تمر اليوم الذكرى السادسة والأربعون على إقرار الكنيست الإسرائيلي لما يسمى 'القانون الأساسي: القدس عاصمة إسرائيل'، وهو التشريع الذي صُدر في الثلاثين من يوليو عام 1980. حظي القانون آنذاك بتأييد 69 عضواً مقابل معارضة 15، بهدف تثبيت مكانة المدينة ضمن المنظومة القانونية والدستورية للاحتلال. واستهل النص بعبارة أصبحت لاحقاً ركيزة الموقف الإسرائيلي، معتبراً أن القدس بشطريها هي العاصمة الأبدية والموحدة.
رغم أن نص القانون تجنب استخدام مصطلحات صريحة مثل 'الضم' أو 'السيادة' على القدس الشرقية، إلا أن تعريف المدينة بأنها 'كاملة وموحدة' جاء ليعزز السيطرة الميدانية التي بدأت منذ عام 1967. ولم يكن هذا التشريع نقطة البداية في عملية التهويد، بل كان محاولة لمنح الإجراءات الإدارية والعسكرية السابقة غطاءً دستورياً. وبذلك انتقلت قضية القدس من مجرد قرارات حكومية إلى مستوى 'القوانين الأساسية' التي تعامل كدستور في إسرائيل.
تعود جذور الصراع القانوني إلى قرار تقسيم فلسطين عام 1947، الذي اقترح وضعاً دولياً خاصاً للمدينة المقدسة، لكن وقائع حرب 1948 أدت إلى تقسيمها بين سيطرة إسرائيلية وأردنية. ومع احتلال الجزء الشرقي في حرب يونيو 1967، سارعت سلطات الاحتلال إلى فرض قوانينها وتوسيع حدود البلدية لتشمل مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذه الخطوات الاستباقية مهدت الطريق لاحقاً لظهور قانون عام 1980 كخاتمة تشريعية لعملية الضم.
في أعقاب حرب 1967 مباشرة، أقر الكنيست تعديلات سمحت للحكومة بتطبيق إدارتها على مناطق جديدة، وهو ما تم فعلياً عبر ضم 70 كيلومتراً مربعاً من أراضي الضفة الغربية إلى حدود القدس. وشملت هذه المساحات بلدات وقرى فلسطينية محيطة، حيث تم حل البلدية العربية وإخضاع السكان للمؤسسات الإسرائيلية. ومنذ ذلك الحين، فُرض على الفلسطينيين وضع 'المقيم الدائم'، وهو مركز قانوني هش يهدد وجودهم في مدينتهم باستمرار.
جاء توقيت إقرار القانون عام 1980 في سياق سياسي معقد، تزامناً مع مفاوضات الحكم الذاتي التي أعقبت اتفاقات 'كامب ديفيد' مع مصر. طرحت المشروع عضو الكنيست المتطرفة غيئولا كوهين، ووجد رئيس الوزراء مناحيم بيغن نفسه مضطراً لدعمه لتجنب أي اتهام بالتنازل عن الثوابت الصهيونية. ورغم أن القانون لم يغير الكثير في الإدارة اليومية للمدينة، إلا أنه رفع سقف التحدي أمام أي تسوية سياسية مستقبلية.
تضمن القانون أربع مواد جوهرية، جعلت من القدس مقراً رسمياً لرئاسة الدولة والكنيست والحكومة والمحكمة العليا، مما كرس مركزية المدينة في النظام السياسي الإسرائيلي. كما نص القانون على التزام الحكومة بحماية الأماكن المقدسة وتأمين حرية الوصول إليها، وهو ادعاء تفنده الوقائع الميدانية والتضييقات المستمرة على المصلين. وألزم التشريع الدولة بمنح القدس أولوية في الميزانيات والتنمية الاقتصادية لتعزيز الوجود اليهودي فيها.
على الصعيد الدولي، قوبل القانون بموجة رفض عارمة، حيث تحرك مجلس الأمن الدولي لإصدار قرارات حاسمة تؤكد بطلان هذه الإجراءات. واعتبر القرار رقم 476 أن كافة التدابير التي تغير طابع المدينة غير قانونية، وتبعه القرار 478 الذي وصف القانون الإسرائيلي بأنه 'باطل ولاغٍ'. وطالب المجتمع الدولي الدول التي تمتلك سفارات في القدس بسحبها فوراً، وهو ما استجابت له معظم الدول في ذلك الوقت.
