آخر الأخبار

القنصل الفرنسي: الانتخابات الفلسطينية تفتح أفقاً رغم الصعوبا

شارك

- لن نتخلى عن واجبنا بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في ظروفه الصعبة
- حل الدولتين سيكون النهاية الطبيعية للاعترافات الدولية بفلسطين
- انتهاك الوضع القائم في القدس يغذي التوتر
- ما يجري في غزة من كارثة إنسانية يفوق الوصف
- فرنسا تحمي المسيحيين التزاماً بمسؤولياتها التاريخية
- فرنسا تواصل تقديم الدعم للسلطة في مجالات الصحة والتعليم والمياه


أجرى المقابلة: محمد أبو خضير


في مقابلة حصرية أُجريت بمناسبة مغادرته، يستعرض القنصل العام الفرنسي في القدس، نيكولا كاسيانيديس، حصيلة ثلاث سنوات من العمل الدبلوماسي في منطقة تتسم بالتوترات بصفة خاصة. ولم تقتصر مهمته على أداء وظائفه، بل أتاحت له أن يشهد مباشرة على الواقع المتباين في القدس والضفة الغربية وغزة، وعلى صمود الفلسطينيين، وعلى عمل فرنسا التي ظلت حاضرة رغم تعقيدات الوضع.
ويعرض نيكولا كاسيانيديس في هذه المقابلة المواقف الفرنسية إزاء الانتهاكات التي يرتكبها المستوطنون، ويوضح سياق الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ويؤكد أن حل الدولتين، رغم كل الصعوبات، لا يزال الحل الوحيد الممكن. ولكن هل يمكن لهذا الحل أن يظل قابلًا للتحقق في وقت يستمر فيه الاستيطان في التوسع، على حساب الأرض والأمل؟

* لنبدأ بما يجري في القدس. كيف تنظرون إلى اقتحام الوزير بن غفير المسجد الأقصى برفقة عدد كبير من المستوطنين، وإلى رفع الأعلام الإسرائيلية والغناء والرقص داخل المسجد؟ كيف تنظرون إلى هذا المساس بأحد المساجد الرئيسية وثالث أقدس مكان في الإسلام؟
نرصد توجهًا مقلقًا للغاية في القدس، حيث بات الوضع القائم في الأماكن المقدسة مهددًا. وهذه مسألة نتابعها بأقصى قدر من الاهتمام، وقد أصدرنا بشأنها عدة بيانات. ولا شك في أن هذا توجه مقلق للغاية.

* ماذا تشعرون عندما تُستهدف المساجد والكنائس، وعندما تحول الحواجز دون وصول المصلين إليها وأداء شعائرهم الدينية بحرية، سواء في المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة؟
إن كل انتهاك للوضع القائم وكل مساس بالأماكن المقدسة، من قبيل ما ذكرتموه، أمر غير مقبول على الإطلاق. كما أن هذه الأفعال خطيرة للغاية، لأنها تصب الزيت على النار وتغذي توترات جديدة. ومن الواضح أن الجميع يشعرون بقلق بالغ إزاء هذا الوضع.
وكما تعلمون، فإن هذه المسألة تحظى أيضًا بأولوية خاصة لدى فرنسا، لأننا نضطلع منذ عدة قرون بمسؤولية مرتبطة بحماية الطوائف الدينية الكاثوليكية في الأرض المقدسة. ونحن نتابع كل ذلك من كثب، ونتدخل من أجل وقف الانتهاكات أو الاعتداءات الجسدية التي تستهدف رجال الدين والأماكن المقدسة.

