آخر الأخبار

تركيا تطلب نشرة حمراء ضد نتنياهو: هل يمكن اعتقاله؟

شارك

بدأت السلطات التركية تحركات قانونية مكثفة لملاحقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دولياً، عبر طلب إصدار 'نشرة حمراء' من منظمة الإنتربول. وتأتي هذه الخطوة في سياق قضية تنظر فيها محكمة الجنايات العليا في إسطنبول، تتعلق بالاعتداء على 'أسطول الصمود العالمي' الذي كان متجهاً لكسر الحصار عن قطاع غزة.

أوضح وزير العدل التركي، أكين غورليك أن الإجراءات القضائية تشمل 35 متهماً، وقد صدرت بالفعل أوامر قبض محلية بحق نتنياهو ومسؤولين آخرين منذ يوليو الماضي. وتهدف أنقرة من خلال هذه الوثائق إلى تعميم ملاحقة هؤلاء المسؤولين عبر القنوات الأمنية الدولية، لضمان عدم إفلاتهم من العقاب على الجرائم المنسوبة إليهم.

تتضمن لائحة الاتهام التركية جرائم بالغة الخطورة، على رأسها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، بالإضافة إلى التعذيب والاحتجاز غير القانوني للناشطين. ومع ذلك، فإن المسار القانوني للوصول إلى اعتقال فعلي يواجه عقبات معقدة تبدأ من داخل أروقة منظمة الإنتربول نفسها وقواعدها الصارمة.

يؤكد خبراء قانونيون أن النشرة الحمراء لا تعني بالضرورة تحول نتنياهو إلى مطلوب يمكن توقيفه في أي مطار فوراً، إذ إن الإنتربول لا يملك قوة تنفيذية خاصة به. فالمنظمة تعمل كمنصة لتبادل المعلومات، ويبقى قرار الاعتقال خاضعاً للسيادة الوطنية والقوانين المحلية لكل دولة عضو يزورها الشخص المطلوب.

تخضع طلبات النشرات الحمراء لمراجعة دقيقة للتأكد من عدم مخالفتها للمادة الثالثة من دستور الإنتربول، التي تفرض الحياد التام في النزاعات السياسية والعسكرية. وقد يجد الإنتربول نفسه في موقف حرج للموازنة بين خطورة الاتهامات الجنائية وبين الطبيعة السياسية والعسكرية الواضحة للصراع القائم.

تبرز قضية الحصانة السيادية كأحد أكبر التحديات القانونية أمام الطلب التركي، حيث يتمتع رؤساء الحكومات بحماية خاصة بموجب القانون الدولي أثناء وجودهم في مناصبهم. وتشير السوابق القضائية الدولية إلى أن المحاكم الوطنية غالباً ما تصطدم بحائط الحصانة الشخصية عند محاولة ملاحقة مسؤولين أجانب رفيعي المستوى.

استندت منظمة الإنتربول في حالات سابقة، مثل قضية 'أغيم تشيكو' عام 2006، إلى مبدأ تعليق طلبات الملاحقة بحق المسؤولين الذين يتمتعون بالحصانة. هذا التوجه يعكس التزام المنظمة بالاجتهادات الدولية التي أقرتها محكمة العدل الدولية، والتي تمنع الولاية الجنائية للمحاكم الوطنية على وزراء ورؤساء الدول الأجنبية.

النشرة الحمراء ليست مذكرة توقيف دولية، والإنتربول ليس جهاز شرطة عالميًا يستطيع تنفيذ الاعتقالات بنفسه، بل هو قناة لتنسيق التعاون بين الدول الأعضاء.

يجب التمييز بوضوح بين المسار التركي الحالي وبين مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو ويوآف غالانت. فالمحكمة الجنائية هي هيئة دولية لا تعترف بالحصانات الرسمية بموجب نظام روما الأساسي، بخلاف المحاكم الوطنية التي تطلب تعاون الإنتربول.

إن صدور مذكرة من الجنائية الدولية لا يلزم الإنتربول آلياً بقبول الطلب التركي، نظراً لاختلاف الأسس القانونية بين المحكمتين. فبينما تستمد الجنائية الدولية سلطتها من معاهدة دولية، يعتمد طلب أنقرة على ولاية قضائية وطنية تسعى للتمدد عالمياً عبر منظمة شرطية.

في حال وافق الإنتربول على الطلب التركي، فإن ذلك سيمثل ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً هائلاً على تحركات نتنياهو الخارجية، حتى لو لم يؤدِ للاعتقال. ستصبح الدول الأعضاء في المنظمة على دراية رسمية بالاتهامات التركية، مما قد يدفع بعضها لتقييد استقباله تجنباً للحرج القانوني أو الشعبي.

تظل عملية التسليم مساراً مستقلاً تماماً ومعقداً، حيث تتطلب إجراءات قضائية مطولة داخل الدولة التي قد يتم فيها التوقيف المفترض. ويشمل ذلك فحص الأدلة المقدمة من تركيا والتأكد من توافق الجرائم المدعى بها مع الاتفاقيات الثنائية أو الدولية لتبادل المجرمين.

أفادت مصادر مطلعة بأن وزارة الخارجية التركية تتابع الملف عن كثب بالتنسيق مع وزارتي العدل والداخلية لضمان استيفاء كافة المتطلبات الفنية. وتعتبر أنقرة أن هذه الخطوة هي جزء من معركة قانونية أوسع لمحاسبة القيادة الإسرائيلية على ممارساتها في الأراضي الفلسطينية والبحار الدولية.

يضع هذا الطلب منظمة الإنتربول أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها وقدرتها على التعامل مع قضايا الجرائم الدولية الكبرى بعيداً عن الضغوط السياسية. فرفض الطلب قد يُفسر كحماية للمسؤولين من المحاسبة، بينما قبوله قد يُنظر إليه كخروج عن مبدأ الحياد التقليدي للمنظمة.

ختاماً، فإن 'النشرة الحمراء' تظل أداة قانونية قوية لكنها ليست حلاً سحرياً لإغلاق حدود العالم، خاصة في ظل تداخل السياسة بالقانون الدولي. وتبقى الخطوة التركية محاولة جادة لتوسيع نطاق الملاحقة القضائية لنتنياهو، واختباراً لمدى فاعلية المؤسسات الدولية في مواجهة اتهامات الإبادة الجماعية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا