آخر الأخبار

سلامة: 50% رواتب حتى نهاية العام وتداعيات قطع العلاقة البنكي

شارك

"أزمة المحروقات" أزمة نقل وسيولة وإجراءات إسرائيلية معقدة
هدف الشركة الوطنية للمحروقات هو تعزيز الحوكمة لا منافسة القطاع الخاص
الانتقال إلى الدفع الإلكتروني أصبح جزءًا من حماية الاقتصاد الوطني
الصحة ستبقى في مقدمة أولويات الإنفاق رغم الأزمة المالية
لا نبحث عن فرض ضرائب جديدة... بل عن محاربة التهرب الضريبي
المساعدات الدولية الحالية لا تتناسب مع حجم الأزمة التي يواجهها الاقتصاد الوطني
اعتماد قانون حق الحصول على المعلومات يمثل نقلة نوعية في العلاقة بين الحكومة والمجتمع



رام الله- مهند ياسين- "القدس" دوت كوم - قال وزير المالية اسطيفان سلامة، إن الحكومة وصلت إلى نهاية المطاف اقتصادياً ومالياً في العلاقة مع إسرائيل، مشيراً إلى أن التهديدات الإسرائيلية بقطع العلاقة البنكية مع الفلسطينيين تشكل تجاوزا لكل الخطوط الحمراء، محذرا من أن مثل هذه الخطوة ستؤثر في قدرة المواطنين على الحصول على الخدمات الأساسية.
وكشف سلامة، خلال مؤتمر صحفي عُقد، أمس، في مقر رئاسة الوزراء بمدينة رام الله، عن حزمة من الإجراءات للتعامل مع الأزمة المالية وأزمة المحروقات، مؤكدا أن الأسبوع المقبل سيشهد بداية انفراج في أزمة المحروقات، فيما ستواصل الحكومة صرف 50% من رواتب الموظفين حتى نهاية العام الجاري.

العلاقة المالية وصلت النهاية
واستهل وزير المالية المؤتمر الصحفي برسالة مباشرة، أكد فيها أن السلطة الوطنية وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة في علاقتها المالية والاقتصادية مع إسرائيل، في ظل استمرار الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف، بحسب قوله، تقويض قدرة المؤسسات على الاستمرار وإغلاق ما تبقى من المنافذ الاقتصادية والمالية أمام الحكومة.
وقال سلامة إن التهديد الإسرائيلي المتكرر بقطع العلاقات البنكية مع البنوك الفلسطينية لا يمثل مجرد إجراء مصرفي، بل تهديدًا للحياة الاقتصادية، لأن البنوك المراسلة تشكل الحلقة الأساسية لعمليات الاستيراد والتحويلات المالية وتسديد أثمان السلع والخدمات.
وأوضح أن وقف هذه العلاقات سيؤدي عمليًا إلى تعطيل استيراد الوقود والكهرباء والمياه والسلع الأساسية، وسيضاعف الضغوط على المواطنين والقطاع الاقتصادي، في وقت يمر فيه الاقتصاد الوطني بواحدة من أصعب مراحله.
وأضاف أن هذه التطورات تأتي في سياق إجراءات إسرائيلية متصاعدة تشمل احتجاز أموال المقاصة، والتضييق على القطاع المصرفي، وفرض قيود على الحركة والتجارة، بما يهدف إلى إضعاف مقومات الدولة الفلسطينية.
وأكد أن المواطنين يواجهون اليوم أزمات متزامنة، تشمل تداعيات الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان واعتداءات المستوطنين، والإغلاقات العسكرية، والقيود على حركة التجارة واستخدام الشيكل، معتبراً أن مجمل هذه السياسات تستهدف تقويض الكيان الفلسطيني ومنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