* تعرضت كنائس للاعتداء، وسُرقت ممتلكات، وتعرض رجال دين مسيحيون ومصلّون للضرب والمضايقة. بل وصل الأمر بإسرائيليين إلى البصق على رهبان وراهبات. كيف تنظرون إلى هذه الانتهاكات؟
بالنسبة إلى القنصلية، يتعلق الأمر بمسؤولية بالغة الأهمية تعود جذورها إلى عدة قرون، ونطلق عليها اسم "حماية فرنسا للكاثوليك في الأرض المقدسة".
وخلال هذه السنوات الثلاث، لاحظت زيادة ملحوظة في الصعوبات التي يواجهها الوجود المسيحي في الأرض المقدسة. وتشمل هذه الصعوبات الاعتداءات على رجال الدين، ولا سيما في البلدة القديمة بالقدس، فضلًا عن انتهاكات أوسع نطاقًا تستهدف مسيحيين هم أيضًا، بكل بساطة، فلسطينيون. وأفكر على وجه الخصوص في قرية الطيبة، التي زرناها وتوجهنا إليها، والتي تتعرض لاعتداءات متكررة من جانب المستوطنين.
وبالنسبة إلى فرنسا، تعد هذه مسألة محورية لأنها تندرج ضمن مسؤولياتنا واختصاصاتنا التاريخية. وفي الوقت نفسه، لا نقيّم الانتهاكات على نحو مختلف تبعًا لديانة الضحية؛ فجميع الانتهاكات وجميع الاعتداءات التي تستهدف البشر تُقيَّم بالطريقة نفسها ومن دون تمييز.

* كيف تنظرون إلى إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية؟ فهم يحاصرون التجمعات والقرى الفلسطينية، ويهدمون المنازل، ويقتلون الناس، ويدمرون الأراضي الزراعية، ويسرقون الأغنام. وقد هُجّر أكثر من 42 تجمعًا فلسطينيًا في محيط القدس المحتلة وفي المنطقة "ب". كيف تنظرون إلى الأعمال الإرهابية التي يرتكبها المستوطنون؟
أولًا، يتمثل جزء أساسي من عمل القنصلية في التوجه إلى الميدان والبقاء على مقربة من جميع هذه التجمعات. نحن نذهب إلى كل مكان: إلى مسافر يطا، وشمال جنين، ونابلس، والمناطق المحيطة برام الله. وباختصار، نتوجه إلى كل مكان تتصاعد فيه الأنشطة الاستيطانية وأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون.
ويمكننا ملاحظة أن هذه الظاهرة باتت الآن واسعة الانتشار في مختلف أنحاء الضفة الغربية، حيث تُستهدف قرى فلسطينية كثيرة بصورة أو بأخرى. ومسؤوليتنا الأولى، بوصفنا القنصلية الفرنسية العامة في القدس، هي أن نكون حاضرين، وأن نبقى قريبين من السكان، وأن نقدم لهم دعمنا. وعندما تطلب منا تجمعات أن نأتي إليها، نتوجه إليها. ونحن ندعمها مثلما ندعم التجمعات والمنظمات التي تحاول حمايتها بوسائل مختلفة.
ويتخذ دعمنا شكل الحضور في الميدان، والمساعدة المالية، ودعم البنية التحتية، ولا سيما في المناطق "ج"، وهي بالطبع الأكثر تضررًا. ونحاول أن نظل في الميدان إلى جانب هذه التجمعات، وسنواصل القيام بذلك.
لقد ذكرتم أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون، وقد أدانتها فرنسا بوضوح. نعم، إنها ظاهرة مقلقة للغاية تتسع بسرعة كبيرة، ونحن لا نقف مكتوفي الأيدي.
ماذا يمكننا أن نفعل في مواجهة ذلك؟ اتخذت فرنسا عدة قرارات على الصعيد الوطني، من بينها فرض عقوبات على عدد من المستوطنين العنيفين، وكذلك على وزيرين ضالعين بقوة في الأنشطة الاستيطانية. وإلى جانب ذلك، فرض الاتحاد الأوروبي أيضًا عقوبات على مستوطنين عنيفين وعلى عدة منظمات تنشط بصفة خاصة في تمويل الأنشطة الاستيطانية.

* لكن، هل هذا كافٍ؟ ما زال بناء المستوطنات مستمرًا وبكثافة. وقبل يومين، أفادت حركة "السلام الآن" بأنه جرى إنشاء 21 مستوطنة جديدة خلال عامين، وأن هذه المستوطنات ستستولي على أكثر من 20 في المئة من المنطقة "ب"، ما من شأنه أن ينهي حل الدولتين. إن الإدانات وعبارات القلق لا توقف الاستيطان، ولا اعتداءات المستوطنين وإرهابهم. هل توجد إجراءات ملموسة لمعاقبة هذه الحكومة ووزرائها الذين يدعون إلى القتل ويشجعون إرهاب المستوطنين؟ وهل يجري التفكير في إدراجهم على قوائم الإرهاب؟
هناك نقاش جارٍ داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية زيادة الضغط فيما يتعلق بالأنشطة الاستيطانية وأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون. ونحن ندرك أن التدابير المتخذة حتى الآن قد لا تكون كافية لوقف هذا التوسع.

