كشف المبعوث البريطاني السابق لدى الأمم المتحدة جيريمي غرينستوك عن تفاصيل صادمة تتعلق بدور رئيس الوزراء الأسبق توني بلير في الضغط على القيادة الفلسطينية. وأوضح غرينستوك أن بلير طالب السلطة الوطنية الفلسطينية بشكل صريح بحذف مسمى 'فلسطين' من الكتب المدرسية والمناهج التعليمية. واقترح بلير استخدام مصطلح 'السامرة'، وهو المسمى التوراتي للضفة الغربية المحتلة، كبديل للاسم الوطني التاريخي.
وأكد الدبلوماسي البريطاني السابق أن هذه المعلومات استقاها من مصدر وزاري رفيع، مشيراً إلى أن الطلب جاء بتوجيه من 'مجلس السلام' الذي أنشأته الإدارة الأمريكية السابقة. ويهدف هذا المقترح إلى إظهار السلطة الفلسطينية كطرف قادر على التوصل إلى تسوية نهائية مع الاحتلال الإسرائيلي. ومع ذلك، قوبل هذا الطلب برفض قاطع من الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي تمسك بالرواية الوطنية والمسميات التاريخية.
وشكك غرينستوك في قدرة توني بلير على لعب دور الوسيط المحايد في الصراع، واصفاً إياه بأنه يواجه صعوبات بالغة في مهامه الحالية. وأشار إلى أن سجل بلير في العراق وفلسطين منذ مغادرته الحكومة البريطانية يجعله طرفاً منحازاً في نظر الكثيرين. واعتبر أن محاولات التدخل في المناهج التعليمية تعكس غياب الفهم الحقيقي للعدالة والإنصاف وتاريخ القضية الفلسطينية المعقد.
وتأتي هذه التحركات في سياق نشاط مكثف لبلير الذي زار إسرائيل مؤخراً برفقة جاريد كوشنر ونيكولاي ملادينوف. وقد أجرى الوفد محادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لبحث مستقبل قطاع غزة ما بعد الحرب. كما شملت الجولة لقاءات في القاهرة مع شخصيات تكنوقراطية فلسطينية وأعضاء من حركة حماس لبحث ترتيبات الإدارة القادمة.
ووصف غرينستوك 'مجلس السلام' بأنه هيكل ضعيف ولجنة تعسفية لن يكون لها تأثير حقيقي على أرض الواقع. وأضاف أن هذا المجلس لا يمتلك القدرة على تحمل عبء القرارات الصعبة المتعلقة بمستقبل الأراضي الفلسطينية. ويرى المبعوث السابق أن تشكيل مثل هذه اللجان يفتقر إلى الشرعية اللازمة للتعامل مع الجانبين الفلسطيني والعربي بإنصاف واحترام متساوٍ.
وفي سياق متصل، حذر الدبلوماسي السابق من حملة عالمية تقودها إسرائيل وحلفاؤها لمحو الهوية الفلسطينية من المتاحف وكتب التاريخ. وأشار إلى أن السلطات الإسرائيلية بدأت بالفعل بفرض مناهجها التعليمية على عشرات الآلاف من الطلاب في مدارس القدس الشرقية. وتعتبر هذه الخطوة جزءاً من حملة قمع أوسع تستهدف التعليم الفلسطيني في كافة الأراضي المحتلة منذ عقود.
وتطرق غرينستوك إلى الأزمات التي واجهتها وكالة 'الأونروا' في لبنان، حيث تعرضت لضغوط مماثلة لتعديل خرائط الجغرافيا. وقد تم استبدال كلمة 'فلسطين' بمصطلحات 'الضفة الغربية' و'قطاع غزة' في بعض المواد الدراسية للصف السادس. وأثارت هذه التغييرات موجة من الإضرابات والاحتجاجات الشعبية الرافضة لأي مساس بالثوابت الوطنية الفلسطينية.
كما لفت التقرير إلى مطالبة نواب بريطانيين بالتحقيق في ممارسات المتحف البريطاني الذي قام بمحو مصطلحات تتعلق بفلسطين والاحتلال. وكشفت مصادر أن إدارة المتحف خضعت لضغوط من نشطاء مؤيدين لإسرائيل لإزالة أي إشارة للواقع الفلسطيني من المعروضات. ويعكس هذا التوجه محاولة ممنهجة لتغييب الرواية الفلسطينية في المؤسسات الثقافية الدولية الكبرى.
ووجه غرينستوك نداءً واضحاً للحكومة البريطانية الحالية بضرورة اتخاذ موقف حازم تجاه الممارسات الإسرائيلية غير القانونية. وشدد على أهمية الدفاع عن المبادئ الأساسية للقانون الدولي لضمان مصداقية السياسة الخارجية البريطانية. ودعا إلى إعادة النظر بجدية في صفقات الأسلحة التي تزود بها لندن الجانب الإسرائيلي في ظل استمرار الانتهاكات.
وفي موقف لافت، أكد المبعوث السابق على ضرورة التزام بريطانيا بتعهداتها الدولية تجاه المحكمة الجنائية الدولية. وقال إنه في حال وصول بنيامين نتنياهو أو يوآف غالانت إلى الأراضي البريطانية، يجب على السلطات اعتقالهما فوراً. ويأتي هذا التصريح استناداً إلى مذكرات التوقيف الصادرة بحقهما بتهم ارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية.
واعتبر غرينستوك أن التزام بريطانيا بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يفرض عليها ملاحقة أي شخص توجه إليه اتهامات رسمية. وأوضح أن التهرب من هذه المسؤولية يضعف النظام الدولي القائم على القواعد والعدالة. وتعد هذه التصريحات من أقوى المواقف الصادرة عن دبلوماسي بريطاني سابق تجاه القيادة الإسرائيلية الحالية.
وتشير التقارير إلى أن محاولات بلير وكوشنر تأتي ضمن رؤية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة الوعي الفلسطيني بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية. ويرى مراقبون أن استهداف المناهج التعليمية هو أخطر أنواع المواجهة لأنه يستهدف الأجيال القادمة. ومع ذلك، يظل الرفض الشعبي والرسمي الفلسطيني حائط صد أمام هذه المحاولات الدولية المتكررة.
إن الدفاع عن المناهج التعليمية الفلسطينية يمثل جزءاً لا يتجزأ من معركة الوجود والهوية في مواجهة الاحتلال. ويرى خبراء تربويون أن محاولات شطب اسم فلسطين لن تنجح في تغيير الحقائق التاريخية الراسخة في عقول الطلاب. وتستمر المؤسسات التعليمية الفلسطينية في مواجهة تحديات التمويل والضغوط السياسية الخارجية للحفاظ على استقلالية روايتها.
ختاماً، يضع كشف غرينستوك المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه حماية الحقوق الثقافية والتعليمية للشعب الفلسطيني. وتظل التحركات التي يقودها توني بلير تحت مسمى السلام محل ريبة وشكوك واسعة في الأوساط السياسية. ويبقى السؤال قائماً حول مدى قدرة الأطراف الدولية على فرض واقع جديد يتجاوز الحقوق الوطنية المشروعة للفلسطينيين.
المصدر:
القدس