لم يتوقف التطور القانوني عند عام 1980، بل شهد عام 2000 إضافة تعديلات جديدة ربطت حدود المدينة بالمساحات التي تم ضمها بعد احتلال عام 1967. ومنعت هذه التعديلات نقل أي صلاحيات سيادية في هذه المناطق إلى أي جهة أجنبية إلا بموافقة برلمانية خاصة. هذا التشدد القانوني عكس رغبة الاحتلال في إغلاق ملف القدس نهائياً ومنع طرحه على طاولة أي مفاوضات قادمة.
في عام 2018، زاد الكنيست من تعقيد الموقف عبر رفع عدد الأصوات المطلوبة لتعديل وضع القدس إلى 80 عضواً، ما يمثل ثلثي البرلمان. هذا الإجراء يهدف إلى تحصين 'وحدة القدس' ضد أي تغييرات سياسية قد تطرأ على الحكومة الإسرائيلية مستقبلاً. كما جاء 'قانون القومية' في العام نفسه ليعيد التأكيد على أن القدس الموحدة هي العاصمة، مكرساً الفصل العنصري في التشريعات الأساسية.
أفادت مصادر حقوقية بأن هذه القوانين أدت إلى خلق واقع ديموغرافي وقانوني خانق للفلسطينيين، حيث يتم استخدام التشريعات كأداة للتهجير الصامت. فسياسة سحب الهويات وهدم المنازل تستند في كثير من الأحيان إلى تعريفات 'حدود البلدية' التي وضعها قانون القدس. وباتت المدينة تعيش صراعاً يومياً بين هوية سكانها الأصليين والغطاء القانوني الذي يحاول الاحتلال فرضه بقوة الكنيست.
رغم مرور 46 عاماً، لا يزال المجتمع الدولي متمسكاً بأن القدس الشرقية هي أرض محتلة، ولا يعترف بالسيادة الإسرائيلية عليها. وأكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الأخير عام 2024 أن محاولات إسرائيل لفرض قوانينها لا تغير من الحقيقة القانونية شيئاً. فالاحتلال يظل احتلالاً مهما حاول التخفي وراء نصوص دستورية أو تشريعات برلمانية محلية.
يشير محللون إلى أن قانون القدس فشل في تحقيق 'التوحيد' المزعوم، حيث تظل المدينة مقسمة اجتماعياً واقتصادياً وجغرافياً بفعل الجدار والاستيطان. فالقدس الشرقية لا تزال تحتفظ بهويتها العربية والإسلامية والمسيحية رغم كل محاولات الأسرلة القانونية. ويظل التناقض صارخاً بين مدينة يدعي الاحتلال أنها 'موحدة' في أوراقه، وواقع يؤكد أنها مدينة محتلة تقاوم الضم بكل أشكاله.
إن الأهمية الرمزية للقانون تراجعت أمام الصمود الفلسطيني الميداني، الذي أثبت أن السيادة لا تُنتزع بقرار من الكنيست. فالمواجهات المستمرة في الأقصى وأحياء القدس تؤكد أن 'القدس الموحدة' هي مجرد وهم قانوني يعيشه الاحتلال وحده. ومع ذلك، يظل القانون أداة خطيرة تستخدمها المحاكم الإسرائيلية لتشريع الاستيلاء على العقارات وتوسيع المستوطنات في قلب الأحياء العربية.
ختاماً، يبقى قانون القدس لعام 1980 شاهداً على محاولة فاشلة لشرعنة الاحتلال عبر 'الدسترة'، في صراع لم تحسمه أربع مواد قانونية. فالقدس لا تزال محور الصراع، والاعتراف الدولي بوضعها كأرض محتلة يمثل العقبة الكأداء أمام طموحات الاحتلال. ومع كل ذكرى لهذا القانون، يتجدد التأكيد على أن الحقوق التاريخية لا تسقط بالتقادم ولا تُلغى بقرارات برلمانية أحادية الجانب.
المصدر:
القدس