أموال المقاصة المحتجزة
وعرض سلامة صورة للأزمة المالية التي تواجهها الحكومة، مؤكدًا أنها تعود بالدرجة الأولى إلى استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة، لا إلى عوامل داخلية.
وأوضح أن الحكومة تدخل الشهر السادس عشر دون الحصول على أموال المقاصة، ما أحدث فجوة كبيرة بين الإيرادات المتاحة واحتياجات الخزينة العامة.
وقال إن ما يتبقى للحكومة شهريًا بعد سداد أقساط القروض وخدمة الدين لا يتجاوز 100 مليون شيكل، مقابل احتياج شهري يبلغ نحو 1.5 مليار شيكل، الأمر الذي يجعل استمرار تقديم الخدمات الأساسية تحديًا يوميًا.
وأضاف أن الحكومة تنفق نحو 850 مليون شيكل شهريًا، فيما تحتاج إلى نحو 650 مليون شيكل لصرف 50% فقط من رواتب الموظفين، مؤكداً أنها لا تخفي حجم الأزمة عن المواطنين، بل ترى أن مصارحتهم بالحقائق المالية جزء من الصمود الوطني، وأن الاحتلال يبقى السبب الرئيسي لها، فيما تواصل الحكومة إدارة تداعياتها بأفضل الإمكانات المتاحة.

العلاقات البنكية أخطر أزمة
ووصف سلامة احتمال وقف العلاقات البنكية المراسلة بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية بأنه "أم الأزمات"، مؤكداً أن الحكومة باتت تتعامل معه كخطر حقيقي يستوجب إعداد خطط استجابة فورية.
وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية مددت العمل بترتيبات العلاقات البنكية حتى نهاية العام، إلا أن بعض البنوك الإسرائيلية بدأت باتخاذ قرارات منفردة، إذ قرر أحدها إنهاء العلاقة اعتباراً من الأول من أيلول، فيما مدّد آخرها التعامل حتى العاشر من تشرين الأول.
وقال إن الحكومة وسلطة النقد شكلتا لجنة عليا تجتمع بشكل متواصل لدراسة السيناريوهات المحتملة وإعداد إجراءات سيُعلن عنها قريباً، موضحاً أن بعضها سيكون "جراحياً" لكنه سينفذ تدريجياً لتقليل أثره على الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن الحكومة لا تنتظر حلول اللحظة الأخيرة، بل تعمل منذ الآن على إعداد بدائل تشمل البحث عن بنوك مراسلة أجنبية، وتعزيز استخدام العملات الأجنبية، والتوسع في وسائل الدفع الإلكتروني، لتقليل الاعتماد على النظام المالي الإسرائيلي.

الكاش قضية سيادية
وشكلت أزمة تكدس النقد من عملة الشيكل أحد أبرز محاور المؤتمر، إذ أكد سلامة أن الحكومة لم تعد تنظر إليها كمشكلة مصرفية فحسب، بل كقضية تمس الأمن القومي الفلسطيني، في ظل استمرار إسرائيل بفرض قيود على إعادة الشيكل إلى بنوكها، ما أدى إلى تراكم كميات كبيرة من النقد داخل السوق الفلسطينية.
وقال إن الأزمة تراكمت على مدى سنوات، لكنها باتت اليوم أكثر خطورة مع استخدام إسرائيل فائض الشيكل وسيلة ضغط على الاقتصاد الوطني، الأمر الذي يستدعي تبني سياسات تقلل الاعتماد على العملة الإسرائيلية بصورة تدريجية.
وأضاف أن تزايد كميات الشيكل لدى البنوك والتجار، مقابل رفض إسرائيل استيعابها، يفرض التوسع في استخدام العملات الأجنبية ووسائل الدفع الإلكتروني، باعتبارها من أبرز الحلول المطروحة لمعالجة الأزمة.
وأكد أن الحكومة تدرك أنها تأخرت في معالجة هذا الملف، لكن الظروف الحالية لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل، محذراً من أن استمرار تراكم الشيكل سيزيد الاقتصاد الوطني عرضة للابتزاز المالي والسياسي.

