يواجه المسيحيون الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة واقعاً مريراً يضعهم أمام خيارات صعبة بين البقاء في أرض الأجداد أو البحث عن ملاذ آمن في الخارج. وحذر القس متري الراهب، رئيس جامعة دار الكلمة، من أن استمرار الظروف الراهنة المتمثلة في الحصار الاقتصادي والاعتداءات الإسرائيلية قد يؤدي إلى تلاشي الوجود المسيحي تماماً بحلول منتصف القرن الحالي.
وتشير البيانات الميدانية إلى أن أكثر من مئتي عائلة مسيحية غادرت الضفة الغربية بالفعل منذ اندلاع المواجهات الشاملة في السابع من أكتوبر 2023. وتأتي هذه الموجة الجديدة من الهجرة في ظل تصاعد غير مسبوق في عنف المستوطنين الذي بات يستهدف القرى والبلدات الفلسطينية بشكل يومي ومنظم تحت حماية جيش الاحتلال.
وفي بلدة الطيبة الواقعة شرق رام الله، والتي تُعد آخر بلدة مسيحية بالكامل في الضفة، وثقت الكنائس المحلية رحيل أكثر من 15 عائلة خلال الأشهر الأخيرة فقط. وتعاني هذه البلدة التاريخية من اعتداءات متكررة طالت الأراضي والمقدسات، بما في ذلك محاولات إحراق محيط كنيسة القديس جورج الأثرية التي تعود للقرن الخامس.
وتوضح وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغابيكيان أن هناك عوامل تسهل هجرة المسيحيين مقارنة بغيرهم، أبرزها وجود جاليات فلسطينية مسيحية كبيرة في الخارج، خاصة في الأمريكيتين. وأشارت إلى أن السياسات الدولية وتسهيلات بعض الدول الغربية تساهم في تسريع وتيرة خروج الكفاءات والشباب من المجتمع الفلسطيني.
تاريخياً، شهدت فلسطين موجات هجرة مسيحية متعاقبة منذ القرن الثامن عشر، لكن الوتيرة الحالية تعتبر الأكثر خطورة على التنوع الديموغرافي. فبعد أن كان المسيحيون يشكلون نحو 6% من سكان الضفة الغربية قبل احتلال عام 1967، تراجعت نسبتهم اليوم لتصل إلى نحو 1% فقط من إجمالي السكان.
ويطلق المسيحيون على أنفسهم وصف 'الحجارة الحية' تأكيداً على تجذرهم التاريخي في مهد المسيحية، إلا أن هذا الصمود يواجه اختباراً قاسياً أمام انعدام الأفق السياسي. وتتركز التجمعات المسيحية المتبقية في القدس الشرقية وبيت لحم ورام الله، وهي مناطق تعاني جميعها من التوسع الاستيطاني المكثف.
وتشير إحصائيات كنيسة اللاتين في بلدة الطيبة إلى تراجع حاد في عدد السكان، حيث انخفض من 3000 نسمة في ثمانينيات القرن الماضي إلى نحو 1200 شخص فقط حالياً. ويعزو الأب بشار فواضله هذا التراجع إلى غياب الأمان الشخصي والضغوط المعيشية التي تفرضها سياسات الاحتلال الممنهجة ضد الوجود الفلسطيني.
من جانبه، يرى الباحث خليل الشقاقي أن الرغبة في الهجرة لدى المسيحيين تضاعفت مقارنة بالسنوات الماضية، وفقاً لاستطلاعات الرأي الحديثة. وأوضح أن القلق من عدم الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي المتعثر يمثل المحرك الأساسي لقرار الرحيل لدى الفئات الشابة والمتعلمة.
وتحذر الجهات الرسمية الفلسطينية من أن إفراغ الأرض المقدسة من مسيحييها يمثل خسارة فادحة للهوية الوطنية والتعددية الثقافية في فلسطين. واعتبرت الوزيرة أغابيكيان أن هذا التناقص الحاد يجب أن يكون بمثابة جرس إنذار للعالم المسيحي أجمع للالتفات إلى ما يحدث في مهد المسيح.
وعلى الرغم من المسافات القصيرة بين المدن الفلسطينية، إلا أن الحواجز العسكرية حولت الرحلات البسيطة إلى رحلات شاقة تستغرق ساعات. هذا الواقع الجغرافي الممزق أدى إلى ضرب القطاعات التجارية والخدمية التي يديرها المسيحيون، مما عجل في اتخاذ قرارات الرحيل النهائي عن البلاد.
تتوزع الجاليات الفلسطينية المسيحية اليوم في دول مثل تشيلي، التي تضم وحدها أكثر من 40 ألف فلسطيني، مما يوفر شبكة دعم قوية للمهاجرين الجدد. هذا الارتباط مع الخارج، رغم كونه مصدر دعم اقتصادي، إلا أنه يسهل عملية 'النزيف البشري' التي تعاني منها الكنائس المحلية في الضفة.
يبقى التحدي الأكبر أمام المؤسسات الكنسية والوطنية هو توفير مقومات الصمود للبقاء في الأرض، في ظل بيئة طاردة يفرضها الاحتلال. ومع اقتراب عام 2050، تظل التساؤلات قائمة حول قدرة 'الحجارة الحية' على البقاء في مواجهة عواصف التهجير القسري والضغوط المتزايدة.
المصدر:
القدس