د. سائدة عفونة: نجاح أي تحول تربوي يتطلب التدرج والتجربة والتأكد من وضوح النظام وتوفر متطلباته والانتقال المفاجئ لنظام جديد قد يزيد من فجوة الفاقد التعليمي
ثروت زيد: المشكلة ليست بمصادر التعليم المفتوحة عندما تكون أداة إثراء ضمن منظومة بل بتحويلها لبديل عن الكتاب المدرسي قبل استكمال شروط التحول التربوي
خالد الشحاتيت: نجاح برنامج مصادر التعليم المفتوحة يرتبط بقدرة المعلم على تصميم مواقف تعليمية وهو ما يتطلب تدريباً متخصصاً وتخفيض نصابه من الحصص
د. يحيى الصرفندي: نجاح التجربة يرتبط بالاستثمار في المعلم بتدريبه وتأهيله ومنحه فرصة للإبداع كما أن هناك مدارس تحتاج إلى تجهيزات إلكترونية أفضل
يوسف أبو راس: مزايا هذا النوع من التعليم قد تكون أكثر ملاءمة لمراحل عمرية أكبر يمتلك فيها الطالب مهارات القراءة والكتابة مع أهمية مراعاة خصوصية المجتمع الفلسطيني
أمجد الشلة: الطعن في تطبيق أي نظام تعليمي جديد يمثل حقاً دستورياً وقانونياً لكل من يرى أن القرار يمس بحقوقه خاصة أنه ليس قانوناً بل قرار إداري يمكن الطعن فيه
رام الله - خاص بـ"القدس"-
رغم ما يحمله نظام مصادر التعليم المفتوحة من وعود بتطوير العملية التعليمية، فإن إعلان وزارة التربية والتعليم العالي تطبيقه في المدارس الفلسطينية أثار مخاوف وتساؤلات حول مدى جاهزية النظام التعليمي لاستيعاب هذا التحول، خاصة مع ارتباطه بالصفوف الأساسية الأولى، ووصلت المخاوف إلى رفع شكوى أمام النائب العام ضد النظام الجديد.
ويحذر تربويون، في أحاديث مع "ے"، من أن الانتقال للنظام قبل استكمال متطلباته قد يؤدي إلى زيادة الفاقد التعليمي، نتيجة الظروف التي مر بها التعليم خلال السنوات الماضية.
ويرون أن غياب الكتاب الورقي أو تقليص دوره قد يؤثر على قدرة الطلبة على المراجعة والتدريب وبناء المعرفة التراكمية، كما أن تفاوت جاهزية المدارس ومدى قدرة جميع الطلبة على الوصول إلى الوسائل الرقمية قد يخلق فجوة بين الطلبة والأسر.
ويؤكد الخبراء أن مصادر التعليم المفتوحة ليست موضع اعتراض من حيث المبدأ، لكنها تحتاج إلى تطبيق مدروس وتدريجي، بحيث تكون أداة لإثراء التعليم لا بديلاً مفاجئاً عن ركائزه الأساسية، مطالبين بحوار مجتمعي أوسع قبل التنفيذ.
الخطوة مهمة.. ولكن الكتاب مطلوب
تؤكد الخبيرة التربوية في جامعة النجاح الوطنية البروفسورة سائدة عفونة أن مصادر التعليم المفتوحة تمثل توجهاً تربوياً مهماً، لكن استخدامها حالياً كبديل عن المنهاج والكتاب المدرسي في المرحلة الأساسية الدنيا يحتاج إلى مراجعة ودراسة معمقة، رغم أنها من الداعمين لمفهوم التعليم المفتوح ومصادر التعليم المفتوحة، خاصة في أوقات الأزمات.
وتوضح عفونة أن الوزارة طبقت التجربة العام الماضي في بعض المدارس، لكنها لم تعلن نتائج التطبيق أو تنشر تقييماته، لافتة إلى أنها تواصلت مع معلمات ومعلمين شاركوا في التنفيذ، ونقلوا وجود صعوبات وتحديات خلال التطبيق.
وترى عفونة أن قلة التمويل لطباعة الكتب المدرسية قد تكون أحد الأسباب التي دفعت باتجاه هذا التحول، إلى جانب محاولات تغييب بعض المفاهيم والمهارات والقيم، مؤكدة أن السياسات التعليمية خلال السنوات الماضية غالباً ما أُدخلت دون إشراك كافٍ للمجتمع والتربويين ودون إجراء دراسات وحوارات واسعة قبل تطبيقها.