الدفع الإلكتروني أولوية
وشدد وزير المالية على أن التحول إلى الدفع الإلكتروني لم يعد مجرد خيار لتطوير الخدمات المالية، بل أصبح ضرورة وطنية لضمان استمرار عمل المؤسسات وتقليل آثار القيود الإسرائيلية.
وأوضح أن الحكومة تنظر إلى هذا التحول باعتباره جزءًا من حماية الاقتصاد الوطني، لما يوفره من تقليل للاعتماد على النقد، والمساهمة في معالجة فائض الشيكل، وتعزيز الشفافية وتنظيم الدورة المالية.
وقال إن البنية التحتية أصبحت مهيأة لهذا التحول، في ظل وجود نحو 1.8 مليون بطاقة مصرفية، ما يجعل المجتمع أكثر استعدادًا للتوسع في استخدام وسائل الدفع الحديثة.
وأضاف أن الحكومة، بالتعاون مع سلطة النقد، ستتوسع تدريجيًا في إلزام دفع الرسوم والخدمات الحكومية إلكترونيًا أو بالعملات المعتمدة قانونًا، باعتبارها خطوة عملية لتقليل الاعتماد على الشيكل، مؤكداً أن إجراءات أخرى يجري إعدادها وستنفذ تدريجيًا لتجنب إحداث صدمة في الاقتصاد الوطني.

فائض الشيكل يتفاقم
وفي معرض شرحه لأبعاد الأزمة النقدية، كشف سلامة أن السقف السنوي المسموح بإعادة الشيكل إلى إسرائيل، أو ما يعرف بـ"الكوتا"، يبلغ نحو 18 مليار شيكل، مقابل احتياجات فعلية للسوق الفلسطينية تقدر بحوالي 34 مليار شيكل.
وأوضح أن هذا الفارق أدى إلى تراكم فائض نقدي يقدر بنحو 17 مليار شيكل داخل السوق الفلسطينية، وهو مستوى يبقى مرتفعًا رغم تغيره من وقت لآخر.
وأشار إلى أن الحكومة، بالتعاون مع سلطة النقد، تعمل على خفض هذا الفائض تدريجيًا عبر تشجيع استخدام الدولار والدينار الأردني، إلى جانب التوسع في الدفع الإلكتروني، بما ينسجم مع الكميات التي تسمح إسرائيل بإعادتها سنويًا.
وأكد أن هذه العملية تحتاج إلى وقت، لكنها أصبحت ضرورة ملحة، لأن استمرار فائض الشيكل يمنح إسرائيل أداة ضغط إضافية على الاقتصاد الوطني.

بدائل مصرفية قيد البحث
وفي حديثه عن الخيارات المطروحة، أوضح سلامة أن الحكومة وسلطة النقد تبحثان بدائل لضمان استمرار العمليات المالية في حال أنهت إسرائيل العلاقات البنكية، من بينها الاستفادة من بنوك مراسلة أجنبية.
وقال إن هذا الخيار يتطلب توفير سيولة كافية بالدولار أو بعملات أجنبية أخرى، وهو ما تعمل الحكومة على تأمينه بالتنسيق مع الشركاء الدوليين والمؤسسات المالية.
وأضاف أن التوسع في استخدام الدولار والدينار لا يهدف فقط إلى معالجة أزمة الشيكل، بل إلى تقليل الارتهان للنظام المالي الإسرائيلي وتعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على مواجهة أي إجراءات أحادية مستقبلًا.
وأكد أن الحكومة ستعلن قريبًا حزمة متكاملة من الإجراءات لمواجهة هذا السيناريو، مشيرًا إلى أن بعضها سيكون مؤلمًا لكنه ضروري لحماية الاقتصاد الوطني.

