سامر مخلوف: نريد جيلاً يمتلك الأدوات والثقة ليكون سفيراً للرواية الفلسطينية
د. روان مرقة: الطالب ليس متلقياً فقط، بل صوت وفكرة وفنان قادر على أن يحكي قضيته بطريقته
أيمن الهودلي: هدفنا بناء مسرح جامعي قادر على تمثيل فلسطين
علي عبيدات: الخبر ينتهي.. أما المعنى فيستمر
وليد عبد السلام: بعض النصوص وصلت إلى العمق، وأخرى مالت إلى الشعارات والمألوف
فراس أبو صباح: المسرح إذا ما فيه فرجة.. ما في مسرح
أميرة حبش: الطلبة كتبوا أنفسهم.. وأنا شكّلت نصوصهم بخبرتي وهويتي
مهند شعبان: المسرح بالنسبة إليّ مش تجربة جامعية.. هو قصة حياة
سارة الشلبي: أتمنى أن تكون هذه الجائزة بداية مشوار في المسرح
عدنان البوبلي: الجمهور نفسه هو الذي يمنح هذه الظواهر قدرتها على النجاح
شهد الهندي: الشخصية التي قدمتها على المسرح كانت تمثلني أنا
ريم أبو سندس: أول مرة أطلع على المسرح.. واكتشفت أن لديّ جرأة وثقة بالنفس
رام الله- مهند ياسين- "القدس" دوت كوم - تُوّجت مسرحية "الخطة صفر" لفريق جامعة فلسطين التقنية "خضوري" بالمركز الأول في مهرجان المسرح الجامعي الثالث، الذي أُقيم أمس في مسرح وسينماتك القصبة بمدينة رام الله، لكن "الخطة" التي بدت أكثر وضوحاً بعد إسدال الستارة، لم تكن فقط تلك التي حملها اسم العمل الفائز، بل شكلت مساراً أوسع يحاول أن يمنح طلبة الجامعات الفلسطينية خشبة يقولون عليها ما يشغلهم، ويختبرون من خلالها قدرتهم على تحويل أسئلتهم وتجاربهم إلى فعل فني.
ثماني جامعات فلسطينية وصلت إلى المهرجان بعروض صنعتها فرقها المسرحية بعد أشهر من التدريب. وبين الخشبة والكواليس، كان لافتاً أن كثيراً ممن وقفوا أمام الجمهور لا يدرسون المسرح أو الفنون أصلاً، بل جاءوا من الهندسة والتمريض والذكاء الاصطناعي والترجمة والديكور وتخصصات أخرى، وبعضهم كان يواجه الجمهور ممثلاً للمرة الأولى.
وجاء المهرجان ثمرة شراكة بين مسرح وسينماتك القصبة، ووزارة التربية والتعليم العالي، وحاضنة فلسطين الثقافية، و"لمة صحافة" للإعلام المجتمعي، ضمن مسار يجمع بين تمكين الطلبة عبر المسرح وتعزيز حضور الثقافة والفنون في الإعلام الفلسطيني.
وفي ختام المنافسة، حصدت "الخطة صفر" المركز الأول، وجاءت مسرحية "مشاهير ولكن" لفريق جامعة النجاح الوطنية في المركز الثاني، فيما حلّت "الرقصة الأخيرة" لفريق جامعة بيت لحم المسرحي ثالثة، وقُدمت جوائز المهرجان بدعم من الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي.
وذهبت جائزة أفضل ممثل إلى مهند شعبان عن دوره في مسرحية "خاميش داكوت" لجامعة القدس، فيما حصدت سارة الشلبي جائزة أفضل ممثلة عن "الخطة صفر"، وفاز عدنان البوبلي بجائزة أفضل نص مسرحي عن "مشاهير ولكن".
من التمريض والذكاء الاصطناعي إلى الخشبة
ربما تختصر تخصصات الفائزين جانباً مهماً من حكاية المهرجان.
مهند شعبان، الفائز بجائزة أفضل ممثل، يدرس التمريض في جامعة القدس، وكانت مشاركته في مهرجان بهذا الحجم تجربته الأولى. ومع ذلك، لا يتعامل شعبان مع المسرح باعتباره نشاطاً جامعياً عابراً.
وقال في حديث خاص لـ"ے" إنه اكتشف خلال التجربة أن "التمثيل لا ينفصل عن الواقع"، لأن ما يجسده الممثل الفلسطيني على الخشبة يتقاطع، بصورة أو بأخرى، مع قصص يعيشها الفلسطينيون في يومياتهم.
وفي الشخصية التي أداها، وجد شعبان شيئاً من تجربته ومشاعره، لا سيما في الانتقال بين الصمود والانكسار والأمل، وهو ما اعتبره أصعب تحديات الدور، إذ كان عليه أن ينتقل بين الكوميديا والجدية والقوة والهزيمة والغناء ضمن شخصية واحدة.
وعندما سُئل إن كانت الجائزة خاتمة تجربة جامعية، جاءت إجابته حاسمة: إنها "بداية مشوار في المسرح".