مدى توفر محتوى المصادر باللغة العربية
وتؤكد عفونة أن مصادر التعليم المفتوحة والتعليم المفتوح يشكلان فرصة مهمة، خصوصاً في ظل الأزمات المتكررة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، لكنها تتساءل عن مدى توفر مصادر تعليمية مفتوحة باللغة العربية تكون متاحة للمعلمين والأهالي، ومدى توعية المجتمع بكيفية استخدامها، مشيرة إلى أن البرامج التدريبية الحالية للمعلمين لا تبدو كافية أو شاملة لجميع العاملين في القطاع التعليمي.
وتشدد عفونة على أن نجاح أي تحول تربوي يتطلب التدرج، والتجربة، والتأكد من وضوح النظام وتوفر متطلباته، مبينة أن النظام التعليمي الفلسطيني يعاني من فاقد تعليمي مرتفع نتيجة الإضرابات والإغلاقات والأوضاع السياسية والوباء، وأن الانتقال المفاجئ إلى نظام جديد قد يزيد من هذه الفجوة.
أهمية الإبقاء على الكتاب المدرسي
وتشدد عفونة على أن الكتاب المدرسي ليس الأداة الوحيدة للتعلم، مؤكدة أنها تؤيد استخدام المصادر المفتوحة لإثراء العملية التعليمية، لكنها ترفض استبداله في الصفوف الأساسية الدنيا.
وتدعو عفونة إلى الإبقاء على الكتاب وتدريب المعلمين أولاً، ثم إدخال المصادر الرقمية كمساندة، وربما البدء بالمراحل الإعدادية التي يكون فيها الطلبة أكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا.
اللجوء للقضاء ظاهرة إيجابية
وحول الشكوى المقدمة ضد تطبيق النظام الجديد واللجوء إلى القضاء، تعتبر عفونة أنها ظاهرة إيجابية تعكس وعي المجتمع بحقوقه ورغبته في المشاركة في القرارات المتعلقة بتعليم أبنائه، داعية إلى دراسة هذه الشكاوى والتعامل معها بجدية.
وتنتقد ضعف التواصل من جانب وزارة التربية والتعليم، مطالبة بتوضيح جاهزية المدارس، ومستوى تدريب المعلمين، ومدى استعداد الأهالي، وآليات التنفيذ، مؤكدة أن الإصلاح التربوي الحقيقي يحتاج إلى حوار وطني ومشاركة مجتمعية واسعة قبل اتخاذ القرارات.
وتشدد عفونة على أن أي سياسة تربوية تحتاج إلى تحضير وتطوير وتدريب وتشاور وتجهيز بنية تحتية لها قبل تعميمها.
نجاح الخطوة مرتبط بمعايير
يؤكد الخبير التربوي ثروت زيد أن مصادر التعليم المفتوحة تمثل توجهاً حديثاً في تطوير التعليم، لما توفره من توسيع فرص الوصول إلى المعرفة، وتنويع مصادر التعليم، ودعم التعلم التفاعلي، وتشجيع إنتاج المحتوى وتبادل الخبرات، إلا أن نجاحها يرتبط بجودة التصميم، وكفاءة التنفيذ، وجاهزية النظام التعليمي، وليس بالفكرة وحدها.
ويقول زيد: "المشكلة ليست في تبني مصادر التعليم المفتوحة عندما تكون أداة إثراء ضمن منظومة يقودها المنهج الوطني، بل في تحويلها إلى بديل عن الكتاب المدرسي قبل استكمال شروط التحول التربوي، فالتحول الحقيقي لا يبدأ بخفض كلفة الطباعة، وإنما بإعادة بناء فلسفة التعليم، وتطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، وتوفير بيئات التعلم، وبناء منظومة تقويم تقيس الأثر".
ويضيف زيد: "أما إذا كان الدافع الأساسي تقليص النفقات أو الاستجابة لشروط التمويل الخارجي، فنحن أمام قرار مالي بغطاء تربوي، وليس إصلاحاً تعليمياً مكتمل الأركان".
الكتاب المدرسي مهم
ويؤكد زيد أن المخاوف الأساسية من تطبيق النظام الجديد تتمثل في قرار عدم طباعة الكتاب المدرسي للصفوف (1-4) الأساسي والاكتفاء بالرزم التعليمية.