رواتب الموظفين مستمرة
وتطرق وزير المالية إلى ملف رواتب الموظفين العموميين، مؤكداً أن الحكومة ستبذل كل ما بوسعها للحفاظ على صرف 50% من الرواتب حتى نهاية العام، رغم الفجوة المالية الكبيرة.
وقال إن الحكومة لا ترغب في العودة إلى صرف دفعات ثابتة بقيمة ألفي شيكل كما حدث سابقاً، واصفاً تلك التجربة بأنها كانت "صادمة"، لذلك تعمل على الإبقاء على نسبة الـ50% باعتبارها الخيار الأقل ضرراً.
وأوضح أن تمويل الرواتب يعتمد على الاقتراض من البنوك، والمساعدات الخارجية، والإيرادات المحلية، إلى جانب الإدارة الدقيقة للمال العام، التي أصبحت ركناً أساسياً في إدارة الأزمة.
وأضاف أن الحكومة بلغت سقف الاقتراض من البنوك الفلسطينية، لكنها تواصل البحث عن آليات لتوفير سيولة إضافية، بالتوازي مع جهودها لزيادة الدعم الخارجي، ولا سيما من الدول الأوروبية والعربية.
وأكد أن جميع الموارد المالية المتاحة تخضع يومياً لتقييم يحدد أولويات الإنفاق بين الرواتب، والصحة، والأمن، والخدمات الأساسية، بما يضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة في ظل محدودية الإمكانات.

"يبوس" يحفظ الكرامة
وأكد سلامة أن تطبيق "يبوس" لا يقتصر على صرف 500 شيكل إضافية للموظفين، بل يمثل جزءًا من رؤية حكومية لتعزيز الدفع الإلكتروني وتخفيف الأعباء عن موظفي القطاع العام.
وقال إن التطبيق يهدف إلى الحفاظ على كرامة الموظف من خلال تمكينه من تلبية احتياجاته الأساسية، مؤكداً أن المبلغ المخصص عبره لا يُقتطع من نسبة الـ50% التي تصرفها الحكومة.
وأوضح أن الاشتراك في التطبيق اختياري بالكامل، ولا تُخصم أي مبالغ من مستحقات الموظف إلا بموافقته، ومن دون فرض أي رسوم أو ضرائب إضافية.
وكشف أن الحكومة بدأت بتوسيع التطبيق ليشمل جميع موظفي القطاع العام، بمن فيهم منتسبو الأجهزة الأمنية، على أن تمتد خدماته لاحقًا إلى أكثر من 262 هيئة محلية ومختلف الخدمات الحكومية، بما يتيح دفع الرسوم إلكترونيًا، تمهيدًا لإدراج المتقاعدين ضمن التطبيق بصورة تدريجية.

المحروقات تحت الضغط
وتناول المؤتمر الصحفي أزمة المحروقات التي شهدتها السوق الفلسطينية، حيث أكد وزير المالية أنها نتجت عن مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها أزمة السيولة النقدية، وصعوبة إيداع الأموال في البنوك، وضعف القدرة التخزينية، والقيود الإسرائيلية على النقل والتوريد.
وقال سلامة إن الحكومة عملت منذ بداية الأزمة على معالجة أسبابها بالتوازي، موضحاً أن مشكلة "الكاش" شكلت أحد أبرز العوائق أمام شركات المحروقات، في ظل اعتماد محطات الوقود على النقد، مقابل القيود المفروضة على استقبال البنوك لكميات إضافية من الشيكل.
وأضاف أن وزارة المالية وهيئة البترول تمكنتا من احتواء جانب كبير من أزمة السيولة، قبل أن تنتقل الأزمة إلى مرحلة جديدة مرتبطة بعمليات النقل والإمداد نتيجة الإجراءات الإسرائيلية.
وأكد أن الحكومة تنظر إلى أزمة المحروقات باعتبارها امتداداً للأزمة المالية التي يفرضها الاحتلال، مشيراً إلى أن ضمان استمرار تزويد السوق بالوقود أصبح تحدياً يومياً يتطلب متابعة مباشرة مع مختلف الجهات المعنية.

النقل يعطل التوريد
وأكد سلامة أن العقبة الرئيسية أمام استقرار سوق المحروقات أصبحت تتمثل في عمليات النقل، موضحاً أن إسرائيل وجهت مئات الصهاريج للعمل في خدمة الجيش، ما انعكس مباشرة على قدرة الشركات الفلسطينية على نقل الوقود.
وقال إن نحو 260 صهريجاً من أصل 450 عاملة جرى تكليفها بخدمة الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي قلص القدرة اللوجستية المتاحة لتزويد السوق الفلسطينية، مضيفاً أن الحكومة تمكنت من احتواء جزء من أزمة السيولة، لكنها واجهت تحدياً جديداً يتمثل في محدودية وسائل النقل، وتعمل بالتنسيق مع الجهات المختصة لضمان وصول الوقود إلى جميع المحافظات.
وأشار إلى أن الحل يكمن في زيادة الكميات الموردة وضمان تدفقها بانتظام، مؤكداً أن الحكومة تعالج جميع العوامل المسببة للأزمة بالتوازي.

التخزين يحتاج تطويرا
وفي معرض تقييمه لأزمة الوقود، أقر سلامة بأن فلسطين تعاني منذ سنوات من ضعف القدرة على التخزين الاستراتيجي للمحروقات، معتبراً أن هذه القضية تمثل أحد أوجه القصور التي يجب معالجتها.
وقال إن وجود مخزون استراتيجي كافٍ كان سيحد من آثار الأزمة الأخيرة، مشيراً إلى أن القدرة التخزينية الحالية لمحطات الوقود تكفي لنحو أسبوعين، وهو ما يعد خطوة إيجابية، لكنه لا يغني عن إنشاء منظومة وطنية أكثر قدرة على مواجهة الطوارئ.
وأضاف أن الحكومة تعمل مع أصحاب المحطات على آلية جديدة تقوم على تحديد احتياجات كل محطة لشهر كامل مسبقاً، مقابل التزامها بتأمين تلك الكميات شهرياً، بما يعزز استقرار السوق ويحد من أي نقص مفاجئ في الإمدادات، مشيراً إلى أن نقابتي المحروقات والغاز أبدتا تعاوناً كبيراً مع هذه الآلية، ومن المتوقع البدء بتطبيقها خلال الفترة المقبلة.

التهريب يفاقم الأزمة
وأكد وزير المالية أن تهريب المحروقات يمثل أحد التحديات التي تواجه السوق الفلسطينية، لكنه ليس حلاً للأزمة الحالية، بل جزءاً منها.
وقال إن هناك مؤشرات على وجود عمليات تهريب، إلا أن الجهات المختصة لم تحدد حجمها بدقة بعد، مشيراً إلى أن الحكومة بدأت تقييمات فنية للوصول إلى تقديرات واضحة تمهيداً لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
وأضاف أن أضرار التهريب لا تقتصر على خسارة الخزينة العامة للإيرادات، بل تمتد إلى إثارة تساؤلات حول جودة الوقود المهرب ومدى مطابقته للمواصفات، بما يجعله قضية تتعلق بالسلامة العامة أيضاً، مؤكداً أن الحكومة ستواصل مكافحة التهريب بالتوازي مع زيادة التوريد الرسمي، لضمان تلبية احتياجات السوق عبر القنوات القانونية والرسمية.

شركة للحوكمة والإصلاح
ومن أبرز الملفات التي طرحها سلامة خلال المؤتمر مشروع إنشاء الشركة الوطنية للمحروقات، مؤكداً أن الهدف منه ليس مزاحمة القطاع الخاص أو احتكار تجارة الوقود، بل معالجة الخلل في حوكمة القطاع.
وأوضح أن هيئة البترول تؤدي حالياً ثلاث مهام في آن واحد؛ وضع السياسات، والرقابة والتنظيم، وإدارة العمليات التشغيلية المتعلقة بالشراء والبيع والنقل، معتبراً أن الجمع بينها يتعارض مع مبادئ الحوكمة الرشيدة.
وقال إن الحكومة تسعى إلى الفصل بين الدورين التنظيمي والتشغيلي، بحيث تبقى هيئة البترول جهة رقابية وتنظيمية، فيما تتولى الشركة الوطنية عمليات الشراء والتوريد والإدارة اللوجستية، مشيراً إلى أن المشروع يستند إلى قرار لمجلس الوزراء صدر عام 2018، وينص عليه القانون المعدل لهيئة البترول، موضحاً أن الحكومة باشرت تعديل القانون، وأن المشروع لا يزال قيد النقاش مع القطاع الخاص والغرف التجارية ونقابة المحروقات قبل استكمال إجراءاته التشريعية.

