نصار نصار: القضية أمام "العليا الإسرائيلية" تؤسس لسابقة قانونية لحماية حقوق الفلسطينيين على معبر الكرامة وتضع إدارته تحت إشراف القضاء
د. سمير حليلة: الوصول لنتائج مستدامة يتطلب استكمال إصلاحات وإجراءات من إدارة المعابر الفلسطينية وإدارة الجسر الأردني وسلطة المطارات الإسرائيلية
عبده إدريس: التوصية بشأن زيادة ساعات عمل معبر الكرامة جاءت بهدف رفع الظلم الواقع على الفلسطينيين ومحاولة القيام بكل ما يمكن لتخفيف معاناتهم
طلعت علوي: جوهر الأزمة ليس في الخدمات المساندة بل في محدودية ساعات التشغيل وزيادتها كفيلة بتقليص فترة الانتظار وإنهاء معاناة المسافرين
د. عمر رحال: القرار يحمل اعترافاً ضمنياً بوجود مشكلة مزمنة بإدارة المعبر بعدما أثبتت محدودية ساعات التشغيل آثارها السلبية على الفلسطينيين
أمجد الشلة: القرار منقوص رغم أهميته لأنه يحدد ساعات معينة للتنقل بما لا ينسجم مع الطبيعة الأصلية للحق في حرية الحركة وفق القانون الدولي الإنساني
حلمي الأعرج: القرار رغم أهميته محاولة للالتفاف على المطلب الجوهري بفتح الجسر على مدار 24 ساعة وطوال أيام الأسبوع لإنهاء معاناة مئات آلاف المسافرين
عصام عاروري: في حال عدم إنصاف الفلسطينيين بشأن معبر الكرامة ينبغي دراسة اللجوء للقضاء الدولي لحل الأزمة باعتبار ما يجري عقاباً جماعياً
رام الله - خاص بـ"القدس"-
رغم الجهود التي قادها المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص، والتي أفضت إلى توصية المحكمة العليا الإسرائيلية قبل أيام بشأن تمديد ساعات العمل على جسر الكرامة ونقاش آليات تحسين آليات العمل، فإن التوصية تمثل بداية محدودة لتحسين واقع السفر، لكنها لا تنهي أزمة متراكمة حول المعبر الذي يشكل المنفذ البري الوحيد لسكان الضفة الغربية إلى العالم الخارجي، وسط مطالب بفتح الجسر على مدار الساعة وإنهاء القيود المفروضة على حركة المواطنين. ويؤكد خبراء ومسؤلون ومختصون وقانونيون وحقوقيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن جوهر المشكلة لا يرتبط بالخدمات المساندة أو الإجراءات التنظيمية، وإنما بمحدودية ساعات تشغيل الجسر، معتبرين أن زيادة ساعات العمل يمكن أن تقلص فترات الانتظار وتخفف المعاناة اليومية لآلاف المسافرين، إلى جانب انعكاساتها الإيجابية على حركة التجارة مع الأردن والاقتصاد الفلسطيني.
سابقة قانونية
يؤكد رئيس اتحاد الصناعات الفلسطينية وأمين سر المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص نصار نصار أن القضية المرفوعة أمام محكمة العدل العليا الإسرائيلية واللجوء إلى القضاء الإسرائيلي تؤسس لسابقة قانونية لحماية حقوق الفلسطينيين على معبر الكرامة وتضع إدارته تحت إشراف القضاء.
ويشير إلى أن فريق الدفاع عن الجانب الفلسطيني، المدعوم بعدد من رجال الأعمال، تمكن خلال الجلسة من تفنيد مرافعات الطرف الآخر وإظهار عدم دقة بياناته، ما دفع المحكمة إلى منح الجهات الرسمية مهلة ثلاثة أشهر لتقديم خطوات عملية لإعادة تنظيم عمل المعبر، مع إلزامها بتقديم تقارير دورية حول أوضاع المعبر، ووضع أداء المعبر تحت إشراف المحكمة العليا.