ويوضح زيد أن الكتاب المدرسي في هذه المرحلة أداة تعلم داخل الغرفة الصفية، يمارس الطالب من خلاله الكتابة، وتنفيذ الأنشطة، وحل التدريبات، والتفاعل المباشر مع المعرفة، لذلك لا يعوض الكتاب الرقمي أو الرزم التعليمية الوظيفة التعليمية للكتاب المطبوع، كما أن الكتاب المتاح وفق وزارة التربية والتعليم هو كتاب رقمي، وليس الكتاب المطبوع المخصص لهذه المرحلة.
الأهم جودة المحتوى
وبحسب زيد، تؤكد الدراسات والتقييمات الدولية أن أثر مصادر التعليم المفتوحة على التحصيل الدراسي بقي محدوداً، ولا يتحقق تلقائياً، بل يرتبط بجودة المحتوى، وتأهيل المعلمين، والبنية التحتية، وضبط الجودة، والحوكمة التعليمية، ومواءمة المحتوى مع السياق الوطني، كما أن الدول التي تبنتها لم تلغِ الكتاب المدرسي، بل دمجتها ضمن منظومات تعليمية مستقرة ومتكاملة.
ويوضح زيد أنه في السياق الفلسطيني، تكشف تعميمات الوزارة المتعلقة بإعادة توزيع الأجهزة وتجهيز الصفوف (1-4) بالحواسيب والطابعات والشاشات أن البيئة التعليمية الرقمية لم تكتمل بعد.
ويشدد زيد على أن الأجهزة لا تصنع تحولاً تربوياً، ونقل الموارد من صفوف أخرى لا يعالج نقص الجاهزية، كما أن التحول الرقمي يحتاج إلى منصات وطنية، وضمان جودة المحتوى، وبنية تحتية مستقرة.
الشكوى ليست رفضاً
وفيما يتعلق بالشكوى المقدمة ضد تطبيق النظام، يقول زيد: "لا يمكن قراءة ذلك باعتباره رفضاً للتطوير، بل كتعبير عن قلق مجتمعي مشروع تجاه سياسة تعليمية اتخذت دون حوار كافٍ مع أصحاب المصلحة، بما يعزز الشعور بالتفرد في صناعة القرار، فالإصلاح التربوي لا يُفرض، بل يُبنى على الحوار، والشفافية، والتقييم المستقل، والمشاركة المجتمعية".
إعادة النظر بمسار التطبيق الحالي
ويشدد زيد على أن المطلوب ليس رفض مصادر التعليم المفتوحة، بل إعادة النظر في مسار التطبيق الحالي، وخاصة قرار إلغاء طباعة الكتب للصفوف (1-4)، إلى حين استكمال دراسة وطنية مستقلة لشروط النجاح، فهذه المصادر، والكتاب الرقمي، والتكنولوجيا التعليمية أدوات ضمن مشروع إصلاح، وليست بديلاً عن إصلاح منظومة التعليم.
التحدي الحقيقي بإعادة بناء التعليم الفلسطيني
ويقول زيد: "إن التحدي الحقيقي هو إعادة بناء التعليم الفلسطيني في ظل أزماته المتراكمة، بما يتطلب خارطة طريق وطنية تشمل المحتوى، وإعداد وتأهيل المعلمين مهنياً، والتقويم، والبنية التحتية، والتمويل، والحوكمة، بمشاركة أصحاب المصلحة والقطاعات الوطنية المختلفة، باعتبار التعليم مسؤولية وطنية مشتركة لا مسؤولية وزارة أو حكومة وحدها".
الهدف حماية السيادة الوطنية على التعليم
ويؤكد زيد أن الهدف حماية السيادة الوطنية على التعليم والمعرفة والمناهج، ليكون التطوير قراراً تربوياً وطنياً يستجيب لحاجات المجتمع الفلسطيني، لا لشروط التمويل، فمصادر التعليم المفتوحة أداة تخضع للتقييم العلمي ضمن سياق وطني، وليست بديلاً عن بناء منظومة تعليمية مستدامة.
توجه تربوي مهم
يؤكد الخبير التربوي ومدير مركز "يوسمارت" للتدريب، جودت صيصان، أن فكرة تنويع مصادر التعليم والاستفادة من المصادر المفتوحة تمثل توجهاً تربوياً مهماً في تطوير التعليم، لما توفره من فرص لإثراء المعرفة، وتنمية مهارات البحث والتفكير، ومنح المعلم مساحة أوسع لتصميم خبرات تعلم تتناسب مع احتياجات الطلبة.
مرحلة دقيقة
ويوضح صيصان أن تطبيق هذا النظام، خصوصاً في الصفوف الأولى من الأول حتى الرابع الأساسي، يحتاج إلى تعامل دقيق، باعتبار هذه المرحلة مرحلة تأسيسية في بناء مهارات القراءة والكتابة والحساب وتكوين المفاهيم الأساسية لدى الأطفال.
الاتجاه التربوي الأكثر توازناً
ويشير صيصان إلى أن الاتجاه التربوي الأكثر توازناً لا يقوم على إلغاء الكتاب المدرسي أو المنهج المنظم، وإنما على التكامل بين محتوى أساسي واضح ومصادر تعلم مفتوحة داعمة تثري العملية التعليمية وتوسع مدارك الطلبة، مؤكداً أن نجاح النظام لا يعتمد على الفكرة بحد ذاتها، بل على آلية التنفيذ.
ويرى صيصان أن المصادر المفتوحة يمكن أن تشكل فرصة نوعية لتطوير التعليم إذا رافقها إعداد جيد للمعلمين، وأدلة تعلم واضحة، وضبط لجودة المصادر المستخدمة، إلى جانب المتابعة المستمرة لنتائج التطبيق، محذراً من أن التعامل معها كبديل كامل وسريع للنظام القائم قد يخلق تحديات، خاصة في المراحل التعليمية التأسيسية.
المخاوف لا تعني الرفض
وفيما يتعلق بالمخاوف المرتبطة بتطبيق النظام، يؤكد صيصان أن هذه المخاوف لا تعني رفض التطوير، وإنما تنطلق من أهمية التعامل مع التعليم باعتباره استثماراً طويل الأمد يؤثر في أجيال كاملة، مشيراً إلى ضرورة التأكد من جاهزية المدارس والمعلمين، وضمان عدم وجود تفاوت بين الطلبة في فرص الوصول إلى مصادر التعليم، والحفاظ على تسلسل بناء المهارات الأساسية لدى الأطفال.
أهمية القراءة العلمية قبل تعميم التجربة
ويوضح صيصان أن القرارات التربوية الواسعة تحتاج إلى قاعدة من الأدلة والبيانات، داعياً إلى إتاحة الدراسات التي بُني عليها القرار، ومنهجيات تنفيذها، ونتائج تقييمها أمام المجتمع التربوي، موضحاً أن الدراسات التجريبية مهمة لكنها تحتاج إلى قراءة علمية قبل تعميم أي تجربة.
ويعتبر صيصان أن التعبير عن المخاوف أو المطالبة بالمراجعة لا يمثل موقفاً معادياً للتطوير، بل يمكن أن يكون جزءاً صحياً من الحوار التربوي، شرط أن يستند النقاش إلى الأدلة لا إلى المواقف المسبقة، مؤكداً أن التطوير الحقيقي لا يعني رفض كل جديد ولا قبول كل جديد، وإنما اختيار ما يثبت نجاحه بما يحقق مصلحة الطالب أولاً.
متطلبات هامة لإنجاح النظام
يرى الخبير التربوي ومدير مدرسة ذكور الشهيد ماجد أبو شرار الثانوية في مدينة دورا، خالد الشحاتيت، أن التعليم المستند إلى مصادر التعليم المفتوحة يحمل مزايا تتمثل في اعتماده على الذكاء الاصطناعي، والتعليم التكاملي، وتصميم التعليم وهندسته، إلا أن نجاحه يتطلب توافر متطلبات تربوية وإدارية وفنية تحول دون انعكاسه سلباً على العملية التعليمية.
ويشدد الشحاتيت على أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون بديلاً عن اللغة بوصفها أداة للتعلم، كما يصعب ضبط الأهداف التربوية في فضاء الإنترنت، لا سيما ما يتعلق بالخصوصية الوطنية الفلسطينية والمفاهيم التاريخية والدينية.
