د. عكرمة صبري: القيم التي جسدها النبي صلى الله عليه وسلم بالوحدة والتسامح والأخلاق تمثل أساساً يمكن البناء عليه لتعزيز تماسك المجتمعات ومواجهة التحديات
الشيخ محمد حسين: إحياء ذكرى المولد النبوي يجب أن يكون مدخلاً لاستعادة القيم التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم وفي مقدمتها الوحدة والأخوّة والتسامح والتكافل
د. ماجد صقر: الاقتداء الحقيقي بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون بالشعارات وإنما بتحويل أخلاقه وسيرته إلى سلوك يومي في مناحي الحياة كافة
د. أيمن الدباغ: المجتمع الفلسطيني أحوج ما يكون إلى خلق النبي صلى الله عليه وسلم بالتسامح لما له من دور في "نزع فتيل أي إشكال وأي أزمة داخلية"
د. جمعة حمدان: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم شملت مختلف مجالات الحياة وجميع العالمين وذكرى مولده يجب أن تكون مناسبة عملية للعودة إلى هديه
أحمد أبو هشهش: النبي صلى الله عليه وسلم ترك إرثاً ومنهجاً عظيماً والالتزام به كفيل بإشاعة المحبة والمودة والوئام والسلام في أنحاء العالم
رام الله - خاص بـ"القدس"-
مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف هذا العام تتجدد الدعوات إلى عدم اختزالها في مظاهر الاحتفاء، بل تحويلها إلى مناسبة لاستحضار سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستلهام ما جسدته من قيم الوحدة والأخلاق والرحمة والتسامح والتكافل، بما يعزز تماسك المجتمع ويمنحه قدرة أكبر على مواجهة أزماته وتحدياته.
ويوضح رجال دين وأساتذة جامعات في العلوم الشرعية، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أنه تبرز في السيرة النبوية نماذج عملية لبناء الوحدة، في مقدمتها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وإزالة الفوارق والعصبيات، إلى جانب مواقف التسامح والعفو والرحمة التي جسدت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الإنسان والحيوان وسائر المخلوقات.
ويؤكدون هذا الإرث أن الاقتداء الحقيقي لا يتوقف عند الشعارات، وإنما يتحول إلى سلوك يومي داخل الأسرة والمجتمع والعمل والمسجد والشارع.
ويشددون على أنه في ظل الظروف التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، تكتسب هذه القيم أهمية خاصة، إذ تبرز الحاجة إلى تعزيز الوحدة ونبذ الخلافات والأحقاد والتعصب، واستعادة معاني الأخوة والتسامح والتكافل، بما يسهم في نزع فتيل الأزمات الداخلية وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات، ومن هنا، تبدو ذكرى المولد فرصة عملية للعودة إلى الهدي النبوي وجعل أخلاقه منهجاً حاضراً في الحياة اليومية.
مناسبة ينبغي استثمارها
يؤكد رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس وخطيب المسجد الأقصى، الشيخ د. عكرمة صبري، أن ذكرى المولد النبوي الشريف تمثل مناسبة كريمة ينبغي للمسلمين استثمارها في مراجعة تصرفاتهم وتقييم أعمالهم، مشدداً على أن الاحتفاء الحقيقي بهذه الذكرى يكون من خلال دراسة السيرة النبوية والالتزام بهدي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقيمه وأخلاقه.
تعزيز السيرة النبوية في حياة الأجيال الصاعدة
ويشدد صبري على أن كل حدث في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يحمل عبرة وعظة ويحتاج إلى دراسة وتحليل، داعياً إلى تعزيز حضور السيرة النبوية في حياة الأجيال الصاعدة، من خلال استمرار المعلمين والمعلمات والوعاظ والواعظات في شرحها وتقديم دروسها للأجيال، بما يجعل الذكرى مناسبة عملية للتأسي بالنبي وليس مجرد احتفاء بها.
ويوضح صبري أن الالتزام بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يشكل جوهر الاحتفاء بالمولد النبوي، مشيراً إلى أن السيرة تقدم نماذج واضحة في الوحدة والتسامح والأخلاق يمكن الاستفادة منها في بناء المجتمع وتعزيز تماسكه.
ويؤكد صبري أن الرسول صلى الله عليه وسلم ركز على مبدأ الوحدة منذ هجرته إلى المدينة المنورة، حيث عمل على تحقيق المساواة بين المهاجرين والأنصار، كما أصلح بين قبيلتي الأوس والخزرج، مؤكداً أن رسالته كانت رسالة وحدوية قائمة على التوحيد.
أما في التسامح، فيتوقف صبري عند موقف النبي صلى الله عليه وسلم عند دخوله مكة المكرمة، حين أعلن العفو عن أهلها رغم ما تعرض له منهم من إساءة وحرب، وقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، معتبراً أن هذا الموقف يجسد جانباً من القيم الحضارية والأخلاق السامية التي حفلت بها سيرته.
أهمية استحضار أخلاق الرسول في هذه الظروف
ويشدد صبري على أن المجتمع المسلم والعربي والفلسطيني بشكل خاص، في ظل الظروف التي يمر بها، هو بأمسّ الحاجة إلى استحضار أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم والالتزام بها، مؤكداً أن القيم التي جسدها النبي في الوحدة والتسامح والأخلاق تمثل أساساً يمكن البناء عليه لتعزيز تماسك المجتمعات ومواجهة التحديات.
ويدعو صبري إلى عدم فصل ذكرى المولد عن السيرة النبوية، مؤكداً أن الاستفادة الحقيقية منها تتحقق حين تتحول دروسها وعبرها إلى سلوك وممارسة، وتصبح أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم حاضرة في حياة الأفراد والمجتمع.
أهمية التأسي بسيرة النبي وسنته ومنهجه
يؤكد مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين أن ذكرى المولد النبوي الشريف تمثل مناسبة لاستحضار الرسالة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما حملته من معاني الأخلاق والتعاون والإنسانية، مشدداً على أهمية التأسي بسيرته وسنته ومنهجه في مواجهة الهموم والأزمات التي تعاني منها الشعوب العربية والإسلامية.
ويشدد حسين على أن ذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم هي "ذكرى عطرة" تحل على المسلمين في مختلف أنحاء العالم، مشيراً إلى أن بعثته أحدثت تجديداً في معاني الأخلاق والتعاون والإنسانية، ولا سيما لدى الأمة العربية ثم الأمة الإسلامية، مؤكداً أن النبي جاء "رحمة للعالمين"، مستشهداً بقول الله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
عالمية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم
ويوضح حسين أن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تميزت بعالميتها وعمومها للبشرية، باعتباره رسول الإنس والجن وخاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي ولا رسول بعده، لافتاً إلى أن الدعوة الإسلامية التي بعث بها هي رسالة عامة للبشرية جمعاء، ورسالة خاتمة لكل الرسالات والنبوات، وتستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ويؤكد حسين أن هذه المناسبة تشكل فرصة للتأسي بخطوات النبي صلى الله عليه وسلم وسنته الشريفة ومنهجه الحكيم القويم، بما يساعد الأمة على تجاوز الهموم والغمّة التي تعاني منها الشعوب العربية والإسلامية، معرباً عن أمله في أن تكون ذكرى المولد النبوي حافزاً لاقتفاء سنة النبي والاقتداء بأصحابه الذين حملوا دعوته إلى العالمين بما اتسمت به من رحمة وعالمية ويسر، فيما هنأ مفتي القدس أبناء الشعب الفلسطيني وأبناء الأمة العربية والإسلامية بهذه الذكرى، سائلاً الله أن يعيدها على الأمة الإسلامية بالعز والنصر والكرامة.
من أصول الدعوة الإسلامية
وفي حديثه عن الدروس التي يمكن استلهامها من السيرة النبوية، يشدد حسين على أن الأخلاق والوحدة والتسامح والتكافل ليست معاني هامشية في الإسلام، وإنما هي من أصول الدعوة الإسلامية، وقد جسدها النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً.
ويدعو حسين إلى استحضار هذه القيم في الحياة اليومية والاقتداء بما سار عليه الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان، حتى تستعيد الأمة معاني الأخوة والوحدة والتسامح والتكافل، وتكون جديرة بمواصلة حمل الرسالة وأداء الأمانة، ليس لأبنائها فحسب، وإنما للبشرية جمعاء.
مدخل لاستعادة السلوك والقيم التي أرساها النبي
ويشير حسين إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الناس من ظلمات الجهل والغواية والضلالة إلى نور الهداية والإسلام والإيمان، مؤكداً أن المسلمين عاشوا بعز هذه الرسالة قروناً وأزمنة مديدة، وأن استعادة معانيها تتطلب التمسك بقيمها الأخلاقية والإنسانية.