ويشدد نصار على أن أهمية القضية لا تقتصر على تمديد ساعات العمل، بل تتمثل في ترسيخ حق الفلسطيني في اللجوء إلى القضاء وانتزاع حقوقه، وتأسيس سابقة قانونية تمنع مستقبلاً إدارة المعبر بصورة مزاجية، مؤكداً أن قرارات المحكمة العليا تشكل مرجعاً قانونياً يصعب الالتفاف عليه.
ويوضح نصار أن القضية ستستمر حتى تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها تحسين ظروف السفر، ومعالجة الازدحام، وإلغاء "الساعات المسروقة" الناتجة عن إغلاق استقبال المسافرين قبل ساعات من انتهاء الدوام الرسمي، وصولاً إلى المطالبة بتشغيل المعبر على مدار 24 ساعة يومياً، بما يخفف معاناة المواطنين ويضمن احترام حقوقهم الإنسانية، والتأكيد على أهمية تسهيل الأمور التجارية.
قرار وتوصية مهمان
يعتبر الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال د.سمير حليلة أن الأهمية الأبرز لقرار المحكمة الإسرائيلية بشأن جسر الكرامة تتمثل في وضع سلطة المطارات الإسرائيلية، بصفتها الجهة المشرفة على الجسر من الجانب الإسرائيلي، تحت رقابة المحكمة العليا حتى الأول من نوفمبر /تشرين الثاني 2026، الأمر الذي يلزمها بتوفير جميع المتطلبات اللازمة لتشغيل الجسر بصورة فعالة وسلسلة تلبي احتياجات نحو 1.5 مليون فلسطيني يعبرونه سنوياً.
ويوضح حليلة أن الإعلان الأول الذي دخل حيز التنفيذ الخميس الثلاثين من تموز 2026، بشأن تعديل ساعات العمل على الجسر بما يسمح بعبور أعداد أكبر من المسافرين يومياً، يشكل مؤشراً مهماً على بداية مرحلة جديدة في إدارة المعبر، إلا أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بمدى التزام سلطات الاحتلال بساعات العمل المعلنة، وبمدى تطبيق تسهيلات حقيقية تتيح مرور آلاف المواطنين يومياً دون تأخير أو عراقيل.
ويشير إلى أن ما جرى في قرار المحكمة العليا الإسرائيلية يوم الثلاثاء الماضي، يمثل مؤشراً عمليًا مشجعاً، حيث تمكن جميع المسافرين عبر الجسر من إنهاء إجراءاتهم قبل الساعة الحادية عشرة صباحاً على الجانبين، وذلك عقب صدور قرار المحكمة، معتبراً أن هذا التطور يعكس إمكانية تحقيق تحسن ملموس في حال الالتزام الفعلي بالإجراءات الجديدة.
ويتوقع حليلة أن يمتد أثر القرار إلى المعبر التجاري، الذي يعاني منذ فترة طويلة من مشكلات وصفها بالمستعصية، أدت إلى حصر عدد الشاحنات الفلسطينية المتجهة إلى الأردن عند نحو 15 شاحنة يومياً، إلى جانب التراجع الكبير في أعداد الشاحنات الأردنية الداخلة إلى فلسطين، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حركة التبادل التجاري بين الجانبين.
ويؤكد حليلة أن التجارة البينية بين فلسطين والأردن تراجعت إلى نحو ثلث مستواها مقارنة بعام 2022، نتيجة الإجراءات الإسرائيلية، مؤكداً أن هذا الواقع يتطلب تدخلاً عاجلاً أردنياً فلسطينياً وعلى مستويات رسمية مع السلطات الإسرائيلية، إضافة إلى التواصل المباشر مع سلطة المطارات التي تتولى أيضاً إدارة المعبر التجاري، لمعالجة الاختناقات القائمة.
ويشير حليلة إلى أن توسيع ساعات عمل جسر الكرامة، حتى لو بشكل قليل في البداية، يمثل بدايةً فقط لتحسين ظروف تنقل المواطنين بين فلسطين والأردن، مشدداً على أن الوصول إلى نتائج مستدامة يتطلب استكمال عملية الضغط الذي بدأ بقرار المحكمة الأخير.