قدرة المعلم على تصميم مواقف تعليمية
ويشير الشحاتيت إلى أن نجاح البرنامج الحالي المستند إلى مصادر التعليم المفتوحة يرتبط بقدرة المعلم على تصميم مواقف تعليمية، وهو ما يتطلب تدريباً متخصصاً وتخفيض نصابه من الحصص، معتبراً أن ضعف الكفايات التكنولوجية لدى كثير من المعلمين، إلى جانب إطلاق البرنامج في ظل تقليص أيام الدوام والأزمة المالية والاجتياحات الإسرائيلية، سيحد من فرص نجاحه.
استبدال الكتاب الورقي يضعف تراكم المعرفة
ويشير الشحاتيت إلى أن الاستغناء عن الكتاب الورقي واستبداله بأوراق عمل ومواد رقمية قد يضعف تراكم المعرفة وقدرة الطلبة على المراجعة واسترجاع المعلومات، لافتاً إلى غياب البنية التكنولوجية الكافية في المدارس، من شاشات تفاعلية، وأجهزة حاسوب، وطابعات، فضلاً عن التساؤلات المتعلقة بإمكانية تطبيق البرنامج في قطاع غزة في ظل نقص الإمكانات.
ويؤكد الشحاتيت أن العلاقة التربوية بين الطالب والكتاب الورقي تختلف عن الشاشة الإلكترونية، داعياً إلى الإبقاء على الكتاب المدرسي، ورفع كفاءة المعلمين، وتطوير منهج إلكتروني متقن، وتوفير بيئة تعليمية متكاملة قبل تعميم التجربة، معتبراً أن التطبيق السابق للاستغناء عن الكتاب اقتصر عملياً على تصوير أوراق العمل، ما شكل عبئاً إضافياً على الأسر دون تحقيق الأهداف المرجوة.
نقلة حديثة في العملية التعليمية
يؤكد الخبير التربوي د.يحيى الصرفندي أن نظام التعليم المستند إلى مصادر التعليم المفتوحة، الذي أعلنت عنه وزارة التربية والتعليم، يمثل نقلة حديثة في العملية التعليمية، مشيراً إلى أن تطبيقه يمكن أن يحقق فوائد كبيرة إذا ترافق مع تدريب المعلمين، وتوفير البنية التكنولوجية اللازمة، واتباع نهج تدريجي يراعي الطلبة والأهالي.
ويوضح الصرفندي أن النظام يستهدف في مرحلته الأولى طلبة الصفوف من الأول حتى الرابع الأساسي، ويركز على مرحلة عمرية تعد مرحلة تأسيسية في حياة الطالب من الجوانب النفسية والاجتماعية والنمائية، مشيراً إلى أنه يقوم على تنويع مصادر التعليم، ولا يلغي الكتاب المدرسي، بل يجعله أحد مصادر المعرفة إلى جانب مصادر أخرى مثل التعلم باللعب، والتعلم التعاوني، والوسائل التعليمية، والتكنولوجيا.
الابتعاد عن التقيد الحرفي بصفحات الكتاب
ويشير الصرفندي إلى أن هذا النوع من التعليم يتيح للطالب الابتعاد عن التقيد الحرفي بصفحات الكتاب، ويمنح المعلم مساحة أكبر لتصميم مواقف تعليمية تفاعلية، موضحاً أن استخدام الفيديوهات والوسائل المتنوعة داخل الصف يترك أثراً معرفياً وانفعالياً لدى الطلبة، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالهوية الوطنية، حيث يمكن للنشيد أو المادة المرئية أن تعزز الجانب الوجداني لدى الطالب الفلسطيني.
ويشدد الصرفندي على أن نجاح التجربة يرتبط بالاستثمار في المعلم، من خلال تدريبه وتأهيله ومنحه فرصة للإبداع، لافتاً إلى أن بعض المدارس ما زالت بحاجة إلى تجهيزات إلكترونية أفضل، وأن ظروف الكهرباء والبيئة الصفية قد تشكل تحديات أمام التطبيق الفعلي للنظام.
ويؤكد الصرفندي على أهمية بقاء الكتاب بين يدي الطالب، لأن القراءة منه لها نكهتها الخاصة، وتعطي ثماراً أفضل، تَفُوقُ القراءة من المصادر الإلكترونية.