ويؤكد حسين أن إحياء ذكرى المولد النبوي لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بالمناسبة، بل يجب أن يكون مدخلاً لاستعادة السلوك والقيم التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتها الوحدة والأخوة والتسامح والتكافل، بما يعزز قدرة الأمة على حمل الدعوة والأمانة ومواصلة رسالتها الإنسانية.
الاقتداء لا يكون بالشعارات
يؤكد مدير دائرة إعداد الدعاة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية د. ماجد صقر أن ذكرى المولد النبوي الشريف تمثل مناسبة لاستلهام دروس النبوة في الوحدة والتسامح والرحمة والأخلاق، مشدداً على أن الاقتداء الحقيقي بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون بالشعارات، وإنما بتحويل أخلاقه وسيرته إلى سلوك يومي في كافة مناحي الحياة سواء في داخل البيت أو المجتمع أو العمل أو المسجد أو الشارع.
ويؤكد صقر أنه من الممكن النظر إلى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه "مولد مرتين"، الأولى عند خروجه إلى الحياة، والثانية، وهي الأهم، عند بعثته، حين أرست بعثته منهجاً سماوياً محفوظاً إلى قيام الساعة.
مبدأ الوحدة
ويعتبر صقر أن من أبرز دروس النبوة مبدأ الوحدة، الذي تحتاج إليه الساحة الفلسطينية بصورة ملحة، مستحضراً مؤاخاة النبي بين المهاجرين والأنصار، ومؤكداً أن الفلسطينيين أحوج ما يكونون اليوم إلى الوحدة ونصرة الأسرى والقرى والمسجد الأقصى.
إقامة العدل ومحاربة الظلم
ويشير صقر إلى أن الدرس الثاني يتمثل في تحقيق هدف بعثة الرسل جميعاً، وهو إقامة العدل ومحاربة الظلم، إلى جانب تحقيق السلم الأهلي والتسامح والرحمة، مستشهداً بقوله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
رحمة النبي لم تقتصر على البشر
ويوضح صقر أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقتصر على البشر، بل شملت الحيوان والنبات أيضاً، مستشهداً بموقفه مع أهل مكة وقوله لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وبقصته مع الجمل الذي شكا إليه من صاحبه الذي كان يجوعه ويحمله فوق طاقته، فقال النبي لصاحبه: "أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها".
ويستحضر صقر قصة جذع النخلة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكئ عليه أثناء خطبه، فلما صنع له منبر وسمع حنين الجذع، نزل ومسح عليه حتى سكن، باعتبارها صورة أخرى من صور رحمته.
ويؤكد صقر أن أعظم ما ينبغي استحضاره هو أخلاق النبي، مشيراً إلى قول الله تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم"، متسائلاً عن مدى التزام المسلمين بهذه الأخلاق في بيوتهم وتربيتهم لأبنائهم وشوارعهم ومساجدهم وأعمالهم.
وينتقد صقر ممارسات تتناقض مع الاقتداء بالنبي، مثل إغلاق الطرق بحجة الصلاة أو الأعراس، والحسد والحقد وحرمان الأخوات من الميراث، مؤكداً أن المحبة الحقيقية تستوجب الطاعة والاقتداء، مستشهداً بالبيت الشعري: "لو كان حبك صادقاً لأطعته.. إن المحب لمن يحب مطيع".
تحويل القيم إلى ممارسة يومية
يؤكد الأكاديمي والمحاضر في كلية الشريعة بجامعة النجاح الوطنية د. أيمن الدباغ أن ذكرى المولد النبوي الشريف تمثل مناسبة لاستحضار الدروس والمعاني التي تزخر بها حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خصوصاً في التسامح والوحدة والأخلاق، مشدداً على أن الاقتداء بالنبي وتحويل هذه القيم إلى ممارسة يومية يمكن أن يساهما في معالجة الأزمات والنزاعات داخل المجتمع.
ويوضح الدباغ أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم "مليئة بالعبر التي تفيد الفرد والمجتمع"، مستشهداً بقوله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وبقوله سبحانه: "وإنك لعلى خلق عظيم".
التسامح من أبرز صفات النبي
ويشير الدباغ إلى أن التسامح كان من أبرز صفات النبي، إذ تعامل به مع الصغار والكبار، والمسلمين وغير المسلمين، حتى أصبحت سيرته نموذجاً في هذا الخلق.
ويبيّن الدباغ أن التسامح يسهم في إزالة الأحقاد والضغائن بين أفراد المجتمع، ويعزز الوحدة، ويزيل أسباب المشكلات والنزاعات، مستشهداً بموقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، حين عفا عن أهلها رغم ما تعرض له المسلمون منهم، وقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
المجتمع الفلسطيني الأحوج لخلق التسامح
ويؤكد الدباغ أن المجتمع الفلسطيني أحوج ما يكون اليوم إلى هذا الخلق، لما يمكن أن يؤديه التسامح من دور في "نزع فتيل أي إشكال وأي أزمة داخلية"، داعياً إلى الحرص عليه والاقتداء بالنبي فيه.
ويؤكد الدباغ أن الوحدة كانت من أولويات النبي صلى الله عليه وسلم في تأسيس المجتمع الإسلامي، مستشهداً بمؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وعمله على تثبيت أسس الوحدة، لافتاً إلى أن التوحيد نفسه يمثل عنواناً للوحدة وانعكاساً لها في المجتمع.
ضرورة تجاوز الفوارق الاجتماعية
ويشدد الدباغ على ضرورة تجاوز الفوارق الاجتماعية والمالية والعصبية والقبلية والعرقية، باعتبارها من العوامل التي تزعزع وحدة المجتمع، مشيراً إلى أن العبادات الجماعية تعزز هذه الوحدة، وأن رحمة المسؤول بالناس ورأفته بهم من أسباب تماسكهم، مستشهداً بقوله تعالى: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك".
ويشير الدباغ إلى موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندما حاول أحد اليهود في المدينة المنورة إثارة الخلاف بين المهاجرين والأنصار، فغضب وقال: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟"، مذكراً إياهم بنعمة الإسلام التي جمعتهم.
أخلاق النبي نبراس للحياة
ويدعو الدباغ إلى جعل محبة النبي والاقتداء بأخلاقه ورحمته وحرصه على الوحدة نبراساً للحياة، وإزالة العوامل التي تفرق المجتمع، والتوحد على العقيدة والدين، مؤكداً أن إدراك مواجهة خطر مشترك يفرض الوحدة، لأن عدمها يعني أن "الجميع سيخسر".
الاقتداء بهديه يمثل سبيلاً للخروج من الأزمات
يؤكد الأكاديمي والمحاضر في برنامج التربية الإسلامية بجامعة القدس المفتوحة وإمام مسجد البيرة الكبير د. جمعة حمدان أن ذكرى المولد النبوي الشريف تمثل مناسبة لاستحضار معاني الرحمة والأخلاق والوحدة والتسامح التي جسدها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مشدداً على أن الاقتداء بهديه يمثل سبيلاً للخروج من الصراعات والأزمات التي يعيشها المجتمع.
رسول الرحمة
ويوضح حمدان أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه القرآن الكريم بأنه "بالمؤمنين رؤوف رحيم"، وأن الله سبحانه وتعالى قال عنه: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، مؤكداً أن مولده كان "مولد خير ومولد رحمة"، بغض النظر عن الخلاف الفقهي حول الاحتفال بذكرى المولد.
ويشير حمدان إلى أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقتصر على فئة أو جماعة، وإنما شملت مختلف مجالات الحياة وجميع العالمين، مستشهداً بمواقفه تجاه من خالفوه وحاربوا دعوته، ومن ذلك رفضه الانتقام من أهل الطائف عندما عرض عليه أن يقوم ملك الجبال بإطباق الجبلين عليهم، فكان دعاؤه: "أمتي أمتي".
ويشير حمدان إلى أن رحمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم امتدت إلى الحيوانات والجمادات، مستشهداً بالحديث عن المرأة التي دخلت النار بسبب هرة حبستها، والمرأة التي دخلت الجنة بعدما سقت كلباً من شدة العطش. ويلفت حمدان إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي الجيوش والسرايا عند خروجها بتقوى الله، وينهاها عن قتل الأطفال والشيوخ والنساء، وعن قطع الأشجار وهدم البيوت والاعتداء على العابد في صومعته.
ويشدد حمدان على أن مخالفة بعض المسلمين لهدي النبي لا تمثل حجة على الإسلام، مؤكداً أن الإسلام دين الله الذي أنزله ليكون رحمة للعالمين، وأن امتثال الناس لتعاليمه كان سيجنبهم كثيراً من القضايا والمشكلات والصعوبات، مشيراً إلى أن غير المسلمين في فترات ازدهار الحكم الإسلامي عرفوا الأمن والطمأنينة.
درس مهم في بناء المجتمع
ويشدد حمدان على أن أول ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى المدينة المنورة كان المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، معتبراً أن هذا النموذج يقدم درساً في بناء المجتمع ووحدته على أساس الأخوة.
ويؤكد حمدان أن الأمة لا يمكن أن تتوحد إلا بالتمسك بدين الله، محذراً من تحول الدنيا إلى غاية والصراع على المناصب والأموال والسيادة والسيطرة.
ويدعو حمدان إلى أن تكون ذكرى المولد النبوي مناسبة عملية للعودة إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، سائلاً الله أن يعيدها وقد رفعت راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وأن يعز المسلمين بالإسلام ويعز الإسلام بهم.
أحيا أمة كانت تعيش في ظلمات التناحر والخلاف
يؤكد الداعية والأكاديمي المحاضر في كلية الشريعة بجامعة الخليل، أحمد أبو هشهش، أن ذكرى المولد النبوي الشريف تمثل مناسبة لاستلهام الدروس النبوية في الوحدة والتسامح والتراحم والأخلاق، مشدداً على أن ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم "أحيا أمة" بعد أن كانت تعيش في ظلمات التناحر والخلاف، وجمع كلمتها وأعاد إليها النور.
منهج كفيل بإشاعة المحبة والسلام
ويوضح أبو هشهش أن ذكرى المولد النبوي تجدد التأكيد على أن الأمة قادرة على استعادة وحدتها ومواجهة الصعوبات والتحديات إذا سارت على نهج النبي صلى الله عليه وسلم.
ويؤكد أبو هشهش أن النبي ترك إرثاً ومنهجاً عظيماً، وأن الالتزام به كفيل بإشاعة المحبة والمودة والوئام والسلام، ليس بين المسلمين وحدهم، بل في أنحاء العالم، باعتبار أن رسالته عالمية سامية خالدة لكل الإنسانية.
وفي ما يتعلق بكيفية تحويل معاني الوحدة والتسامح من سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى تطبيق عملي، يؤكد أبو هشهش أن الوحدة لا يمكن أن تقوم إلا على كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى الحديث الذي أورده في هذا السياق: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي".
ويشدد أبو هشهش على أن التمسك بالكتاب والسنة قولاً وعملاً ومنهجاً يقود بصورة طبيعية إلى الوحدة والوئام والتسامح والتراحم.
استعادة الوحدة مهمة للفلسطينيين
ويربط أبو هشهش هذه المعاني بالواقع الفلسطيني، قائلاً: "إن الشعب الفلسطيني يعيش في مواجهة (عدو غاشم) يجثم على صدور الفلسطينيين ويدنس المقدسات ويقتل الأطفال، ولذلك فإن استعادة الوحدة تصبح ضرورة لمواجهة التحديات.
ويشير أبو هشهش إلى أن النموذج النبوي في بناء المجتمع بعد الهجرة إلى المدينة المنورة يقدم دروساً عملية في هذا المجال، إذ بدأ النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد، ثم أقام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ووضع أسس التعامل مع غير المسلمين.
ويوضح أبو هشهش أن المسجد يستطيع أداء دور أساسي في نشر المحبة والتسامح والإخاء والتعاون، فيما تمثل المؤاخاة نموذجاً يمكن استلهامه لإعادة بناء اللحمة بين أبناء المجتمع الفلسطيني، الذي يعيش تحت احتلال واحد، ويجمع أبناءه وطن وكتاب واحد، فيما لا يميز الاحتلال بين أبيض وأسود أو أصفر أو أخضر.
وفي شأن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، يوضح أبو هشهش أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع قواعد للتعامل مع غير المسلمين، مؤكداً أن الاعتداء على أي كتابي مسالم أمر مرفوض، مستحضراً أن المسلمين عاشوا مع النصارى واليهود فترات ذهبية.
ويشدد أبو هشهش على أن الفلسطينيين مهما اختلفت دياناتهم لديهم هدف واحد هو الخلاص من الاحتلال، وينبغي أن يمدوا أيديهم لكل من يحافظ على حقوقهم وثوابتهم، وأن يعيشوا كأمة واحدة، مؤكداً أن ذكرى المولد دعوة لاستعادة الوحدة واللحمة والتراحم في مواجهة التحديات.
المصدر:
القدس