ملكية حكومية كاملة
وشدد سلامة على أن الشركة الوطنية للمحروقات ستكون شركة حكومية مملوكة بالكامل للدولة، نافيا وجود أي توجه لمنح القطاع الخاص حصصا فيها.
وأوضح أن مجلس الوزراء لم يحدد بعد رأس مال الشركة، وأن الخطوة الحالية تتمثل في استكمال تعديل قانون هيئة البترول، يعقبها إعداد عقد التأسيس والنظام الداخلي.
وأضاف أن مجلس الإدارة التأسيسي سيضم خمسة أعضاء، بينهم ثلاثة وزراء، إضافة إلى خبراء في الإدارة والمالية والحوكمة، يعينهم مجلس الوزراء، بهدف وضع الأسس التنظيمية للشركة، مؤكداً أن إنشاء الشركة لن ينعكس سلبا على أصحاب المحطات أو المواطنين، بل سيؤدي إلى تحسين الرقابة، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة إدارة قطاع المحروقات، دون المساس بحقوق العاملين في القطاع الخاص أو دورهم في السوق.

كيف نشأت أزمة الوقود؟
ومن جانبه، قدم وكيل وزارة المالية ومدير عام هيئة البترول مجدي الحسن شرحاً فنياً لأزمة المحروقات، مؤكداً أنها نتجت عن تداخل عدة عوامل، وليس بسبب نقص الإمدادات وحده.
وأوضح أن الكميات الواردة إلى السوق الفلسطينية تتراوح حالياً بين 2.8 و3 ملايين لتر يومياً، وهو المستوى الذي التزمت به الجهات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن الهيئة مددت ساعات العمل على المعابر حتى الثامنة مساءً لزيادة عدد الرحلات اليومية وتعويض جزء من النقص.
وأضاف أن 75% من الكميات الموردة تخصص للسولار مقابل 25% للبنزين، لضمان استمرار عمل القطاعات الإنتاجية ووسائل النقل والخدمات الأساسية، مشيراً إلى أن الحكومة تواصل، بالتنسيق مع الشؤون المدنية والجهات الإسرائيلية، جهودها للإفراج عن الصهاريج المحتجزة، وإقناع الشركات الإسرائيلية بالتوريد يومي الجمعة والسبت لزيادة الكميات المطروحة في السوق الفلسطينية.

الصحة أولوية الإنفاق
وأكد وزير المالية أن الحكومة، رغم الأزمة المالية غير المسبوقة، ما زالت تعتبر القطاع الصحي أولوية في توزيع الموارد المحدودة، نظراً لارتباطه المباشر بحياة المواطنين.
وقال إن الصحة تأتي في مقدمة أولويات الإنفاق إلى جانب الرواتب والخدمات الأساسية، موضحاً أن الحكومة أنفقت نحو 300 مليون شيكل على المستشفيات وشراء الأدوية حتى نهاية حزيران، وتستهدف رفع المبلغ إلى 750 مليون شيكل مع نهاية العام، عبر ضخ 450 مليون شيكل إضافية خلال الأشهر المتبقية، مضيفاً أن الحكومة تواصل حواراتها مع الشركاء الدوليين لتوجيه جزء أكبر من المساعدات الخارجية إلى القطاع الصحي، ولا سيما المستشفيات والأدوية، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية.
كما ثمن تعاون النقابات الصحية والأطباء والعاملين في القطاع الصحي، معتبراً أن الحفاظ على استمرار الخدمات الصحية يمثل إحدى ركائز الصمود الوطني في ظل الظروف الراهنة.