مقاومة التغيير أمر طبيعي
وفيما يتعلق بالمخاوف المجتمعية، يوضح الصرفندي أن مقاومة التغيير أمر طبيعي، داعياً إلى عدم الاستعجال في الحكم على التجربة، خاصة أنها طُبقت في عدد محدود من المدارس، مطالباً وزارة التربية بنشر نتائج الدراسات التي أجريت حول التطبيق، وعرض نماذج ناجحة من الحصص التعليمية لطمأنة الأهالي.
ويؤكد الصرفندي ضرورة توعية أولياء الأمور والطلبة بآلية النظام الجديد، وعقد لقاءات مع مجالس أولياء الأمور لتوضيح أهدافه وطريقة متابعة الطالب، مشيراً إلى أن الانتقال يجب أن يكون تدريجياً، بحيث يفهم المعلم والطالب وولي الأمر طبيعة النظام ومتطلباته.
أي تجربة تربوية تحتاج إلى تقييم مستمر
ويعتقد الصرفندي أن أي تجربة تربوية تحتاج إلى تقييم مستمر بعد فترة زمنية محددة، مؤكداً أهمية تحسين الظن بالمؤسسات الوطنية، وعدم استباق النتائج، مع ضرورة نقل الملاحظات والمخاوف إلى الجهات المختصة لمعالجتها.
ويدعو الصرفندي وسائل الإعلام إلى مواصلة دورها في شرح أهداف النظام ومبررات الانتقال إليه، بما يساعد المجتمع على فهم التطورات التعليمية الجديدة، مؤكداً أن الهدف الأساسي يجب أن يبقى تطوير العملية التعليمية بما يخدم الطالب الفلسطيني.
مزايا مهمة لنظام مصادر التعليم المفتوحة
يرى الخبير التربوي يوسف أبو راس أن نظام مصادر التعليم المفتوحة يحمل مزايا تربوية وعلمية مهمة، أبرزها مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة، وتنمية مهارات التفكير والبحث والاستقصاء بدلاً من الاعتماد على الحفظ، إلى جانب توفير محتوى تعليمي متنوع وحديث يمكن تطويره باستمرار.
ويوضح أبو راس أن النظام يعزز دور المعلم ليصبح مصمماً لخبرات التعلم وليس ناقلاً للمعلومة فقط، كما يسهم في رفع دافعية الطلبة من خلال الأنشطة التفاعلية والموارد الرقمية.
التوجه من حيث المبدأ إيجابي
ويعتبر أبو راس أن التوجه من حيث المبدأ إيجابي، ويتماشى مع الاتجاهات العالمية الحديثة في تطوير التعليم، إلا أن نجاحه لا يرتبط بالنظام بحد ذاته، بل بجودة التخطيط، وتأهيل المعلمين، وتوفير البنية التحتية، والتدرج في التطبيق، وإجراء تقييم مستمر للنتائج.
ويشير أبو راس إلى أن مزايا هذا النوع من التعليم قد تكون أكثر ملاءمة لمراحل عمرية أكبر يمتلك فيها الطالب مهارات القراءة والكتابة، إضافة إلى ضرورة مراعاة خصوصية البيئة التربوية والمادية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.
وفيما يتعلق بالمخاوف المرتبطة بتطبيق النظام، يوضح أبو راس أن أبرز التحديات تتمثل في تفاوت جاهزية المدارس من حيث البنية التحتية والوسائل التعليمية، وعدم كفاية تدريب بعض المعلمين على تصميم التعلم باستخدام المصادر المفتوحة، إلى جانب تفاوت قدرة الأسر على متابعة تعلم أبنائها.
محاذير التطبيق السريع قبل اكتمال متطلبات التنفيذ
ويؤكد أبو راس أن التطبيق السريع قبل اكتمال متطلبات التنفيذ قد يؤدي إلى تفاوت في مستوى التطبيق بين المناطق والمدارس والصفوف والمعلمين، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها التعليم الفلسطيني.
في حين، يرى أبو راس أن اللجوء إلى القضاء بشأن الطعن بالنظام الجديد يمثل حقاً مشروعاً وظاهرة صحية إذا كان الهدف منها التحقق من سلامة الإجراءات وحماية المصلحة التعليمية، مشيراً إلى أن غياب الجهات التشريعية والرقابية والحوار الوطني المجتمعي التربوي يزيد الحاجة إلى نقاش أوسع حول السياسات التعليمية.
ويدعو أبو راس إلى عدم تحويل الخلاف إلى رفض مسبق للتطوير أو تعطيل أي مبادرة إصلاحية، مقترحاً أن تتريث وزارة التربية في تطبيق النظام لحين حسم الأمر استناداً إلى الأبحاث العلمية ونتائج التقييم الميداني والحوار مع الخبراء والمعلمين وأولياء الأمور، بما يضمن أن يكون معيار القرار الأول هو مصلحة الطالب وجودة التعليم.
الطعن في التطبيق حق دستوري
يؤكد أمين سر نقابة المحامين المستشار القانوني المحامي أمجد الشلة أن اللجوء إلى القضاء للطعن في تطبيق أي نظام تعليمي جديد يمثل حقاً دستورياً وقانونياً لكل من يرى أن القرار يمس بحقوقه أو يشكل مخالفة للقانون خاصة أنه ليس قانون بل قرار إداري يمكن الطعن فيه، مشدداً على أن أي نظام جديد يجب أن يستند إلى أسس قانونية واضحة ويحافظ على مبادئ المشروعية والمساواة وتكافؤ الفرص.
ويوضح الشلة أن نظام التعليم الفلسطيني القائم يستند إلى أعراف وتقاليد وأسس مستقرة، وإن إدخال أي تغيير جوهري عليه قد يثير مخاوف لدى المجتمع، خاصة في ظل التساؤلات المتعلقة بمدى جاهزية البيئة التعليمية والإمكانات اللوجستية اللازمة لتطبيق نظام يعتمد بشكل أكبر على التكنولوجيا ومصادر التعليم المفتوحة.
أهمية وضع معايير وآليات واضحة
ويشير الشلة إلى أن تطبيق أي نظام جديد يتطلب قبل البدء به وضع معايير وآليات واضحة للطلبة وذويهم، بما يضمن عدم الإخلال بحقوق الطلبة، ووضوح المعايير الأكاديمية المعتمدة، وعدم وجود أي غموض في شروط وآليات التطبيق.
ويلفت الشلة إلى أن من أبرز المخاوف القانونية والعملية المرتبطة بالنظام الجديد قضية تكافؤ الفرص، موضحاً أن عدم امتلاك جميع الطلبة أجهزة إلكترونية أو اتصالاً مناسباً بالإنترنت قد يؤدي إلى تفاوت بينهم، الأمر الذي قد يشكل مساساً بمبدأ العدالة، إلا إذا التزمت وزارة التربية والتعليم بتوفير الأجهزة والوسائل التقنية اللازمة لجميع الطلبة.
ويشدد الشلة على أن الاعتماد على التكنولوجيا بشكل واسع قد يؤثر كذلك على طبيعة العلاقة المباشرة بين الطالب والمعلم، وقد ينعكس على جودة التعليم في بعض المواد، لا سيما العلوم والرياضيات والكيمياء والفيزياء، التي تحتاج إلى شرح وتفاعل مباشر مع معلم متخصص.
ويوضح الشلة أن نقابة المحامين لا تعارض التطور أو إدخال التكنولوجيا والرقمنة في التعليم، لكنها تشدد على ضرورة أن يتم ذلك وفق الأصول القانونية، وأن يكون القرار الإداري الصادر بهذا الخصوص قابلاً للتطبيق ويحافظ على حقوق الطلبة، كونه قراراً إدارياً وليس قانوناً.
ويشدد الشلة على أن أي قرار يصدر دون سند قانوني واضح أو دون مراعاة مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص سيكون عرضة للطعن أمام القضاء الإداري.
القضاء الجهة المختصة بالنظر في الطعون
ويوضح الشلة أن القضاء الإداري هو الجهة المختصة بالنظر في الطعون المتعلقة بالقرارات الإدارية الصادرة عن مؤسسات الدولة، بما فيها وزارة التربية والتعليم، مشيراً إلى حاجة فلسطين إلى تطوير أنظمة التعليم، ونشرها بصورة واضحة ومفهومة للمواطنين والطلبة، وتعزيز الوعي بحقوقهم القانونية وطرق الاعتراض والطعن عند تعرضهم لأي ظلم.
ويشدد الشلة على أن الهدف الأساسي يجب أن يكون حماية الطالب الفلسطيني وضمان حصوله على تعليم عادل ومتوازن، مؤكداً أن رفض الظلم هو المبدأ الذي يجب أن يحكم أي عملية تطوير تربوية أو إدارية.
المصدر:
القدس