تتصاعد حدة التوتر في بلدة قصرة الواقعة جنوب شرقي مدينة نابلس، حيث تفرض مجموعات من المستوطنين حصاراً مشدداً على منازل المواطنين في منطقة رأس العين منذ عدة أيام. وتتزامن هذه الاعتداءات مع تحركات عسكرية مكثفة لجيش الاحتلال الذي يدعي العمل على فض تجمعات المستوطنين، في حين تؤكد الوقائع الميدانية توفيره الحماية لهم.
وأثارت هذه التطورات ردود فعل دولية لافتة، حيث وصف السفير الأمريكي لدى تل أبيب، مايك هاكابي، ممارسات المستوطنين بأنها سلوك "بلطجي" و"مقيت". وجاءت هذه التصريحات القوية بعد استهداف المستوطنين لعائلة فلسطينية يحمل أحد أفرادها الجنسية الأمريكية، مما دفع واشنطن للمطالبة بوقف أعمال الترهيب فوراً.
وبدأ الحصار الفعلي يوم الأحد الماضي عندما نصب مستوطنون خيمة بالقرب من منازل الفلسطينيين، وشرعوا في قطع خطوط المياه والكهرباء ومنع وصول الإمدادات الغذائية والطبية. ورغم إعلان جيش الاحتلال تفكيك بعض هذه الخيام، إلا أن شهادات السكان تؤكد بقاء المستوطنين في محيط المنطقة وتحت حماية الجنود.
من جانبه، أعلن جيش الاحتلال تحويل منطقة رأس العين إلى منطقة عسكرية مغلقة، زاعماً أن الهدف هو حماية السكان والحد من احتكاك المستوطنين بهم. ومع ذلك، رصدت مصادر محلية انتشار جنود الاحتلال فوق أسطح المنازل الفلسطينية واستخدامها كنقاط مراقبة عسكرية، مما فاقم من معاناة العائلات المحاصرة.
وأفاد رئيس بلدية قصرة، عبد العظيم وادي، بأن الرواية الإسرائيلية حول إخلاء المستوطنين تتناقض تماماً مع الواقع الذي يعيشه الأهالي على الأرض. وأوضح وادي أن قوات الاحتلال استولت فعلياً على سبعة منازل فلسطينية بعد إجبار سكانها على المغادرة، محولة إياها إلى ثكنات عسكرية تخدم أهداف المستوطنين.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن نحو 20 عائلة فلسطينية أُجبرت على ترك منازلها في مناطق مختلفة من البلدة نتيجة الضغوط العسكرية وتهديدات المستوطنين المستمرة. وتواجه ثلاث عائلات في منطقة رأس العين ظروفاً إنسانية قاسية في ظل انقطاع كامل للخدمات الأساسية ومنع وصول المساعدات الإنسانية إليها.
وتتمتع منطقة رأس العين بأهمية استراتيجية بالغة نظراً لارتفاعها الذي يصل إلى 930 متراً فوق سطح البحر، مما يجعلها تشرف على مساحات واسعة من الضفة الغربية. ويسعى المستوطنون للسيطرة الكاملة على هذه التلة التي أطلقوا عليها اسم "عرين الأسد" منذ بدء محاولات الاستيلاء عليها قبل عدة أشهر.
ورغم أن المنطقة مصنفة ضمن فئة (ب) وفق اتفاقيات أوسلو، حيث تمتلك السلطة الفلسطينية صلاحيات مدنية فيها، إلا أن السيطرة الأمنية الإسرائيلية المطلقة تحول دون حماية المواطنين. ويرى مراقبون أن صمود أهالي قصرة في أراضيهم يمثل العائق الوحيد أمام مخططات التوسع الاستيطاني في هذه المنطقة الحيوية.
وفي سياق متصل، وثقت مقاطع فيديو تداولها ناشطون وجود عشرات المستوطنين في محيط المنازل المأهولة، بينما يتمركز الجنود في وضعيات قتالية فوق المباني السكنية. وتكشف هذه المشاهد زيف الادعاءات الإسرائيلية حول محاولة ضبط المستوطنين، حيث يظهر التنسيق الواضح بين الطرفين في ترهيب السكان.
وقالت عائشة حسن، وهي إحدى المتضررات من الحصار إن إزالة خيمة المستوطنين لم تكن سوى إجراء صوري، إذ لا يزال المستوطنون يتواجدون في التلال القريبة. وأضافت أن إغلاق المنطقة عسكرياً يمنع الأقارب والمتطوعين من إيصال الطعام والدواء للأطفال وكبار السن المحاصرين داخل بيوتهم.
وبالتوازي مع أحداث قصرة، أقدمت سلطات الاحتلال على خطوة تصعيدية أخرى بإعادة افتتاح مستوطنة "غانيم" شمال الضفة الغربية بعد عقدين من إخلائها. وشارك وزير الأمن يسرائيل كاتس في مراسم الافتتاح، مؤكداً توجه الحكومة اليمينية نحو تعزيز الاستيطان ورفض أي انسحابات مستقبلية من الأراضي الفلسطينية.
وتستعد عشرات العائلات الاستيطانية للانتقال إلى وحدات سكنية جاهزة في "غانيم"، التي كانت قد أُخليت عام 2005 ضمن خطة فك الارتباط. وتعكس هذه العودة الممنهجة للمستوطنات المخلاة سياسة حكومة نتنياهو الهادفة إلى تقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
ويرى رئيس بلدية قصرة أن الضغوط الدولية، وخاصة الموقف الأمريكي الأخير، ساهمت في تسليط الضوء على معاناة البلدة، لكنها لم تترجم بعد إلى إجراءات فعلية على الأرض. وطالب وادي بضرورة وجود تدخل دولي عاجل لحماية المدنيين ورفع الحصار العسكري والتمويني المفروض على منطقة رأس العين.
وتأتي هذه التطورات في ظل مناخ سياسي مشحون داخل إسرائيل مع اقتراب الانتخابات التشريعية، حيث يتنافس وزراء اليمين على إظهار دعمهم المطلق للمستوطنين. ويخشى الفلسطينيون أن تكون أحداث قصرة وإعادة افتتاح المستوطنات مقدمة لموجة أوسع من التهجير القسري في مختلف مناطق الضفة الغربية.
المصدر:
القدس