الدفاع عن حق إنساني تكفله القوانين الدولية
يؤكد رئيس اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية، وعضو المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص، عبده إدريس، أن التوصية من قبل المحكمة العليا الإسرائيلية المتعلقة بتمديد ساعات عمل معبر الكرامة جاءت انطلاقاً من الدفاع عن حق إنساني تكفله القوانين الدولية، موضحاً أن توجه المجلس التنسيقي إلى القضاء الإسرائيلي جاء في إطار ممارسة دوره لتخفيف المعاناة اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون نتيجة القيود المفروضة على السفر والتنقل، وليس باعتباره حلاً نهائياً للأزمة.
ويوضح إدريس أن القضية لا تقتصر على البعد الإنساني فقط، بل تمتد إلى أضرار اقتصادية مباشرة طالت المواطنين ورجال الأعمال والتجار، الذين بات كثير منهم يعزف عن السفر بسبب التعقيدات المتكررة، إلى جانب تأثر الحركة التجارية مع الأردن، مشيراً إلى أن حجم البضائع الواردة عبر هذا المسار تراجع إلى أقل من 30%، الأمر الذي انعكس سلباً على النشاط الاقتصادي وحركة الاستيراد والتجارة.
ويبيّن إدريس أن خطوة لجوء المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص إلى المحكمة العليا الإسرائيلية جاءت بهدف رفع الظلم الواقع على الفلسطينيين، ومحاولة القيام بكل ما يمكن لتخفيف معاناتهم، مؤكداً أن هذه الخطوة قد تسهم في الحد من الأزمة، لكنها لا تنهيها، لأن جذور المشكلة ترتبط بالواقع السياسي العام، وما يرافقه من أزمات متشابكة تشمل أموال المقاصة، وعدم انتظام صرف مستحقات القطاع العام، وأزمة تكدس الشيكل، وتعقيدات العلاقة مع البنوك الإسرائيلية، علاوة على اعتداءات المستوطنين، وهي ملفات تشكل تهديداً مباشراً على الحياة العامة وعلى الاقتصاد الفلسطيني.
ويشدد إدريس على أن تحسين أوضاع السفر يتطلب أولاً التزام الجانب الإسرائيلي بتطبيق ما تم الإعلان عنه، وفي مقدمة ذلك زيادة ساعات عمل معبر الكرامة، معتبراً أن تقليص ساعات العمل هو السبب الرئيس للازدحام والمعاناة، وأن توسيع ساعات التشغيل كفيل بإنهاء جانب كبير من الأزمة، علاوة على إعادة النظر في إغلاق المعبر أيام السبت، لما يفرضه ذلك من أعباء مالية إضافية على المسافرين وعائلاتهم.
إخضاع المسؤولين عن الجسر لرقابة قضائية
يؤكد عضو الفريق المساند لحراك المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص، طلعت علوي، أن التطور الأهم في المسار القانوني المتعلق بجسر الكرامة لا يقتصر على تمديد ساعات العمل، وإنما يتمثل في إخضاع إدارة الجسر من سلطة الأمر الواقع في الجانب الإسرائيلي لرقابة قضائية للمرة الأولى، بما يلزمها بتقديم مبرراتها وخططها أمام المحكمة ضمن سقف زمني ينتهي في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، معتبراً أن ذلك يفتح مساراً جديداً لم يكن قائماً في السابق لمتابعة أداء الجسر ومحاسبة الجهات المشرفة عليه.
ويوضح أن قضية الجسر لا ينبغي أن تُطرح باعتبارها أزمة موسمية مرتبطة بفصل الصيف، رغم تضاعف أعداد المسافرين خلال هذه الفترة بسبب الإجازات وعودة المغتربين والمناسبات الاجتماعية، مؤكداً أن معبر الكرامة يمثل المنفذ الحيوي الوحيد للفلسطينيين في الضفة الغربية طوال العام، وأن معاناته مستمرة منذ سنوات وليست مرتبطة بموسم معين.
ويشير علوي إلى أن تجربة الأعوام 2017 و2018 و2019 أثبتت عملياً أن تمديد العمل على مدار 24 ساعة خلال أشهر الصيف أسهم في إنهاء الازدحام بشكل كبير، وكان من المقرر توسيع التجربة لتشمل العام بأكمله في عام 2020 لولا توقفها بعد جائحة كورونا، لافتاً إلى أن سلطات الاحتلال استغلت ظروف الجائحة للتراجع عن هذا التوجه.
ويبيّن علوي أن القيمة الأساسية للمسار القضائي الحالي تكمن في أن سلطة الأمر الواقع الإسرائيلية على الجسر لم تعد الجهة الوحيدة التي تحدد ساعات العمل أو تغلق المعبر متى تشاء، بل أصبحت خاضعة لمتابعة قضائية مستمرة، مشيراً إلى أن المحكمة لم تقتنع بمبررات الجهات الإسرائيلية المختصة، الأمر الذي دفعها إلى مطالبة سلطة المطارات والإدارة المدنية ونحو 11 جهة حكومية إسرائيلية بتقديم مبررات واضحة تحول دون تمديد ساعات العمل، والعمل على تهيئة الظروف اللازمة للوصول إلى تشغيل الجسر لساعات أطول، وصولاً إلى الهدف الأساسي المتمثل بفتحه على مدار الساعة.
ورغم أهمية القرار، يؤكد علوي أن هناك إمكانية لحدوث محاولات للتنصل أو الالتفاف حتى في حال صدور قرار ملزم، استناداً إلى التجارب السابقة، الأمر الذي يجعل المتابعة والرقابة المستمرة ضرورة لا غنى عنها.
ويكشف عن تلقي الفريق القانوني تطمينات من المحامي الموكل من المجلس التنسيقي الخاص تفيد ببدء تمديد ساعات العمل يومين أسبوعياً حتى الساعة السادسة والنصف مساءً ذهاباً وإياباً، على أن يستمر العمل في بقية الأيام حتى الخامسة مساءً، معتبراً أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بمدى الالتزام الفعلي بتنفيذها على الأرض.
ويشدد علوي على أن جوهر الأزمة لا يكمن في الخدمات المساندة أو قضايا المنصة ووسائل النقل وامتيازات السفر، بل في محدودية ساعات فتح بوابة المعبر، مؤكداً أن زيادة ساعات التشغيل كفيلة بتقليص ساعات الانتظار، وإنهاء الاكتظاظ، والحد من الاستغلال الذي يتعرض له المسافرون، ومنحهم حرية اختيار وقت السفر دون ضغوط أو إرهاق.
ويستدل على ذلك بتجربة عام 2017، عندما سجل الجسر عبور نحو 18 ألف مسافر في يوم واحد بفضل العمل على مدار 24 ساعة، مقارنة بالأعداد الحالية التي تتراوح بين ثلاثة وأربعة آلاف مسافر يومياً نتيجة تقليص ساعات التشغيل، معتبراً أن هذه التجربة تثبت أن تمديد ساعات العمل هو الحل الجوهري لمعالجة الأزمة.
تطور يستحق المتابعة من الجانب الفلسطيني
يؤكد مدير عام مركز شمس لحقوق الإنسان د.عمر رحال أن قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بإلزام سلطة المعابر بتقديم تقرير حول آليات العمل على جسر الكرامة، وما أعقبه من إعلان عن تمديد جزئي لساعات التشغيل ومنح مهلة لدراسة إمكانات إدخال تحسينات إضافية، يمثلان تطوراً يستحق المتابعة من الجانب الفلسطيني، إلا أنه لا يعالج جوهر الأزمة التي يعاني منها الفلسطينيون في حرية الحركة والتنقل عبر الجسر، باعتباره المنفذ البري الوحيد لسكان الضفة الغربية إلى العالم الخارجي عبر الأردن، والذي ما يزال خاضعاً لسيطرة الاحتلال.
ويوضح أن ما جرى يندرج في إطار إجراءات محدودة لا ترقى إلى تغييرات جوهرية تكفل حق الفلسطينيين في التنقل وفقاً للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، مشيراً إلى أن المطلوب لا يقتصر على تمديد ساعات العمل، وإنما ضمان معاملة كريمة للمسافرين بعيداً عن القيود والإجراءات التعسفية التي تفرضها سلطات الاحتلال، مؤكداً أن القرار يحمل في الوقت ذاته اعترافاً ضمنياً بوجود مشكلة مزمنة في إدارة المعبر، بعدما أثبتت محدودية ساعات التشغيل آثارها السلبية على الفلسطينيين سواء المسافرين والقطاع الخاص والاقتصاد الفلسطيني بشكل عام.
ويؤكد رحال أن أهمية القرار تكمن أيضاً في كونه ثمرة لجهد قانوني بذله القطاع الخاص أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، معتبراً أن هذه الخطوة تشكل نجاحاً قانونياً مهماً، ويمكن البناء عليها للمطالبة بإجراءات تنظيمية وإصلاحات أكثر استدامة في المستقبل، بما ينعكس إيجاباً على واقع السفر والتنقل للفلسطينيين.
ويثمّن مبادرة القطاع الخاص، الذي بادر إلى تحريك الملف، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تستوجب استمرار تعزيز التنسيق بين القائمين على الجهود وبين الحكومة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني في إطار عمل جماعي ومتكامل.
ويدعو رحال إلى مواصلة الضغط من أجل تمديد ساعات وأيام تشغيل المعبر، وزيادة أعداد الموظفين ورفع كفاءتهم، وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية، وتسريع إجراءات التفتيش والعبور، وتقليص فترات الانتظار، وضمان معاملة إنسانية تراعي كبار السن والمرضى والحوامل وذوي الظروف الخاصة.
ويؤكد رحال أن الاحتلال يتعامل مع حرية الحركة والتنقل باعتبارها منة يمنحها للفلسطينيين وليس حقاً أصيلاً تكفله المواثيق الدولية، بل يجعل الأصل هو تقييد الحركة والاستثناء هو السماح بها، الأمر الذي يفرض مواصلة العمل القانوني والحقوقي والضغط المشترك حتى تصبح حرية التنقل حقاً مصاناً بعيداً عن الإجراءات التعسفية.
ويشدد رحال على أن ما يجري على الجسور من قبل الاحتلال الاسرائيلي يندرج في إطار العقوبات الجماعية التي يمارسها ضد الفلسطينيين، بما يخالف الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
حرية التنقل حق أساسي من حقوق الإنسان
يؤكد المحامي أمجد الشلة، أمين سر نقابة المحامين الفلسطينيين، المستشار القانوني، أن حرية تنقل المواطنين والسفر عبر معبر الكرامة تمثل حقاً أساسياً من حقوق الإنسان التي تكفلها قواعد القانون الدولي والقوانين المحلية، مشدداً على أنه لا يجوز تقييد هذا الحق بأي قيود زمنية أو إجرائية غير مبررة، باعتباره من الحقوق المكفولة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ويوضح الشلة أن إسرائيل، بصفتها قوة قائمة بالاحتلال، تتحمل التزامات قانونية واضحة تجاه السكان المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي مقدمتها تسهيل حياتهم المدنية وضمان حرية تنقلهم، مبيناً أن القانون الدولي الإنساني ينظم التزامات القوة القائمة بالاحتلال، ويحظر عليها فرض قيود غير مبررة على حركة السكان المدنيين أو الحد من حقهم في السفر والتنقل.
ويؤكد الشلة أن القيود التي تفرضها إسرائيل على حركة الفلسطينيين عبر معبر الكرامة تندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها بحق الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن تقييد سفر المواطنين، في ظل عدم وجود منفذ آخر لسكان الضفة الغربية إلى الخارج سوى جسر الكرامة، يشكل مساساً بحق قانوني وإنساني أساسي، إلى جانب ما يترتب عليه من آثار اقتصادية مباشرة نتيجة تعطيل حركة آلاف المواطنين وإعاقة تنقلهم، الأمر الذي ينعكس على مختلف مناحي الحياة.
ويلفت الشلة إلى أن معبر الكرامة لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد منفذ حدودي، وإنما مرفقاً قانونياً وإنسانياً تتقاطع فيه أحكام القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان، بما يفرض احترام الحق في حرية الحركة والتنقل دون قيود تعسفية.
وفي تعليقه على القرار الصادر عن المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن المعبر، يؤكد الشلة أن ما قام به المجلس التنسيقي للقطاع الخاص أمر هام، لكن المحكمة لم تستحدث حقاً جديداً، وإنما قررت تنفيذ ما تفرضه قواعد القانون الدولي أصلاً، والمتمثلة في ضمان حرية التنقل باعتبارها حقاً مكفولاً.
ويصف الشلة القرار بأنه "منقوص"، رغم أهميته، لأن ما نُشر بشأنه يشير إلى تحديد ساعات معينة للتنقل، مؤكداً أن هذا التقييد لا ينسجم مع الطبيعة الأصلية للحق في حرية الحركة وفق القانون الدولي الإنساني، الذي يجب أن يكون متاحاً في أي وقت.
ويؤكد الشلة أن مسؤولية تنفيذ القرار تقع على سلطات الاحتلال والجهات الإسرائيلية المختصة بإدارة المعابر والموانئ والحدود والمطارات، باعتبارها المخاطبة مباشرة بقرار المحكمة.
ويرى الشلة أن أي تحايل على تنفيذ القرار أو الامتناع عن تطبيقه سيشكل دليلاً على عدم احترام إسرائيل لقرارات قضائها، وسيكشف أمام المجتمع الدولي وجود خلل في ادعائها بأنها دولة مؤسسات وقضاء وديمقراطية، لأن احترام أحكام القضاء يقتضي تنفيذها كما صدرت دون انتقاص أو تعطيل.
لا يشكل استجابة لحق الفلسطينيين الأساسي
يعتبر مدير عام مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية "حريات" حلمي الأعرج أن قرار المحكمة الإسرائيلية المتعلق بمنح سلطات الاحتلال مهلة حتى الأول من تشرين الثاني المقبل، مع تمديد محدود لساعات العمل على جسر الكرامة خلال هذه الفترة، رغم أهميته، لا يشكل استجابة للحق الأساسي للمواطنين، وإنما يمثل محاولة للالتفاف على المطلب الجوهري المتمثل بفتح الجسر على مدار 24 ساعة وطوال أيام الأسبوع، لإنهاء معاناة مئات آلاف المسافرين.
ويؤكد الأعرج أن القرار، وإن بدا في ظاهره أنه يحقق تحسناً محدوداً إذا التزمت سلطات الاحتلال بتطبيقه، فإنه في جوهره لا يحسم الحق القانوني والفوري بحرية الحركة والتنقل، بل يؤجل البت فيه إلى ما بعد انتهاء المهلة الممنوحة بحجة دراسة الإمكانات وتوفير الطواقم الإدارية اللازمة، معتبراً أن ذلك يعد "ذراً للرماد في العيون"، لأن معاناة الفلسطينيين، بمن فيهم المرضى والأطفال والنساء، لا تحتمل مزيداً من التأجيل، خاصة في ذروة فصل الصيف وما يشهده الجسر من اكتظاظ شديد.
ويوضح الأعرج أن المحكمة كان يفترض بها الإقرار الفوري بحق الفلسطينيين في حرية التنقل، ثم بحث آليات التنفيذ لاحقاً، بدلاً من ربط هذا الحق بإجراءات إدارية تمتد لأشهر إضافية.
ويؤكد الأعرج أن المسؤولية تقع على عاتق الاحتلال أولاً وأخيراً، لكن هناك مسؤولية تقع على عاتق السلطة الوطنية الفلسطينية عبر علاقاتها الدولية وبالتنسيق مع الحكومة الأردنية لإيجاد آليات عملية تخفف معاناة المواطنين، من خلال تحسين البنية التحتية، وتطوير الخدمات والإجراءات المالية والفنية، وتنظيم العمل في الجسر والاستراحة، ومنع أي استغلال للمسافرين أو تحميلهم أعباء مالية إضافية، بما يضمن تسهيل حركة السفر بصورة تحفظ كرامة المسافرين.
ويشدد الأعرج على ضرورة استمرار المعركة القانونية مع سلطات الاحتلال حتى انتزاع الحق الكامل في حرية الحركة والتنقل، معتبراً أن الإجراءات التخفيفية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن هذا الحق.
ويشدد الأعرج على أهمية فكرة تشكيل هيئة أو لجنة وطنية عليا تضم ممثلين عن الجهات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص، تتولى متابعة شؤون المسافرين، ودراسة المشكلات القائمة، وتقديم المقترحات، وتعزيز الشفافية والتشاور بين مختلف الأطراف، مؤكداً أن قضية السفر عبر جسر الكرامة تمس كل بيت فلسطيني، ما يجعل التعامل معها مسؤولية وطنية جماعية تتطلب عملاً متواصلاً حتى إنهاء معاناة المواطنين.
أهمية تشغيل المعبر على مدار 24 ساعة يومياً
يؤكد مدير عام مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان عصام عاروري أن الحل الجذري لأزمة معبر الكرامة يتمثل في تشغيله على مدار 24 ساعة يومياً وسبعة أيام في الأسبوع، مشيراً إلى أن ذلك يستند إلى الترتيبات والاتفاقيات الناظمة لعمل المعبر، والتي تنص على أن يبقى مفتوحاً 363 يوماً في السنة، ولا يغلق إلا خلال يوم الغفران لدى اليهود واليوم الأول من عيد الأضحى، معتبراً أن هذا هو الوضع الطبيعي لأي معبر حدودي، إذ لا توجد حدود دولية تخضع لساعات دوام وإغلاق، مستشهداً بمعابر دولية مثل طابا والشيخ حسين التي تعمل على مدار الساعة.
ويوضح عاروري أن تقليص ساعات عمل معبر الكرامة يمثل إجراءً تفرضه سلطات الاحتلال، يحول حرية تنقل الفلسطينيين من حق أصيل تكفله القوانين إلى امتياز يمكن سحبه أو تقييده في أي وقت، على غرار القيود المفروضة على الحركة داخل الضفة الغربية عبر الحواجز العسكرية.
ويرى عاروري أن تحديد ساعات عمل المعبر يندرج ضمن سياسة العقوبات الجماعية، ويهدف إلى ممارسة المزيد من الضغوط على الفلسطينيين وإيصال رسالة مفادها بأن استمرارهم في مواجهة الاحتلال سيقابله المزيد من التضييق على حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها حرية التنقل.
ويشير عاروري إلى أن الأزمة التي تفاقمت خلال الأشهر الماضية جاءت نتيجة تقليص ساعات العمل، حيث يقتصر استقبال المسافرين خلال أيام الأسبوع حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً، فيما يستمر العمل بعد ذلك فقط لاستكمال إجراءات من دخلوا المعبر قبل هذا الموعد، لافتاً إلى أن المعبر أُغلق في أيام مختلفة بذرائع أمنية، وفي أحيان أُخرى بسبب إضرابات لموظفي الجانب الإسرائيلي، ما أدى إلى تفاقم معاناة المسافرين.
ويرى عاروري أن الاحتلال يتعامل مع معبر الكرامة باعتباره حاجزاً عسكرياً وليس معبراً حدودياً، مشبهاً آلية تشغيله ببعض الحواجز العسكرية التي تُفتح وتُغلق وفق اعتبارات تمنح الأولوية لحركة المستوطنين، معتبراً أن ذلك يعكس سياسة الفصل والتمييز العنصري، ويؤدي إلى حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية.
ويشدد عاروري على أن استمرار هذه السياسة يتسبب بمعاناة إنسانية كبيرة للمسافرين الذين يضطرون للانتظار ساعات طويلة داخل الحافلات في أجواء الأغوار الحارة، فضلاً عما يخلّفه ذلك من أضرار نفسية وصحية ومادية على المواطنين.
ويدعو عاروري إلى ممارسة ضغوط سياسية على سلطات الاحتلال لضمان إعادة العمل الطبيعي في المعبر، مؤكداً أنه في حال عدم إنصاف الفلسطينيين أمام القضاء الإسرائيلي، ينبغي دراسة اللجوء إلى القضاء الدولي لحل أزمة معبر الكرامة باعتبار ما يجري شكلاً من أشكال العقاب الجماعي.
المصدر:
القدس