو الكنيست أحمد الطيبي في سياق متصل من أن المناطق 'ب' لن تكون في مأمن، حيث تمثل المرحلة التالية لمخططات اليمين الإسرائيلي لتعزيز الاستيطان وتهجير السكان.
يأتي هذا السجال في وقت تشعر فيه أوساط أردنية بالقلق من إخفاق السلطة الفلسطينية في تنفيذ مهامها الأساسية التي تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية للمملكة. وتبرز مخاوف جدية بشأن قدرة السلطة على منع التهجير القسري وتحقيق التوازن الديموغرافي المطلوب للحفاظ على الوضع القانوني القائم في الضفة الغربية.
من جانبه، دعا رئيس الديوان الملكي الأسبق جواد العناني إلى ضرورة تفعيل غرفة عمليات مشتركة بين رام الله وعمان لمواجهة كافة الاحتمالات. وأكد العناني في تصريحات صحفية أن الأوضاع في الضفة الغربية باتت مفتوحة على تصعيد غير مسبوق يتطلب تنسيقاً أمنياً وسياسياً عالي المستوى بين الجانبين.
وعلى الرغم من الرقم الذي طرحه الجنرال العدوان حول عدد حملة الجنسية في الضفة، إلا أن المصادر الرسمية تشكك في دقة هذه الإحصائيات. وكان وزير الداخلية مازن الفراية قد أوضح في وقت سابق أن أعداد الأردنيين المقيمين في الضفة لم تخضع لإحصاء دقيق وشامل حتى الآن بسبب تعقيدات الإقامة والسفر.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن العلاقات الأردنية مع الحكومة الإسرائيلية الحالية تمر بحالة من القطيعة الشاملة والمعلنة. ويرفض الأردن الرسمي التعاطي مع ائتلاف بنيامين نتنياهو المتطرف، خاصة في ظل التهديدات المستمرة التي تستهدف الوصاية الهاشمية على المقدسات والوضع الديموغرافي في الضفة.
ويرى القيادي الفلسطيني عباس زكي أن قضية التهجير تمثل ورقة ابتزاز سياسي يستخدمها اليمين الإسرائيلي ضد المملكة الأردنية الهاشمية. واعتبر زكي أن التلويح بترحيل السكان يهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة وفرض واقع جديد يخدم المصالح الاستيطانية التوسعية على حساب الحقوق الفلسطينية والأمن القومي الأردني.
وفي سياق الردود الشعبية، انقسم الشارع الأردني بين مؤيد يرى في المقترح خطوة استباقية لحماية الهوية الوطنية، ومعارض يصفها بالخطوة المتسرعة. واعتبر الباحث محمد حسونة أن الحل الأمثل لا يكمن في 'سحب الجنسيات' على الطريقة الكويتية، بل في تعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم بكل الوسائل المتاحة.
وتؤكد مصادر إدارية أن مسألة الجنسية والبطاقات الصفراء تعد من أعقد الملفات التي تديرها الدولة الأردنية منذ عقود. وترتبط هذه المسألة بفك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، وهو القرار الذي اتخذه الملك الراحل الحسين بن طلال في عام 1988 لتعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية.
ويبقى التساؤل قائماً حول مدى إمكانية تحويل هذه المقترحات إلى سياسات رسمية في ظل الظروف الإقليمية المعقدة. فبينما يضغط البعض لتبني إجراءات قانونية صارمة، تحذر أصوات أخرى من تداعيات إنسانية وسياسية قد تضعف الجبهة الداخلية الأردنية والفلسطينية على حد سواء أمام التحديات المشتركة.
ختاماً، يجمع الخبراء على أن مواجهة 'الترانسفير' تتطلب استراتيجية وطنية تتجاوز الحلول الإجرائية المتعلقة بالجنسية. ويشدد هؤلاء على أهمية التمسك بالحقوق التاريخية والقانونية، ودعم صمود المواطن الفلسطيني في أرضه كخط دفاع أول وأخير ضد مشاريع التهجير والتهويد التي تستهدف المنطقة برمتها.
المصدر:
القدس