* فيما يتعلق بغزة، شاهدنا الكثير من التقارير والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن جنود إسرائيليين يحملون أيضًا الجنسية الفرنسية. فقد ذهبوا إلى غزة، وقتلوا فلسطينيين، ثم عادوا إلى فرنسا لاستئناف حياة طبيعية. هل توجد آلية تسمح باعتقال هؤلاء الجنود وتقديمهم إلى العدالة على جرائم حرب ارتكبوها في غزة؟
تخضع هذه المسألة في فرنسا أساسًا لسلطة القضاء المستقل. ويعود إلى القضاء أن يباشر الملاحقات عندما يرى أن بعض الوقائع تستوجب ذلك. ونحن نثق بنزاهة نظامنا القضائي واستقلاله في التعامل مع مثل هذه القضايا وفقًا للقانون.

* هل تعتقدون أن الحرب في غزة انتهت؟ لا يزال أشخاص يُقتلون كل يوم، وقد أحرقت إسرائيل مراكز إيواء ومدارس تابعة للأمم المتحدة، في وقت يتحدث فيه البعض عن وقف لإطلاق النار.
ثمة أمر مؤكد: لا يزال الوضع في غزة كارثيًا من جميع النواحي، وسيكون من غير الدقيق القول خلاف ذلك. فلا يزال أشخاص يُقتلون كل يوم. وبالطبع، لا شيء أسوأ من أن يُقتل المرء، لكن الظروف التي يعيش فيها من لا يزالون على قيد الحياة غير مقبولة وكارثية أيضًا.
نتلقى تقارير من الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، وكذلك شهادات مباشرة من أشخاص يعيشون في خيام تحيط بها الجرذان والنفايات ومياه الصرف الصحي غير المعالجة، ضمن مساحة صغيرة جدًا وضيقة للغاية. وهذا الوضع غير مقبول إطلاقًا من الناحية الإنسانية.
ومن المهم —وأشكركم على طرح هذا السؤال— أن نواصل التذكير بذلك، ولا سيما عندما تحظى غزة باهتمام أقل في وسائل الإعلام الغربية. ولهذا رأت فرنسا أنه من المهم إبقاء غزة في صدارة المناقشات الدولية، ومحاولة إيجاد مسار حقيقي للتعامل مع هذا الوضع المأساوي.

* ما رأيكم في الاعتداءات على وكالة الأونروا، وفي الجهود الإسرائيلية الرامية إلى إنهاء أنشطتها، وتدمير مكاتبها ومقارها، وإغلاق مدارسها، وكذلك تدمير مقرها الرئيسي في القدس؟ كيف تنظرون إلى دور الأونروا ومستقبلها في غزة والقدس؟
تعرضت الاعتداءات على المقار الدبلوماسية لإدانة دولية واضحة. وقد أكد المجتمع الدولي بوضوح شديد أن المقار الدبلوماسية، بما فيها تلك التي ذكرتموها في القدس، يجب ألا تتعرض لأي اعتداء.

السياسة الخارجية الفرنسية

* وماذا عن دور فرنسا؟ لقد انتقد مسؤولون إسرائيليون المبادرة الفرنسية، ويبدو أن إسرائيل تفضل أن تتولى الولايات المتحدة وحدها قيادة "عملية السلام"، التي دخلت في غيبوبة منذ وصول نتنياهو إلى السلطة. ولا يبدو أنها تريد لفرنسا أو لبلدان أخرى أن تشارك فيها. ما رأيكم؟
هناك نقطة بالغة الأهمية: السياسة الخارجية الفرنسية هي السياسة الخارجية لفرنسا. فهي ليست السياسة الخارجية الإسرائيلية ولا السياسة الخارجية الفلسطينية. وإنما تستند إلى مصالحنا الوطنية وتقييمنا للوضع، وكذلك إلى قيمنا ومبادئنا الراسخة.
ولا نتوقع أن يكون الإسرائيليون راضين تمامًا عن سياستنا الخارجية، مثلما لا نتوقع أن يكون الفلسطينيون راضين عنها تمامًا. فكلا الشعبين صديق لفرنسا، ومن المهم بالنسبة إلينا الحفاظ على علاقات جيدة معهما. وهذا جزء من تقييمنا المتواصل لسياستنا الخارجية.
والأهم من ذلك أن الأولويات التي وجّهت سياستنا الخارجية، استنادًا إلى مصالحنا الوطنية، تمثلت أولًا في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وثانيًا في فتح أفق لسلام حقيقي ودائم في المنطقة.
لقد دعمت فرنسا دائمًا حل الدولتين ودافعت عنه بقوة. ولذلك كان المسار نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية تطورًا طبيعيًا ومنطقيًا جاء ضمن سياق محدد.
وكان هناك، أولًا، الوضع الميداني الذي وصفتموه: الوضع المروع في غزة وتدهور الأوضاع في الضفة الغربية، ولا سيما التوسع الاستيطاني المنفلت من الضوابط، الذي يهدد حل الدولتين.
وثانيًا، استند هذا الجهد إلى مبادرة إقليمية وضعتها فرنسا بالتعاون مع المملكة العربية السعودية. وباختصار، كانت الفكرة تتمثل في إعادة تأكيد إمكان تحقيق تطبيع إقليمي شامل، يتضمن إسرائيل بوصفها دولة من دول المنطقة، انطلاقًا من الاعتراف المتبادل والتوصل إلى تسوية حقيقية للقضية الفلسطينية. كما تتناول هذه المبادرة مسألة حماس، ولا سيما نزع سلاحها، وتقوم على رفض الإرهاب واللجوء إلى العنف.
واندرجت هذه المبادرة ضمن الجهد الأوسع الذي أفضى إلى قرار الاعتراف. وقد أسفرت عن إعلان نيويورك، الذي أيده أكثر من 140 بلدًا. وكان لتولي فرنسا والمملكة العربية السعودية الترويج له أهمية بالغة.
وتمثل جزء آخر من هذا الجهد في إجراء مناقشات معمقة مع السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس بشأن الالتزامات التي كان مستعدًا لاتخاذها. ونحن نتابع تنفيذ هذه الالتزامات بالتعاون الكامل مع السلطة الفلسطينية، ولا سيما فيما يتعلق بتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية.
كما أن الاعتراف مهم في حد ذاته، لأن الاعتراف بدولة في وقت تواجه فيه خطرًا وجوديًا يشكل فعلًا رمزيًا وسياسيًا بالغ الأهمية. وأنا على قناعة عميقة بأن للاعتراف أهمية في حد ذاته، لكن من الضروري أيضًا فهمه ضمن هذا السياق الشامل.

* عن أي انتخابات تتحدثون في ظل الظروف الحالية؟ لقد دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي 80 في المئة من قطاع غزة، إلى جانب مساحات واسعة من جنين وطولكرم. ولا يستطيع الناس التنقل، ولا يزال إرهاب المستوطنين مستمرًا، فيما يخضع الفلسطينيون في القدس لقيود مشددة. ويمنع الاحتلال سكان القدس الفلسطينيين من المشاركة في أي نشاط فلسطيني، حتى لو كان حفل نهاية العام في روضة أطفال. فكيف يمكن إذًا تنظيم انتخابات؟
هناك مليون سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن هذه الانتخابات لن تُجرى، أو بأن تنظيمها سيكون بالغ الصعوبة. والأسباب التي ذكرتموها جزء من ذلك، إلى جانب أسباب كثيرة أخرى. ومع ذلك، واستنادًا إلى المناقشات التي أجريناها مع المسؤولين عن تنظيم الانتخابات، نعتقد أن هناك وسائل للتغلب على هذه الصعوبات أو الالتفاف عليها. وقد لا تكون هذه الترتيبات مثالية، لكن توجد وسائل لتنظيم الانتخابات.
ومن الطبيعي أن تكون هذه مسألة فلسطينية داخلية، وليس من شأننا التدخل في تفاصيل تنظيمها. ودورنا هو دور صديق من الخارج يقدم المشورة عندما تُطلب منه. ومن هذا المنطلق، نرى أنه من المهم أن ينخرط جميع الفلسطينيين في العملية الانتخابية ويشاركوا فيها.
ستكون الظروف بالغة الصعوبة وستُطرح تساؤلات كثيرة. ومع ذلك، وبعد أكثر من عشرين عامًا من دون انتخابات وطنية، يقول لي كثير من الفلسطينيين أنفسهم إن الوقت قد حان لتنظيم الانتخابات. وأنا أعتقد حقًا أن شيئًا إيجابيًا سينبثق من هذه العملية، مهما كانت العقبات.

الانتخابات قد تسهم في دفع الأمور للأمام

* فيما يتعلق بغزة، رفضت إسرائيل السماح للجنة التكنوقراط بدخول قطاع غزة، كما رفضت فتح معبر رفح. ويفكر الناس في الغذاء والماء والمأوى. وفي مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم، هُجّر أيضًا عشرات الآلاف من الأشخاص في ظل هذه الظروف. فهل تمثل الانتخابات الأولوية حقًا؟
بالطبع، نتفق جميعًا على أن الغذاء والماء والمأوى تمثل الاحتياجات الفورية وذات الأولوية لدى السكان. لكن هذه الأولويات لا يستبعد بعضها بعضًا. بل على العكس، يمكن لتنظيم الانتخابات أن يسهم في دفع الأمور إلى الأمام على المستويين السياسي والمؤسسي.
ويرتبط هذا بما قلته بشأن الاعتراف ومبادرة السلام التي وضعتها فرنسا والمملكة العربية السعودية: نحن نعلم أن الحل النهائي لا يمكن تطبيقه فورًا، لكن علينا أن نرسم أفقًا وأن نطرحه.
والأمر نفسه ينطبق على الانتخابات: فهي تشكل خطوة على الطريق، وأفقًا لا بد من رسمه، حتى لو كان معقدًا وصعبًا. وإذا حاولنا النظر إلى النصف الممتلئ من الكأس، فقد أمكن تنظيم انتخابات بلدية في ظروف صعبة.
وفي البداية، عندما قالوا: "سنحاول تنظيمها في دير البلح"، رد كثيرون بأن ذلك مستحيل أو غير ملائم، لأن الناس يحتاجون إلى الغذاء ويواجهون أولويات ملحة أخرى. ومع ذلك، نجحت تلك الانتخابات.

* بالقوة العسكرية وبغطرسة، تقرر إسرائيل ما إذا كان الناس سيتمكنون من التنقل، وما إذا كانت الأبواب ستُفتح والتجمعات ستتمكن من المشاركة. فهل سيُسمح للفلسطينيين في القدس بالتصويت؟
نعرف جميعًا هذا الواقع الصعب. لكن توجد وسائل للتغلب على هذه المشكلات أو الالتفاف عليها. وفي نهاية المطاف، يعتمد كل شيء على الإرادة السياسية والمشاركة الجماعية.

الحل الأكثر واقعية

* هل ما زلتم تؤمنون بحل الدولتين؟ يوجد اليوم نحو 750 ألف مستوطن في الضفة الغربية، وينتشر جنود الاحتلال حول جميع المدن وداخلها.
نعم، ما زلت أؤمن به. وإذا حللتم الوضع بواقعية، فستجدون أنه الحل الوحيد الذي يمكن تطبيقه من دون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. إنه الحل الأكثر واقعية الذي لن تترتب عليه مثل هذه الانتهاكات.
وربما يمكنكم اقتراح حل أفضل لا أراه، لكن هذا الحل يظل، في رأيي، الحل الوحيد القابل للتطبيق، ولا سيما في وقت تصاعدت فيه التوترات بدرجة كبيرة منذ السابع من أكتوبر، وباتت الثقة شبه منعدمة. ويظل شكل من أشكال الفصل القائم على وجود دولتين الحل الأكثر واقعية.

* ما رأيكم في تقديم الوزير سموتريتش خططًا للضم، في وقت يتحدث فيه رئيس الوزراء نتنياهو عن "إسرائيل الكبرى" الممتدة من النيل إلى الفرات، وقد عرض خرائط في الأمم المتحدة؟ وفي الوقت نفسه، تتحدثون أنتم عن القانون الدولي. فما الذي بقي من المجتمع الدولي والقانون الدولي بعد مقتل أكثر من 21 ألف طفل من بين 73 ألف فلسطيني قُتلوا في غزة؟
تدعم فرنسا حل الدولتين. ولذلك نعارض كل ما لا يندرج ضمن هذا الإطار، ولا سيما مشاريع الضم والتوسع. وسنواصل دعم القانون الدولي ومبادئه. تمر الحياة الدولية بفترات تكون أسوأ من غيرها، ونحن بالتأكيد في مستوى متدنٍ للغاية. لكن لهذا السبب تحديدًا، يجب أن نواصل الإيمان بالقانون الدولي والدفاع عنه بأقصى درجات الحزم. وإلا فسيجد العالم بأسره نفسه في وضع بالغ الصعوبة خلال السنوات المقبلة، وستفقد الشرعية الدولية معناها.

* هل يمكنكم توضيح طبيعة الدعم الذي تقدمه فرنسا للسلطة الفلسطينية؟ وما القطاعات التي تستفيد من هذا الدعم؟
دعمنا للسلطة الفلسطينية مهم ومتعدد الأشكال. ويُقدَّم عن طريق الاتحاد الأوروبي، الذي يُعد المساهم المالي الأكبر، وكذلك على المستوى الثنائي. فالسلطة الفلسطينية، أولًا وقبل كل شيء، شريك من أجل السلام. وثانيًا، فإن أي انهيار للسلطة الفلسطينية -وهناك حاليًا مخاطر جدية في هذا الصدد- سيشكل كارثة للمنطقة بأسرها. وعلى هذا الأساس يقوم دعمنا وحوارنا مع السلطة الفلسطينية.
ونقدم دعمًا مباشرًا للموازنة، ولا سيما للمساهمة في دفع الرواتب في قطاعي التعليم والصحة. وهذا أحد العناصر التقليدية والمهمة في دعمنا.
كما يشمل تعاوننا مجالات مختلفة، ولا سيما عن طريق الوكالة الفرنسية للتنمية. ويشكل قطاع المياه أحد مجالات التدخل الرئيسية. ولهذا القطاع أهمية كبيرة، وعندما تتحدثون إلى المواطنين الفلسطينيين تظهر الصعوبات المرتبطة بالمياه بوضوح شديد.
وننفذ مشاريع مهمة مع سلطة المياه الفلسطينية في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، ولا سيما في المناطق الشمالية مثل جنين وطوباس. وهي مشاريع مهمة في مجال البنية التحتية.
كما نقدم دعمًا ماليًا للسلطات المحلية، لأننا نرى أنها تشكل جزءًا مهمًا من البيئة الديمقراطية والاجتماعية الفلسطينية.
ونوفر أيضًا دعمًا مؤسسيًا مهمًا للوزارات وفي مجال المالية العامة. وهناك معهد للمالية العامة شديد النشاط ويؤدي عملًا قيّمًا، وننفذ معه مشروعًا طويل الأمد.
وتمثل القدس الشرقية أيضًا أولوية رئيسية، رغم أن هذا العمل لا يُنفذ بالتعاون المباشر مع السلطة الفلسطينية.
وفي القدس الشرقية، لدينا مشروع بقيمة عدة ملايين من اليوروهات، تنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية ويحمل اسم "AJIR+"، وهو مستمر منذ عدة سنوات. ويدعم هذا المشروع منظمات غير حكومية صغيرة، إلى جانب منظمات تسهم في صمود المجتمع الفلسطيني في القدس الشرقية.
فعلى سبيل المثال، دعمنا البنية التحتية للمدارس، وأسهمنا، عن طريق الوكالة الفرنسية للتنمية، في تجديد شبكة الكهرباء في مدرسة الفرير. وهذا النوع من العمل مهم ومكلف، ويشهد على التزامنا الملموس.

* ماذا تشعرون وأنتم تستعدون لمغادرة القدس بعد أربع سنوات قضيتموها في العمل مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني؟
يصعب وصف ما أشعر به. أولًا، أكنّ إعجابًا كبيرًا واحترامًا عميقًا للشعب الفلسطيني، بالنظر إلى كل ما واجهه خلال السنوات الثلاث الماضية. وقد ترك صموده وكرامته أثرًا عميقًا في نفسي. غالبًا ما يتحدث الناس عن صمود الفلسطينيين وكرامتهم، لكنهما حقيقيان بالفعل، وقد شعرت بهما حقًا.
والنقطة الثانية هي أن فرنسا ظلت قريبة من الشعب الفلسطيني في أحلك الأوقات وأصعبها. وفي أكثر المناطق تضررًا في غزة والضفة الغربية، بذلنا كل ما في وسعنا لنبقى قريبين من الشعب الفلسطيني.
إن العلاقة بين فرنسا وفلسطين قوية للغاية. وغالبًا ما نصفها بأنها تاريخية، لكنها أيضًا حقيقة قائمة على الأرض، وهذا أمر أشعر بفخر كبير تجاهه.
وكما قلت في احتفال العيد الوطني في الرابع عشر من يوليو، سأحمل في داخلي شعورين متناقضين. أولهما الشعور بمعاناة الناس. لقد شهدت معاناة هائلة. وبدأ ذلك في السابع من أكتوبر مع فرنسيين قتلهم حماس. وحضرت جنازاتهم في القدس إلى جانب عائلاتهم. وبعد ذلك بوقت قصير جدًا، اندلعت الحرب في غزة، حيث قُتل أربعة من موظفينا الفلسطينيين. وشكل ذلك صدمة عميقة للقنصلية كان التعافي منها بالغ الصعوبة.
وهناك أيضًا معاناة سكان غزة، ومعاناة الأشخاص الذين اعتدى عليهم المستوطنون في الضفة الغربية. وهذه أمور لا ينساها المرء.وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من هذه المعاناة، كان هناك دائمًا شيء ما يُظهر، أحيانًا بصورة غريبة، أن الحياة لا تزال حاضرة. وهذا أيضًا ما يجعل هذا المكان استثنائيًا. وهذا موجود لدى الجانب الفلسطيني كما هو موجود لدى الجانب الإسرائيلي.
وحتى في أشد الظروف بؤسًا، يبقى هناك دائمًا شيء يمنح الأمل ويعكس غريزة الحياة. إن المعاناة ونزع الصفة الإنسانية أمران بالغَا الصعوبة، ويجعلان الوصول إلى أي حل أكثر صعوبة.
لكنني أفضل أن أغادر وأنا أحمل شعورًا أكثر إيجابية، شعورًا بالنور. والجامعات الفلسطينية مثال على ذلك، ولا سيما جامعة النجاح في نابلس، التي نقيم معها تعاونًا علميًا متميزًا تشارك فيه أفضل الجامعات الفرنسية. وهذا مصدر للأمل.

* هل تعتقدون أن العلاقات مع إسرائيل تغيرت بعد اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية؟ وهل لاحظتم تغيرًا في طريقة تعامل المسؤولين الإسرائيليين مع فرنسا أو معكم شخصيًا؟
العلاقة بين فرنسا وإسرائيل قديمة، وربما مرت بمراحل من الصعود والهبوط. وأنا على قناعة عميقة بأن هذه العلاقة تستند إلى أسس متينة للغاية. فهناك جالية فرنسية كبيرة هنا، وجالية يهودية كبيرة في فرنسا، فضلًا عن روابط ثقافية واقتصادية كثيرة وروابط أخرى. وآمل أن تتحسن العلاقات مجددًا خلال السنوات المقبلة رغم الخلافات.

* خلال الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي في كنيسة سانت آن، صرحتم بأنكم ستغادرون قريبًا. متى ستنتهي مهمتكم؟
في مطلع شهر آب/ أغسطس المقبل.

حل الدولتين الحل الوحيد الممكن

يغادر نيكولا كاسيانيديس القدس مقتنعًا بأن الحل الوحيد الذي لا يزال ممكنًا هو حل "الدولتين"، رغم المستوطنات ومعاناة السكان. ومن وجهة نظره، ليست فرنسا طرفًا منحازًا، بل بلدًا يسعى إلى فتح أفق للسلام. وستكون الكلمة الأخيرة للواقع على الأرض، لكن صوت فرنسا، كما عبّر عنه نيكولا كاسيانيديس، يواصل التأكيد أن السلام ممكن، شريطة توافر الإرادة وانتصار الحياة على الموت.


القدس المصدر: القدس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا