القدس-خاص بـ"القدس"- يشكل الوجود المسيحي في فلسطين جزءًا أصيلًا من الهوية التاريخية والوطنية للشعب الفلسطيني، إذ تمتد جذوره إلى فجر المسيحية، وظل على امتداد القرون عنصرًا رئيسًا في النسيج الحضاري والثقافي والديني للأرض المقدسة. وفي ظل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه الفلسطينيين عمومًا، والمسيحيين الفلسطينيين على وجه الخصوص، برزت جهود متواصلة على المستويات الدينية والوطنية والدبلوماسية للدفاع عن هذا الوجود وتعزيزه، ومن بين أبرز الشخصيات التي اضطلعت بأدوار بارزة في هذا المجال: غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث، والدكتور رمزي خوري، والسفير عيسى قسيسية والأب عطا الله حنا والأب مانويل مسلم، وفق تقرير أعده الصحفي واصل الخطيب، مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس.
البطريرك ثيوفيلوس الثالث
منذ توليه سدة بطريركية القدس للروم الأرثوذكس، عمل غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث على ترسيخ مكانة الكنيسة كصوت يدافع عن العدالة والسلام وكرامة الإنسان في الأرض المقدسة. وقد أكد في مناسبات عديدة أن الوجود المسيحي في القدس وفلسطين ليس مجرد إرث تاريخي، بل هو حضور حي ومتجذر ينبغي حمايته وصونه.
وعلى الصعيد الدولي، شارك البطريرك ثيوفيلوس الثالث في لقاءات مع رؤساء دول وكنائس ومنظمات دولية، داعيًا إلى حماية الأماكن المقدسة وصون الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس، كما شدد مرارًا على أن الحوار هو الطريق الوحيد لتحقيق السلام والأمن في الأرض المقدسة، مع الدعوة إلى إنهاء العنف واحترام الحقوق الأساسية لجميع السكان.
ولم تقتصر جهوده على الخطاب السياسي، بل امتدت إلى الحفاظ على التراث المسيحي، من خلال التعاون بين الكنائس في مشاريع ترميم كبرى، مثل كنيسة القيامة وكنيسة المهد، بما يعزز الحضور المسيحي ويحافظ على الإرث الديني والإنساني للأرض المقدسة.
خوري: دفاع دؤوب عن الحضور المسيحي
بوصفه رئيس اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين، يقود الدكتور رمزي خوري جهودًا سياسية ودبلوماسية متواصلة لإبراز معاناة المسيحيين الفلسطينيين باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من معاناة الشعب الفلسطيني.
وفي العديد من رسائله ولقاءاته مع قادة الكنائس في العالم، أكد الدكتور خوري أن التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، والاعتداءات على القرى والمقدسات، تمثل تهديدًا مباشرًا لاستمرار الوجود المسيحي الفلسطيني، داعيًا إلى تحرك دولي عاجل لحماية هذا الوجود التاريخي، واحترام القانون الدولي، ووقف الإجراءات التي تدفع المزيد من العائلات الفلسطينية، بمن فيها العائلات المسيحية، إلى الهجرة.
السفير قسيسية: الدبلوماسية في خدمة القضية
برز السفير عيسى قسيسية، خلال عمله سفيرًا لدولة فلسطين لدى الكرسي الرسولي، بوصفه أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية الفلسطينية التي عملت على تعزيز العلاقات الفلسطينية مع الفاتيكان والمؤسسات الكنسية العالمية.
وقد ركزت جهوده على توضيح الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون، وتعزيز التعاون مع الدوائر الفاتيكانية والكنائس الكاثوليكية، بما يسهم في دعم حقوق الشعب الفلسطيني، والدفاع عن الوجود المسيحي في الأرض المقدسة، وتشجيع الكنائس والمؤسسات المسيحية على مواصلة دعم صمود أبناء فلسطين.
كما أسهمت الدبلوماسية الفلسطينية لدى الكرسي الرسولي في تعزيز الحوار مع المرجعيات الدينية العالمية، وإبراز أهمية حماية الأماكن المقدسة والحفاظ على الطابع الديني والتاريخي لمدينة القدس، بما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة.
الأب عطالله حنا: دفاع ميداني عن القضية
يُعدّ الأب عطا الله حنا أحد أبرز الشخصيات الوطنية الفلسطينية التي سخّرت مكانتها الدينية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، حيث اقترن اسمه على مدار عقود بمواقف ثابتة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، رافضاً كل أشكال الظلم والاستيطان والتهجير. ولم يحصر رسالته في الإطار الكنسي فحسب، بل جعل من منابر الكنيسة منابر للحق والعدالة، مؤكداً أن الدفاع عن القدس والأرض والإنسان هو واجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون موقفاً سياسياً، وأن المسيحية الفلسطينية كانت وما زالت جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية الفلسطينية.
وقد تعرّض الأب حنا نتيجة مواقفه الوطنية لسلسلة من المضايقات والاستهداف من قبل سلطات الاحتلال، إلا أن ذلك لم يثنه عن مواصلة رسالته في فضح الانتهاكات الإسرائيلية أمام الرأي العام الدولي، والدعوة إلى حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية. وكان حاضراً في مختلف المحافل المحلية والدولية مدافعاً عن حق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال، ومؤكداً أن القضية الفلسطينية ليست قضية شعب فحسب، بل قضية عدالة وكرامة إنسانية تستوجب تضامن أحرار العالم.
مسلم.. رمز الوحدة المسيحية الإسلامية
يُعد الأب مانويل مسلم أحد أبرز الشخصيات المسيحية الوطنية الفلسطينية، إذ ارتبط اسمه بمواقف صريحة في الدفاع عن القضية الفلسطينية ورفض الاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً في مختلف تصريحاته أن الانتماء الوطني يسبق أي اعتبارات أخرى، وأن المسيحيين الفلسطينيين هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني وشركاء في نضاله من أجل الحرية والاستقلال. وقد دعا باستمرار إلى ترسيخ الوحدة الوطنية والإسلامية المسيحية باعتبارها الركيزة الأساسية في مواجهة سياسات الاحتلال.
وشدد الأب مانويل مسلم في العديد من المناسبات على أن القدس تمثل رمزاً جامعاً للمسلمين والمسيحيين، وأن استهداف المسجد الأقصى أو المقدسات الإسلامية لا ينفصل عن استهداف الكنائس والوجود المسيحي في فلسطين. ومن أشهر مواقفه الوطنية قوله: "إذا هدموا مساجدكم فارفعوا الأذان من كنائسنا"، وهي العبارة التي أصبحت رمزاً للوحدة الوطنية والتلاحم الإسلامي المسيحي في مواجهة الاحتلال، كما دعا إلى تعزيز الصمود الشعبي والدفاع عن الهوية العربية للقدس ومقدساتها.
ويرى الأب مانويل مسلم أن الحضور المسيحي في فلسطين لا يقتصر على البعد الديني، بل يمتد إلى دور وطني وتاريخي في حماية الأرض والإنسان والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، مؤكداً أن المسيحيين الفلسطينيين كانوا وما زالوا جزءاً من الحركة الوطنية ومن النضال من أجل الحرية والعدالة. كما دعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، مطالباً بإنهاء الاحتلال وضمان حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة على
تكامل الأدوار
تكشف متابعة هذه الجهود عن تكامل واضح بين الأبعاد الدينية والسياسية والدبلوماسية. فالبطريرك ثيوفيلوس الثالث يقدم صوت الكنائس التاريخية في القدس، والدكتور رمزي خوري يقود العمل الوطني والمؤسسي مع الكنائس العالمية، بينما يعمل السفير عيسى قسيسية على توظيف الدبلوماسية الفلسطينية في بناء جسور التواصل مع الفاتيكان والمؤسسات الكنسية الدولية، في الوقت الذي يناضل فيه الأب عطا الله حنا في الميدان مدافعاً عن القضية الوطنية بشكل عام والوجود المسيحي في الأرض الفلسطينية كمكون أساسي من مكونات المجتمع الفلسطيني برمته، في حين يجمع الكل الفلسطيني على أن الأب مانويل مسلم هو الرمز الأكثر وضوحاً في تعزيز اللحمة الاسلامية المسيحية في خندق النضال الواحد من أجل الحق الفلسطيني الثابت.
وقد ساهم هذا التكامل في إبقاء قضية المسيحيين الفلسطينيين حاضرة في المحافل الدولية، وربطها بالسياق الأوسع المتعلق بحقوق الإنسان، وحرية العبادة، وحماية الأماكن المقدسة، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
أخيراً، إن الدفاع عن الوجود المسيحي في فلسطين لا يقتصر على حماية أقلية دينية، بل يمثل دفاعًا عن هوية تاريخية وثقافية وإنسانية تشكل جزءًا لا يتجزأ من شخصية فلسطين. وفي هذا السياق، برزت جهود البطريرك ثيوفيلوس الثالث والدكتور رمزي خوري والسفير عيسى قسيسية، كل من موقعه، في إبقاء هذه القضية حاضرة على الأجندة الدولية، من خلال العمل الكنسي والدبلوماسي والسياسي، والدعوة إلى حماية الأماكن المقدسة، وتعزيز صمود المسيحيين الفلسطينيين، والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والعدالة والسلام، بما يضمن الحفاظ على التعددية الدينية والثقافية التي تميز الأرض المقدسة عبر التاريخ.
المصدر:
القدس