الضرائب دون زيادة
وفي ملف الإيرادات المحلية، شدد سلامة على أن الحكومة لا تعتزم فرض ضرائب جديدة أو رفع الضرائب الحالية، نافياً ما يتردد بهذا الشأن.
وقال إن السياسة المالية تقوم على توسيع قاعدة الالتزام الضريبي، لا زيادة نسب الضرائب، بما يضمن أن يدفع كل مكلف ما يترتب عليه وفق القانون.
وأضاف أن الحكومة تقر بوجود حالات تهرب ضريبي في مختلف القطاعات، مؤكداً أن مكافحته أصبحت واجباً وطنياً، إلى جانب كونها التزاماً قانونياً وأخلاقياً، لما يوفره من موارد لتمويل الرواتب والخدمات الأساسية، مشيراً إلى أن الحكومة ستواصل تطوير أدوات التحصيل، مع دراسة حوافز تشجع المكلفين على الالتزام الضريبي، دون تحميل المواطنين أعباء ضريبية إضافية.

المساعدات غير كافية
وفي معرض حديثه عن الجهود الدولية، قال سلامة إن الحكومة الفلسطينية كثفت خلال الأشهر الماضية اتصالاتها مع الشركاء الدوليين، سواء عبر مؤتمر المانحين في بروكسل أو من خلال اللقاءات الثنائية التي عقدتها وزارة المالية وسلطة النقد ووزارة الخارجية.
وأوضح أن الحكومة طرحت أمام نحو سبعين دولة مختلف التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني، وفي مقدمتها احتجاز أموال المقاصة، والقيود المفروضة على الجهاز المصرفي، وأزمة السيولة، والضغوط التي تتعرض لها المؤسسات الفلسطينية.
ورغم تقديره للدعم الذي يقدمه المجتمع الدولي، أكد سلامة أن هذا الدعم لم يعد يتناسب مع حجم الأزمة الحالية، قائلا إن المساعدات قد تكون مناسبة في الظروف الطبيعية، لكنها لا تكفي في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، داعياً المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغط أكبر على إسرائيل لإنهاء الإجراءات التي تستهدف الاقتصاد الفلسطيني، إلى جانب زيادة الدعم المباشر للخزينة الفلسطينية، بما يضمن استمرار الخدمات الأساسية وصمود المؤسسات العامة.

حرية المعلومات تتقدم
وأعلن وزير المالية أن مجلس الوزراء أقر قبل أيام قانون حق الحصول على المعلومات، معتبراً أنه يشكل تحولاً مهماً في العلاقة بين الحكومة والمجتمع ووسائل الإعلام.
وقال إن القانون يكفل للمواطنين حق الوصول إلى المعلومات الرسمية، بما يعزز الشفافية والمساءلة، ويضع فلسطين في مصاف الدول التي تضمن هذا الحق، مضيفاً أن الحكومة تنظر إلى القانون باعتباره خطوة إصلاحية من شأنها تعزيز الثقة بالمؤسسات الرسمية وتطوير بيئة العمل الإعلامي والرقابي خلال المرحلة المقبلة.

ضريبة "البلو" الإسرائيلية
ومن جانبه، خصص وكيل وزارة المالية ومدير عام هيئة البترول مجدي الحسن جانباً من المؤتمر لتوضيح آلية تسعير المحروقات والرد على ما وصفه بالمغالطات المتداولة بشأن ضريبة "البلو".
وأوضح أن هذه الضريبة تفرضها إسرائيل على المحروقات قبل دخولها إلى السوق الفلسطينية، وكانت تقتصر سابقاً على البنزين قبل أن تشمل مختلف أنواع الوقود، بما فيها السولار.
وأضاف أن سعر الوقود يتكون من سعر المصفاة، مضافاً إليه ضريبة "البلو" وضريبة القيمة المضافة، اللتان تحولان مباشرة إلى وزارة المالية الإسرائيلية، قبل أن تعودا نظرياً ضمن أموال المقاصة التي ما تزال إسرائيل تحتجزها منذ خمسة عشر شهراً، مؤكداً أنه لا يمكن استيراد الوقود من إسرائيل دون دفع هذه الضرائب، نظراً لارتباط النظام الضريبي الإسرائيلي، ولأن إسرائيل تبرر ذلك بمنع تهريب الوقود إلى سوقها الداخلية.