أما أفضل ممثلة، سارة الشلبي، فجاءت من حقل يبدو أبعد ما يكون عن الخشبة، فهي طالبة ذكاء اصطناعي في جامعة خضوري، وكانت "الخطة صفر" تجربتها المسرحية الثانية فقط.
وقالت لـ"ے" إن أصعب ما واجهته كان الوصول إلى حقيقة شخصية بدت لها غير واضحة تماماً، إلى جانب التحكم في التحولات الأدائية والصوتية التي يتطلبها الدور، مؤكدة أنها تأمل أن تكون الجائزة بداية لمسار مسرحي جديد.
وتتكرر الحكاية خارج دائرة الجوائز. فالطالبة شهد الهندي من جامعة فلسطين الأهلية تدرس التمريض، ولديها تجربة في الغناء، لكن المسرح كان جديداً عليها. والأكثر دلالة أنها قالت إن الشخصية التي قدمتها في "حلم على ورق" كانت تمثلها هي شخصياً.
أما ريم أبو سندس، طالبة الترجمة التحريرية والفورية في جامعة الخليل، فكانت تقف على المسرح للمرة الأولى. وما خرجت به، كما تقول، هو اكتشاف جرأة وثقة بالنفس لم تكن التجربة بعيدة عنهما، مؤكدة رغبتها في الاستمرار في المسرح.
رحلة تغيير
بالنسبة إلى المدير التنفيذي لمسرح وسينماتك القصبة سامر مخلوف، فإن هذه التحولات الفردية هي المعيار الأهم لقياس أثر المشروع، الذي دخل عامه السادس ودورته الثالثة كمهرجان.
وقال مخلوف في حديث خاص لـ"ے" إن استخدام الدراما والفنون أثبت خلال العمل مع مئات الطلبة قدرته على إحداث تغيير في شخصيات المشاركين، مشيراً إلى أن التجربة توسعت كمّاً من حيث أعداد الطلبة والجامعات، ونوعاً من حيث مستوى الأعمال والأفكار المطروحة.
ويصف مخلوف المسار بأنه "رحلة تغيير"، يدخل إليها الطالب من مكان ويخرج من مكان آخر، مستذكراً نماذج لطلبة كانوا يجدون صعوبة في مجرد الحديث أمام زملائهم، قبل أن يصبحوا أكثر قدرة على التعبير عن أنفسهم والوقوف أمام الجمهور.
ولا يريد القائمون على المشروع أن تنتهي هذه الرحلة بإسدال الستارة. ويقول مخلوف إن العمل خلال السنوات الماضية اتجه إلى مأسسة التجربة عبر تأسيس أندية للدراما تحت مظلة عمادات شؤون الطلبة في الجامعات، بما يمنحها فرصة للاستمرار حتى إذا توقفت المشاريع الخارجية أو شح التمويل.
ويتقاطع ذلك مع ما كشفه رئيس وحدة الشؤون الطلابية في وزارة التربية والتعليم العالي أيمن الهودلي لـ"ے" عن توجه الوزارة إلى تطوير بنية للمسرح الجامعي، وصولاً إلى وجود أندية مسرحية في مختلف الجامعات، وتشكيل فريق مسرحي مركزي من طلبة الجامعات يمثل فلسطين في المحافل المختلفة.
الموهبة موجودة.. والنص يحتاج إلى صقل
غير أن الاحتفاء بطاقة الطلبة لم يحجب السؤال الفني عن مستوى ما قُدم على الخشبة.
الفنان وليد عبد السلام، عضو لجنة التحكيم، خرج من العروض بانطباع واضح: الشباب لديهم ما يقولونه، ولديهم طاقات وإمكانات، لكن هذه الطاقات ما زالت بحاجة إلى الرعاية والصقل والتطوير.
وفي قراءته الفنية لـ"ے"، وضع عبد السلام إصبعه على النص المسرحي بوصفه أحد أبرز التحديات.
فمحاولات الطلبة في الكتابة، رغم أهميتها وقلة خبرتهم، أظهرت تفاوتاً واضحاً، بحسب عبد السلام، بين نصوص استطاعت إيصال أفكارها بعمق، وأخرى اتجهت إلى البساطة والمألوف، وفي بعض الأحيان إلى الشعارات، ما يستدعي إسناد التجربة بخبرات متخصصة في بناء النص المسرحي وتطويره.
أما على مستوى التمثيل، فرأى عبد السلام أن المواهب الشخصية كانت واضحة، وأن قدرة المدربين والمخرجين على التعامل معها أسهمت في إبراز عدد منها، مؤكداً أن المهرجان أظهر بالفعل طاقات يمكن أن تجد طريقها لاحقاً إلى المسرح المحترف.
وهنا تبرز معادلة أخرى يواجهها المسرح الجامعي، كيف يحمل قضية ورسالة من دون أن تتحول الخشبة إلى منبر خطابي؟
المخرج فراس أبو صباح، الذي أخرج "التنين" لجامعة الخليل و"الرقصة الأخيرة" لجامعة بيت لحم، يرى أن تحقيق هذه المعادلة هو "أصعب شيء للمخرج".
في "التنين"، لم يكن التنين كائناً خرافياً بقدر ما كان رمزاً يمكن أن يتخذ وجوهاً متعددة، الخوف، واللامبالاة، وعدم الاكتراث بالآخر. ويلخص أبو صباح أحد منابع الفكرة بعبارة يسمعها كثيراً ويرفضها: "ما لي دخل؟"، معتبراً أن ما يصيب الجار أو المجتمع لا يمكن فصله عن الفرد.
وفي "الرقصة الأخيرة"، اقترب العرض من الفن نفسه وما يتعرض له من اختزال في زمن المنصات الرقمية، حيث يصبح السعي وراء "الإعجابات" معياراً زائفاً للفن، في مقابل رؤية تعتبر الفن مساحة حرة للتعبير.
ويقول أبو صباح إنه لجأ إلى الموسيقى والوسائط المتعددة وأدوات الفرجة لمساعدة الممثلين الشباب على حمل الرسالة من دون التضحية بالعرض، مختصراً رؤيته بعبارة: "المسرح إذا ما فيه فرجة، ما في مسرح".
عندما تنطفئ الـ"Ring Light"
وفي "مشاهير ولكن"، العمل الذي حل ثانياً وحصد جائزة أفضل نص، انتقل السؤال إلى عالم آخر شديد الالتصاق بحياة الشباب، وسائل التواصل الاجتماعي، والمسافة بين الصورة التي يعرضها الإنسان على الشاشة وحقيقته عندما تنطفئ الكاميرا.
كاتب النص عدنان البوبلي قال لـ"ے" إن الفكرة خرجت من واقع الشباب الفلسطيني والعربي، حيث يمكن لمنصات التواصل أن تكون أداة نافعة، لكنها في الوقت نفسه قادرة على سلخ الشاب عن واقعه ودفعه نحو عالم من الوهم.
وللنص جذر شخصي أيضاً.
فبعد أن اكتسب البوبلي شهرة محلية كممثل، اكتشف حساباً على "تيك توك" يحمل اسمه ويتابعه نحو 25 ألف شخص، قبل أن يتبين له أن من يقف خلفه فتى في السادسة عشرة أنشأ الحساب لأنه يحبه. التجربة دفعته إلى التفكير في الهوية التي نصنعها لأنفسنا على المنصات، وفي الجمهور الذي يمنح هذه الصور قدرتها على الانتشار.
ولهذا، عندما سُئل عن السؤال الذي يختصر مسرحيته، عاد إلى مسؤولية الجمهور نفسه، معتبراً أن الجمهور هو الذي يمنح بعض نماذج الشهرة قدرتها على النجاح والاستمرار.
الخبر ينتهي.. والمعنى يستمر
وإذا كان المسرح قد منح الطلبة خشبة لرواية قصصهم، فإن السؤال الآخر الذي طرحه المهرجان كان: من يحمل هذه القصص خارج القاعة؟
الشريك المؤسس في "لمة صحافة" ورئيس تحرير "بالغراف" علي عبيدات يرى أن الخبر الثقافي يجد نفسه في منافسة غير متكافئة مع سيل السياسة والميدان والأخبار العاجلة في فلسطين، وهو ما يجعل الحاجة أكبر إلى صحافة ثقافية لا تكتفي بالإعلان عن إقامة عرض أو تسجيل اسم الفائز.
وقال عبيدات لـ"ے" إن العمل مع الصحفيين وطلبة الإعلام يسعى إلى الانتقال من قالب التغطية الخبرية إلى قراءة ما وراء العرض: من هؤلاء الشباب؟ ماذا يريدون؟ ما المشكلات التي يعيشونها؟ وكيف حولوها إلى مسرح؟
ويرى أن العرض المسرحي قد يستمر دقائق أو ساعات ثم ينتهي، لكن التوثيق والرصد الجيدين قادران على إبقاء التجربة لأجيال، معتبراً أن الصحافة الثقافية جزء من توثيق المجتمع لذاكرته وحماية روايته.
وبين طالب تمريض حمل جائزة التمثيل، وطالبة ذكاء اصطناعي وقفت بين أفضل ممثلات المهرجان، وكاتب فتش خلف ضوء الـ"Ring Light" عن حقيقة عالم كامل، بدت خشبة القصبة في نهاية يوم طويل أكبر من منصة لإعلان ثلاثة فائزين.
فالجوائز رتبت الأعمال، لكن العروض كشفت شيئاً آخر: جيلاً لديه ما يقوله، ومواهب تبحث عمن يصقلها، ومسرحاً جامعياً يحاول أن يجد لنفسه مكاناً يتجاوز حدود النشاط اللامنهجي إلى المشهد الثقافي الفلسطيني الأوسع.
المصدر:
القدس