شهدت أروقة البرلمان الأردني حراكاً سياسياً لافتاً قاده نواب التيار الإسلامي، للمطالبة بتحديد موقف رسمي تجاه التحالف الدفاعي الثلاثي الناشئ بين السعودية وتركيا وباكستان. واقتصرت ردود الفعل الأولية على نواب حزب جبهة العمل الإسلامي، الذين دعوا إلى ضرورة انخراط عمان في هذا المسار الإستراتيجي الجديد.
وخلال جلسة برلمانية عقدت مؤخراً، طالب النائب أيمن أبو الرب بلاده بالانضمام الفوري لهذا التحالف، معتبراً إياه نواة لتحالف عربي إسلامي واسع. وأشار أبو الرب إلى أن هذا التكتل يمثل ضرورة لمواجهة المخاطر التي تستهدف المنطقة من جهات دولية وإقليمية متعددة، خاصة في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة.
من جانبه، حث النائب محمد عقل الحكومة الأردنية على عقد اجتماع تشاوري مغلق مع أعضاء مجلس الأمة لبحث الرؤية الوطنية تجاه هذا التحالف الإستراتيجي. واعتبر عقل أن التحالف خطوة لا يمكن تجاهلها، مشدداً على أهمية وجود مسار أردني يوازن بين المصالح الوطنية والمتغيرات الكبرى في ميزان القوى الإقليمي.
وفي مقابل هذا الحراك، خيم الصمت على أحزاب الوسط الأردنية، وهو ما أرجعه مراقبون إلى انتظار هذه الأحزاب لبلورة موقف رسمي من قبل مؤسسات الدولة. ويبدو أن عمان لم تكن في صورة الترتيبات النهائية قبل إعلان التحالف، مما جعل التريث سيد الموقف في الدوائر الرسمية حتى اللحظة.
وترتبط عمان بعلاقات عسكرية ودفاعية متينة جداً مع كل من الرياض وإسلام آباد، مما يجعل الانضمام للتحالف أمراً منطقياً من الناحية الفنية. إلا أن العلاقة مع أنقرة لا تزال تعاني من بعض التحفظات الكلاسيكية القديمة، رغم التطور الملحوظ الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال العام الماضي.
وأفادت مصادر مطلعة بأن الحسابات الأردنية قد لا تنسجم بالضرورة مع كافة تفاصيل التحالف الجديد، خاصة في ظل الضغوط الناتجة عن المواجهة الأمريكية الإيرانية. وتجد الدولة نفسها مضطرة للموازنة بين تحالفاتها التقليدية وبين المتغيرات الطارئة التي تفرضها الحرب الإقليمية الباردة وتداعياتها اليومية.
ويرى الخبير السياسي جواد العناني أن المشهد الحالي يفرض تحديات تتحول تدريجياً إلى احتياجات وطنية ملحة تتطلب حالة تشاور دائمة بين صانع القرار والقوى السياسية. وأكد العناني أن منطق التوازنات الإقليمية يتطلب مرونة عالية في التعامل مع أي اصطفافات جديدة قد تؤثر على الأمن القومي.
وفي سياق متصل، اعتبر البرلماني محمد حجوج أن التحالف الثلاثي يمكن أن يكون مفيداً للأردن وبقية الدول العربية إذا وجه جهوده لمواجهة أطماع اليمين الإسرائيلي. وحذر حجوج من تشتيت الجهود في تحالفات طارئة لا تخدم القضية المركزية أو تؤدي إلى استقطابات لا طائل منها في المرحلة الراهنة.
ويسعى نواب كتلة حزب جبهة العمل الإسلامي إلى تبديد المخاوف الرسمية المتعلقة بالدور التركي داخل هذا التحالف، مؤكدين على أهمية الثقل العسكري التركي. ويرى هؤلاء أن التموضع الأردني يجب أن ينطلق من حسابات المصالح العليا وتجاوز الحساسيات التاريخية مع أنقرة لتعزيز الجبهة الداخلية.
وبحسب تقديرات السياسي مروان الفاعوري، فإن التقارب مع تركيا في إطار هذا التحالف يهدف بالأساس إلى حماية المصالح الأردنية العليا في مواجهة التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة. ودعا الفاعوري المقاربات الرسمية إلى مغادرة منطقة التردد والتحفظ، ودراسة حيثيات التحالف بأسرع وقت ممكن لضمان عدم البقاء في عزلة.
ورغم التحذيرات الرسمية المستمرة من مخاطر الائتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل، إلا أن أي قرار بالانضمام لتحالفات جديدة يستلزم تنسيقاً عميقاً مع القاهرة. وتعتبر مصر الشريك الإستراتيجي الأول للأردن، حيث يمثل موقفها عنصراً حاسماً في صياغة أي توجه أردني نحو بناء شراكات إقليمية دفاعية جديدة.
وتشير القراءات السياسية إلى أن المؤسسة الأردنية قد تفضل البقاء في دائرة الصمت الدبلوماسي والحياد الإيجابي خلال الفترة القريبة المقبلة. ويهدف هذا التوجه إلى تجنب الانخراط في محاور قد تثير حفيظة حلفاء دوليين، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف التحالف الثلاثي بشكل ثنائي.
وتجد عمان نفسها في وضع معقد، حيث تضطر للبقاء قريبة من الولايات المتحدة وأوروبا لضمان مظلة حماية وردع ضد أي عدوان إسرائيلي محتمل. وتراهن الدولة على أن هذا الاقتراب الإستراتيجي سيساهم في كبح جماح اليمين المتطرف، بانتظار ما ستسفر عنه التحولات السياسية داخل إسرائيل مستقبلاً.
وخلصت التحليلات إلى أن صمود التحالف الثلاثي (السعودي التركي الباكستاني) قد يفرض واقعاً جديداً يجبر الأردن على إعادة تقييم خياراته الدفاعية. وتبقى اتفاقية وادي عربة والرهان على تغير الخارطة السياسية الإسرائيلية هي الركائز التي تحاول عمان المناورة من خلالها في ظل إقليم مضطرب.
المصدر:
القدس