التسعير وفق الاتفاقيات
وأوضح الحسن أن أسعار المحروقات في فلسطين تحسب وفق آلية واضحة تبدأ بالسعر الإسرائيلي، مضافا إليه ضريبة "البلو" وضريبة القيمة المضافة، ثم يضاف هامش ربح لمحطات الوقود.
وقال إن هامش الربح يبلغ 33 أغورة لكل لتر سولار، و54 أغورة لكل لتر بنزين، مؤكدا أن الحكومة تحاول كلما أمكن تخفيف العبء عن المواطنين من خلال الدعم المحدود المتاح، إلا أن الإمكانات المالية لا تسمح بتقديم دعم أكبر في ظل الأزمة الحالية.

هيئة البترول تتطور
كما استعرض الحسن تطور عمل هيئة البترول، موضحا أنها كانت في السابق مؤسسة مستقلة تحتفظ بإيراداتها، قبل أن تصبح جزءا من وزارة المالية ضمن نظام الخزينة الموحدة.
وأكد أن هذا التحول ساهم في تعزيز الرقابة المالية والحد من الاختلالات السابقة، كما أدى إلى تطوير منظومة نقل الوقود داخل فلسطين، بعدما كانت الشركات الإسرائيلية تسيطر بصورة شبه كاملة على عمليات النقل والتوزيع.
وأضاف أن دمج الهيئة في وزارة المالية سمح بإخضاع جميع الإيرادات والمصروفات للرقابة المالية الحكومية، بما عزز مبادئ الشفافية والحوكمة، وهو النهج الذي تسعى الحكومة اليوم إلى استكماله من خلال إنشاء الشركة الوطنية للمحروقات وفصل الوظائف التنظيمية عن التشغيلية.

غياب المخزون الاستراتيجي
وردا على سؤال لـ"ے" حول أسباب عدم وجود مخزون استراتيجي من المحروقات، قال الحسن إن الحكومات الفلسطينية المتعاقبة لم تمتلك فائضا ماليا يسمح بتمويل إنشاء مثل هذا المخزون.
وأوضح أن الظروف المالية الصعبة، واعتماد الحكومة على الاقتراض لتغطية نفقاتها الأساسية، حالا دون تنفيذ مشاريع التخزين الاستراتيجي، رغم الحاجة إليها، مضيفاً أن إنشاء الشركة الوطنية للمحروقات قد يفتح الباب مستقبلا أمام بناء منظومة تخزين وطنية، تمكن الحكومة من شراء كميات أكبر في الفترات المناسبة، وتعزيز قدرة السوق الفلسطينية على مواجهة الأزمات والانقطاعات المفاجئة.

رسالة صمود أخيرة
واختتم وزير المالية المؤتمر بالتأكيد أن الحكومة والمواطنين يقفون في خندق واحد لمواجهة الأزمة الراهنة، مشدداً على أن المرحلة تتطلب أعلى درجات التماسك الوطني وعدم السماح للخلافات الداخلية بإضعاف قدرة الفلسطينيين على الصمود.
وقال إن الحكومة تدرك حجم معاناة المواطنين وموظفي القطاع العام، لكنها تعتبر الحفاظ على استمرار المؤسسات والخدمات الأساسية أولوية وطنية، موجهاً الشكر لموظفي القطاع العام، المدنيين والعسكريين، ولجميع المواطنين على صبرهم وتحملهم.
وأكد أن الحكومة ستواصل إدارة الأزمة بأقصى ما تتيحه الإمكانات، معتبراً أن صمود المواطنين والقيم المجتمعية الفلسطينية يشكلان الركيزة الأساسية لاستمرار المؤسسات الوطنية في أداء واجباتها.



القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا