آخر الأخبار

فاجعة بن قردان: أزمة اقتصادية واحتجاجات بعد غرق مهاجرين بتون

شارك

خيم الحزن والغضب على مدينة بن قردان الحدودية جنوب شرقي تونس، عقب فاجعة غرق قارب للهجرة غير النظامية أودى بحياة 12 شاباً من أبناء المنطقة. واندلعت اشتباكات بين محتجين وقوات الأمن تعبيراً عن حالة اليأس التي يعيشها سكان المدينة، الذين فقدوا أبناءهم في رحلة بحث عن حياة أفضل خلف البحار.

انطلق القارب المتهالك فجر التاسع عشر من أغسطس الجاري، وعلى متنه 15 شاباً كانوا يمنون النفس بالوصول إلى السواحل الإيطالية. ومع غياب أي تعقيب رسمي من الرئاسة أو الحكومة التونسية حتى اللحظة، أكدت مصادر أمنية أن عمليات البحث والتمشيط لا تزال مستمرة لانتشال جثث المفقودين الذين ابتلعهم البحر.

يرى مراقبون أن الأزمة الاقتصادية الخانقة في بن قردان هي المحرك الأساسي لهذه المآسي المتكررة، حيث يعتمد سكان المنطقة بشكل كلي على التجارة البينية مع ليبيا. ومع تزايد التضييقات على المعبر الحدودي وتراجع النشاط التجاري، وجد آلاف الشباب أنفسهم بلا مورد رزق أو أفق واضح للمستقبل.

أفادت مصادر حقوقية بأن فرض الاتحاد الأوروبي لتأشيرات الدخول منذ عقود جعل من الوصول إلى فضاء 'شينغن' حلمًا مستحيلاً للكثيرين. هذا الانسداد القانوني دفع الشباب لاختيار 'طريق الموت' عبر البحر، متأثرين بما يشاهدونه عبر منصات التواصل الاجتماعي من تجارب ناجحة لأقرانهم في أوروبا.

تتفاقم المعاناة في المناطق الحدودية التونسية نتيجة الجفاء السياسي بين السلطات الرسمية في تونس وغرب ليبيا، مما أدى لتعطل الاتفاقيات المشتركة. ويدفع المواطن البسيط ضريبة هذا التوتر السياسي من خلال تعطل مصالحه التجارية التي تمثل شريان الحياة الوحيد في ظل غياب الاستثمارات الحكومية.

انتقدت منظمات المجتمع المدني غياب خطة استراتيجية وطنية شاملة للتعامل مع ملف الهجرة واللجوء، واصفة المقاربات الحالية بأنها مجرد ردود أفعال. وأشارت المصادر إلى أن الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد الأوروبي تركز على الجوانب الأمنية والمالية دون معالجة الجذور العميقة للأزمة التنموية.

طالب نواب وممثلون عن الجهة بضرورة وضع خطة تنموية عاجلة تتضمن إنشاء مصانع ومؤسسات قادرة على استيعاب العاطلين عن العمل. واعتبروا أن غياب الدولة عن المناطق الحدودية وافتقارها للبنية التحتية الأساسية هو ما يدفع الشباب نحو الحلول الانتحارية والمخاطرة بحياتهم في عرض البحر.

الشباب الذي يشارك في الهجرة غير النظامية أصبحوا يعتبرون خطر استمرارهم في تونس أكبر من الخطر الموجود في البحر.

في المقابل، تؤكد السلطات التونسية أنها تبذل جهوداً مضنية لتحقيق التنمية المتوازنة في كافة الجهات رغم التحديات الدولية المتقلبة. إلا أن الواقع الميداني في الجنوب يشير إلى فجوة كبيرة بين الوعود الرسمية والاحتياجات المتزايدة للسكان الذين يعانون من ضائقة مالية مستمرة منذ عامين.

يشير باحثون في قضايا الهجرة إلى أن 'فقدان الأمل' بات عاملاً حاسماً يتجاوز الدوافع الاقتصادية التقليدية، حيث يبحث الشباب عن اعتراف بمواطنتهم وحريتهم. وأصبح الكثيرون يعتبرون أن البقاء في بيئة محبطة يمثل خطراً أكبر من مواجهة أمواج المتوسط، مما يفسر إصرار العائلات أحياناً على دعم أبنائها للهجرة.

تغيرت الصورة النمطية لمدينة بن قردان التي كانت تُعرف تاريخياً بالثراء الناتج عن التجارة الحدودية، لتتحول إلى منطقة طاردة لسكانها. وقد ساهم إنشاء الساتر الترابي الحدودي في القضاء على النموذج الاقتصادي المحلي القائم على التهريب المعيشي دون توفير بدائل اقتصادية مهيكلة.

أدى تآكل الوسائط التقليدية والدبلوماسية الشعبية التي كانت تقودها منظمات المجتمع المدني مع الجانب الليبي إلى تعقيد الوضع أكثر. ومع غياب هذه الوساطات، بقيت المشاكل العالقة في المعبر دون حلول، مما راكم الضغوط النفسية والمادية على الشباب والكهول على حد سواء.

تصر السلطات التونسية على نفي اتهامات التضييق على الحريات النقابية والحقوقية، مؤكدة التزامها بالدستور والقانون في التعامل مع كافة الملفات. ومع ذلك، يرى ناشطون أن المقاربة الأمنية الصرفة في معالجة ملف الهجرة أثبتت فشلها في الحد من تدفق المهاجرين أو حماية أرواحهم.

حذر خبراء من أن استمرار إغلاق الحدود وتضييق الخناق الاقتصادي دون تقديم بدائل حقيقية سيؤدي حتماً إلى انفجارات اجتماعية وشيكة. وتوقعوا أن تشهد الفترة المقبلة إما موجات احتجاجية عنيفة أو تصاعداً غير مسبوق في محاولات الهجرة الجماعية التي يصعب السيطرة عليها أمنياً.

تبقى فاجعة بن قردان جرحاً نازفاً يذكر بضرورة إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومناطق الظل الحدودية التي تعاني التهميش. إن إنقاذ الشباب التونسي لا يكمن في تشديد الرقابة على السواحل فحسب، بل في استعادة الأمل المفقود وتوفير مقومات العيش الكريم فوق تراب الوطن.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا