د. عمر رحال: الهدف يتجاوز الأثر العسكري المباشر إلى محاولة "هندسة مستقبل" الأطفال الفلسطينيين نفسياً واجتماعياً لينشأ جيل يعيش تحت وطأة الصدمة المستمرة
سمير زقوت: الهدف النهائي لاستهداف المدنيين وخاصة الأطفال يتمثل بدفع من تبقى من أهالي القطاع لمغادرته كون المسؤولين الإسرائيليين لم يتراجعوا عن هذا التوجه
د. أسامة عبد الله: استهداف الأطفال نهج إسرائيلي يقوم على إبقاء القطاع تحت الضغط والإنهاك حتى خلال الفترات التي يفترض أن يسود فيها الهدوء
خالد قزمار: استمرار غياب التدخل الدولي سيؤدي إلى تعميق آثار الحرب لسنوات طويلة وسيبقي الأطفال الفئة الأكثر دفعاً لثمنها على مستويات مختلفة
عصام عاروري: 93% من أطفال غزة يعانون تغيرات مقلقة مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة ما يؤكد أن الأزمة تجاوزت حدود الخسائر البشرية لتطول مستقبل جيل كامل
رام الله - خاص بـ"القدس"-
يتواصل سقوط الأطفال ضحايا في قطاع غزة، رغم مرور نحو تسعة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار، في مشهد يعكس استمرار الانتهاكات بحق المدنيين، ويؤشر إلى أن الهدنة لم تنعكس على الواقع الإنساني، فيما يبقى الأطفال الفئة الأكثر تضرراً من العدوان وتداعياته المستمرة.
ويرى مختصون وحقوقيون وكتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن استمرار استهداف الأطفال يتجاوز كونه حصيلة للحرب، ليعكس آثاراً بعيدة المدى تطاول المجتمع الفلسطيني بأكمله، من خلال تعميق الأزمات الإنسانية والنفسية والاجتماعية، وحرمان آلاف الأطفال من الأمن والتعليم والرعاية الصحية، بما يهدد مستقبل جيل كامل.
وفي ظل تصاعد أعداد الضحايا خاصة من الأطفال، يدعو المختصون والحقوقيون والكتاب والمحللون إلى تحرك دولي أكثر فاعلية لوقف استهداف المدنيين، وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وتفعيل آليات المساءلة عن الانتهاكات، وسط تحذيرات من أن استمرار غياب المحاسبة سيؤدي إلى تكريس الأزمة الإنسانية وتعميق آثارها على المجتمع الفلسطيني لسنوات طويلة.
إبقاء القطاع تحت تهديد دائم
يؤكد مدير مركز شمس لحقوق الإنسان د.عمر رحال أن استمرار استهداف وقتل الأطفال في قطاع غزة رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار يعكس سياسة إسرائيلية تهدف إلى إبقاء القطاع تحت تهديد دائم، ومنع المواطنين من استعادة حياتهم الطبيعية أو الشروع في إعادة الإعمار، موضحاً أن مفهوم إسرائيل لوقف إطلاق النار، وفق ما يجري على الأرض، لا يعني التوقف الكامل عن القتل والقصف وإطلاق النار.
ويشير رحال إلى أن استمرار استشهاد الأطفال بين الضحايا لا يمكن فصله عن استهداف الشعب الفلسطيني في عمقه، باعتبار أن الأطفال يمثلون مستقبل أي شعب، وأن قتلهم أو إصابتهم أو حرمانهم من التعليم والرعاية الصحية يستهدف قدرة الشعب الفلسطيني على الاستمرار وإعادة بناء نفسه، مشيراً إلى أن هذه السياسة تؤدي إلى تفكيك الأسرة والبنية الاجتماعية وشبكات الحماية والرعاية، وتوجه رسالة للفلسطينيين بأن قطاع غزة "غير صالح للحياة".
زرع الخوف والعجز في نفوس المواطنين
ويوضح رحال أن استهداف الأطفال بصورة متكررة يزرع الخوف والعجز في نفوس المواطنين، ويقوض الوجود الفلسطيني على المدى البعيد، معتبراً أن الرسالة الموجهة إلى العائلات هي أنه "لا مكان لكم هنا"، بما يدفع نحو الهجرة والرحيل القسري، في ظل استهداف الأبناء واستمرار انعدام الشعور بالأمان.
ويرى أن قتل الأطفال يحمل أيضاً بعداً يتعلق بكسر الروح المعنوية وروح المقاومة لدى الأجيال المقبلة، موضحاً أن ما كان يتمثل سابقاً في اعتقال الأطفال بالضفة الغربية تحول، في قطاع غزة، إلى القتل، بهدف ترهيب الفلسطينيين وكسر إرادتهم ومنعهم حتى من التفكير في مقاومة الاحتلال.
الأطفال ومواجهة الآثار النفسية العميقة
ويشير رحال إلى أن الأطفال الذين ينجون من الحرب يواجهون آثاراً نفسية عميقة تتمثل في الصدمات والكوابيس والخوف المزمن، ما قد ينعكس على حياتهم ومستقبلهم لسنوات طويلة، معتبراً أن استهداف الطفولة الفلسطينية يتجاوز الأثر العسكري المباشر إلى محاولة "هندسة مستقبل" الأطفال الفلسطينيين نفسياً واجتماعياً، بحيث ينشأ جيل يعاني اضطرابات نفسية عميقة ويعيش تحت وطأة الصدمة المستمرة.
ويؤكد رحال أن الطفل الفلسطيني يتمتع بحماية مضاعفة بموجب القانون الدولي، فهو محمي بصفته مدنياً وفق اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها، ومحمي أيضاً بموجب اتفاقية حقوق الطفل التي انضمت إليها إسرائيل، معتبراً أن استمرار استهداف الأطفال، رغم هذه الحماية القانونية، يطرح أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحاضر إلى التأثير في مستقبل الشعب الفلسطيني، وإضعاف قدرته على الصمود والاستمرار.
إسرائيل متمسكة بدفع الأهالي للتهجير
يؤكد نائب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير زقوت أن استمرار استهداف المدنيين، ولا سيما الأطفال، في قطاع غزة رغم إعلان وقف إطلاق النار، يعكس تمسك إسرائيل بالمخطط الذي تعلنه قياداتها السياسية والعسكرية، والمتمثل في دفع سكان القطاع إلى مغادرته عبر مواصلة العمليات العسكرية وتدمير مقومات الحياة.
ويوضح أن توسيع المساحات التي تسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تجاوزت 70% من مساحة قطاع غزة، يندرج ضمن سياسة تهدف إلى حصر السكان في مناطق ضيقة ودفعهم نحو التهجير.
ويشير زقوت إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تعمد إلى تدمير المناطق التي تتقدم إليها بالكامل عبر عمليات النسف والتفجير، بما يجعلها غير صالحة للحياة ويحول دون عودة سكانها إليها.
إسرائيل لا تلتزم بقواعد القانون الدولي
ويرى زقوت أن استمرار قتل الأطفال بعد وقف إطلاق النار، والذي بلغ نحو 300 طفل، ليرتفع إجمالي عدد الأطفال القتلى إلى ما يقارب 21 ألف طفل، يؤكد أن إسرائيل لم تلتزم بقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف المدنيين وتحصر العمليات العسكرية بالأهداف العسكرية، معتبراً أن هذه الأعداد الكبيرة لا يمكن تفسيرها باعتبارها أضراراً جانبية أو أخطاء، وإنما تدل على تعمد استهداف المدنيين، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء.
ويشير إلى أن آثار الحرب لا تقتصر على القصف المباشر، بل تشمل "البيئة الإبادية" الناتجة عن تدمير المستشفيات والمنشآت الصحية، والنقص الحاد في الأدوية والكوادر الطبية، إلى جانب الجوع والحر والبرد، وهي عوامل تتسبب أيضاً في وفاة المزيد من المدنيين.
ويرى زقوت أن الهدف النهائي لاستهداف المدنيين وخاصة الأطفال يتمثل في دفع من تبقى من أهالي القطاع إلى مغادرته، موضحاً أن المسؤولين الإسرائيليين لم يتراجعوا عن هذا التوجه، بل يواصلون تأكيده بصورة متكررة، وربط بين ذلك وبين تصاعد الاستيطان في الضفة الغربية، معتبراً أنه يندرج ضمن سياسة تهدف إلى التهجير القسري للفلسطينيين.
خطة ترمب لم توقف الإبادة
ويوضح زقوت أن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف إطلاق النار لم تؤد إلى وقف أشكال الإبادة، وإنما جاءت لاحتواء الغضب الدولي والإيحاء بتوقفها، بينما استمرت العمليات العسكرية والانتهاكات على الأرض.
وينتقد زقوت "تواطؤ المجتمع الدولي"، معتبراً أنه أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الانتهاكات، مؤكداً أن الجرائم المرتكبة تعد من أكثر الجرائم توثيقاً، سواء عبر عمل الصحفيين الفلسطينيين أو من خلال ما ينشره جنود إسرائيليون بأنفسهم.
ويشير إلى أن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية واتفاقيات جنيف تفرضان على الدول الأطراف واجب منع الجرائم وملاحقة المسؤولين عنها، معتبراً أن استمرار غياب المساءلة شجع على مواصلة الانتهاكات.
ويلفت زقوت إلى أن مستقبل هذه التطورات يرتبط بمسار الصراع الإقليمي، معرباً عن أمله في أن تتعثر المشاريع التي تستهدف تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.
تقويض مقومات الصمود
يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن استمرار استشهاد الأطفال في قطاع غزة، رغم الحديث عن اتفاق لوقف إطلاق النار، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل عابر أو أخطاء متكررة، وإنما يثير تساؤلات جدية بشأن طبيعة النهج العسكري الإسرائيلي ومدى الالتزام الفعلي بحماية المدنيين، ولا سيما الأطفال.
ويوضح أن تكرار قتل الأطفال بهذا الشكل يعكس، من منظور سياسي، سياسة تهدف إلى إبقاء المجتمع الفلسطيني تحت ضغط دائم، وتقويض مقومات صموده، وإيصال رسالة، مفادها أن قطاع غزة لا يوفر أي مكان آمن لمن يعيش فيه، معتبراً أن ذلك ينسجم مع أهداف تقوم على تعزيز الردع وفرض وقائع ميدانية بالقوة.
أهمية احترام حقوق المدنيين
ويوضح جودة أن أي مبررات أمنية تطرحها إسرائيل لا تعفيها من التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض حماية المدنيين، وخاصة الأطفال، ويحظر الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة، مؤكداً أن احترام هذه القواعد يعد التزاماً قانونياً لا يسقط في أوقات النزاعات المسلحة.
ويشير جودة إلى أنه إذا ثبت أن الأطفال يُستهدفون عمداً، أو أن الخسائر المدنية الجسيمة يتم قبولها رغم إمكانية تجنبها، فإن ذلك قد يرقى إلى جرائم حرب تستوجب إجراء تحقيقات ومساءلة أمام الجهات القضائية الدولية المختصة، وفي مقدمتها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
لا مبررات لقتل الأطفال
وفي تعليقه على أعداد الأطفال الذين قتلوا مت بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وكذلك منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، يصف جودة هذه الأرقام بأنها تمثل واحدة من أكثر الوقائع الإنسانية إيلاماً في تاريخ الصراع، مؤكداً أنه لا يوجد أي مبرر أخلاقي أو قانوني يجعل قتل هذا العدد الكبير من الأطفال أمراً مقبولاً، لأن الأطفال ليسوا أطرافاً في الحرب، وحمايتهم تمثل التزاماً قانونياً مطلقاً وليست خياراً سياسياً.
إخفاق خطير باحترام قواعد القانون الدولي
ويشدد جودة على أن استمرار قتل الأطفال بهذا الحجم يكشف كما ترى منظمات حقوقية ومراقبون، عن إخفاق خطير في احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ويعزز المطالب بإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ويؤكد جودة أن تجريم قتل الأطفال يجب أن يكون موقفاً مبدئياً لا يخضع للاعتبارات السياسية أو لموازين القوى، وأن وقف هذه الانتهاكات وضمان عدم إفلات مرتكبيها من المساءلة بات ضرورة قانونية وأخلاقية وإنسانية، وليس مجرد مطلب سياسي.
تساؤلات حول التزام إسرائيل بالقوانين الدولية
يعتبر الباحث السياسي والأكاديمي الفلسطيني د. أسامة عبد الله أن استمرار مقتل الأطفال في قطاع غزة رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار لا يمكن تفسيره باعتباره أخطاء ميدانية أو تجاوزات فردية، وإنما يعكس، من منظور سياسي فلسطيني، استمرار نهج عسكري إسرائيلي يقوم على إبقاء القطاع تحت الضغط والإنهاك حتى خلال الفترات التي يفترض أن يسود فيها الهدوء.
إسرائيل تسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف
ويوضح عبد الله أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف المتوازية، تتمثل في الإبقاء على حالة الردع والضغط العسكري، وفرض وقائع ميدانية تُبقي سكان القطاع في حالة دائمة من الخوف وعدم الاستقرار، بما يزيد الضغوط المرتبطة بالنزوح والهجرة وتفاقم الأزمة الإنسانية، مؤكداً أن هذا النهج ينسجم مع خطاب سياسي إسرائيلي يعتبر الهدنة مرحلة لإدارة الصراع وليس إنهاءه أو التراجع عن أهداف الحرب.
ويشير إلى أن استمرار استهداف الأطفال ينعكس سلباً على صورة إسرائيل في المحافل الدولية، موضحاً أن النقاش في العديد من العواصم الغربية لم يعد يقتصر على حقها في الدفاع عن نفسها، بل امتد إلى مدى التزامها بالقانون الدولي الإنساني وقواعد حماية المدنيين، الأمر الذي يفاقم الضغوط السياسية والقانونية عليها، ويعزز الانتقادات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، إلى جانب اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في دول مختلفة.
استهداف الأطفال مؤشر على حجم الكارثة
ويشدد عبد الله على أن الاستهداف واستشهاد طفل بمعدل يوم، لا ينبغي التعامل معه بوصفها مجرد إحصاءات، بل باعتباره مؤشراً على حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، إذ تمثل خسارة جيل كامل تعرض للقتل أو الإعاقة أو اليتم أو الصدمات النفسية العميقة.
ويؤكد أن استهداف الأطفال، سواء بصورة مباشرة أو نتيجة العمليات العسكرية التي تطاول المناطق المدنية، يترك آثاراً تمتد لعقود، لأن الأطفال يمثلون مستقبل المجتمع الفلسطيني، وأن استمرار ارتفاع أعداد الضحايا يثير تساؤلات حول فعالية منظومة الحماية الدولية وقدرتها على ترجمة قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات حماية الطفل إلى إجراءات عملية توقف استهداف المدنيين.
ويدعو عبد الله العالم إلى أولوية وقف استهداف الأطفال، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتفعيل آليات المساءلة القانونية عن أي انتهاكات، باعتبار حماية الأطفال التزاماً قانونياً وأخلاقياً يقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره.
الاتفاق لم ينعكس على حياة المدنيين
يؤكد المدير التنفيذي للمركز الفلسطيني لحقوق الطفل خالد قزمار أن استمرار قتل الاحتلال الإسرائيلي للأطفال في قطاع غزة رغم إعلان وقف إطلاق النار يؤكد أن الاتفاق لم ينعكس على حياة المدنيين، بل اقتصر على تغيير في أساليب العمليات العسكرية، فيما استمرت الانتهاكات بحق المواطنين، وفي مقدمتهم الأطفال، معتبراً أن ما يجري يندرج ضمن استمرار جريمة الإبادة الجماعية.
ويرى قزمار أن اتفاق وقف إطلاق النار "كان خديعة"، لافتاً إلى أن عدداً من الدول احتفى بإعلانه، من دون أن يترافق ذلك مع أي تحسن ملموس في الواقع الإنساني داخل قطاع غزة، أو مع مواقف واضحة إزاء استمرار قتل المدنيين.
استهداف الأطفال.. الضحية بقيت نفسها
ويؤكد قزمار أن الوقائع الميدانية والأرقام باستهداف المدنيين وتكبيدهم المعاناة، تثبت أن الضحية بقيت نفسها، وأن الأطفال ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر.
ويشير إلى أن قطاع غزة أصبح، منذ أشهر، غير صالح للحياة الآدمية، مستنداً إلى تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومؤسسات دولية، مؤكداً أن الأطفال والنساء وكبار السن هم الأكثر تضرراً من استمرار الحرب، وأن استهداف الأطفال يمثل استهدافاً مباشراً للمستقبل الفلسطيني، من خلال القضاء على مقومات الحياة وإمكانيات التعافي في القطاع.
مأساة إنسانية لا يمكن اختزالها بالأرقام
ويؤكد قزمار أن استمرار قتل طفل تقريباً كل يوم بعد إعلان وقف إطلاق النار يعكس أن الاتفاق لم يشعر به أي مواطن في غزة، ولا سيما الأطفال، مشدداً على أن فقدان طفل واحد يومياً يمثل مأساة إنسانية لا يمكن اختزالها بالأرقام، وأن استمرار قتل الأطفال من دون مساءلة أو محاسبة يطرح تساؤلات جدية حول فاعلية النظام الدولي في حماية المدنيين.
ويرى قزمار أن المسؤولية لا تقع على الاحتلال وحده، بل تمتد إلى الدول التي دعمت أو احتفت باتفاق وقف إطلاق النار من دون أن تضغط لضمان تنفيذه وحماية المدنيين، معتبراً أن صمت المجتمع الدولي على استمرار قتل الأطفال يجعل هذه الدول شريكة في استمرار الانتهاكات.
ضرب المستقبل الفلسطيني
ويوضح قزمار أن الأطفال الذين قتلوا لم يكونوا مشاركين في القتال أو يحملون السلاح، وإنما استهدفوا أثناء توجههم للحصول على المساعدات أو المياه أو خلال وجودهم في الشوارع، مؤكداً أن الإمكانات التقنية التي تمتلكها إسرائيل تجعلها على دراية بطبيعة الأهداف التي تستهدفها، وأن استهداف الأطفال يندرج ضمن سياسة تهدف إلى ضرب المستقبل الفلسطيني، ودفع السكان نحو التهجير القسري.
ويدعو قزمار الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى التحرك بصورة عاجلة، والاستناد إلى ما وثقته لجنة التحقيق الدولية وغيرها من التقارير الدولية، واتخاذ خطوات عملية لوقف الانتهاكات، وتمكين أطفال غزة من العيش بكرامة وأمان أسوة بأطفال العالم، محذراً من أن استمرار غياب التدخل الدولي سيؤدي إلى تعميق آثار الحرب لسنوات طويلة، وسيبقي الأطفال الفلسطينيين الفئة الأكثر دفعاً لثمنها على مستويات مختلفة سواء الإنسانية أو النفسية أو الاجتماعية.
أسوأ المآسي الإنسانية المعاصرة
يوضح مدير مركز القدس للمساعدة القانونية عصام عاروري أن التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تجمع على أن ما يتعرض له الأطفال في قطاع غزة، في ظل استمرار الحرب، يمثل إحدى أسوأ المآسي الإنسانية التي شهدها القرن الحادي والعشرون، مشيراً إلى أن حجم الانتهاكات والآثار الممتدة على الأطفال يعكس إخفاقاً دولياً في توفير الحماية وإنفاذ قواعد القانون الدولي.
ويشير عاروري إلى أن لجنة اتفاقية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة اعتبرت أن خرق إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية حقوق الطفل في غزة يمثل أحد أسوأ الانتهاكات في التاريخ المعاصر، لافتاً إلى أن هذا التقييم يتقاطع مع ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الانتهاكات الإسرائيلية، والإجراءات الاحترازية التي دعت إليها محكمة العدل الدولية، إضافة إلى تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) التي وثقت الآثار النفسية والاجتماعية بعيدة المدى على أطفال القطاع.
اضطراب ما بعد الصدمة
ويوضح عاروري أن تقارير اليونيسف تشير إلى أن 93% من أطفال غزة يعانون تغيرات مقلقة مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب حرمانهم من التعليم وتدهور ظروفهم المعيشية، ما يؤكد أن الأزمة تجاوزت حدود الخسائر البشرية لتطال مستقبل جيل كامل.
ويشير عاروري إلى أن تقارير الأمم المتحدة وتقارير فلسطينية تفيد بأن الأطفال يشكلون أكثر من 30% من إجمالي الشهداء في قطاع غزة، فيما يقترب عدد الأطفال الذين قتلوا من 22 ألف طفل، إضافة إلى إصابة نحو 44 ألف طفل بإعاقات دائمة، من بينهم ما لا يقل عن 11 ألف إصابة غيّرت مجرى حياتهم، بينها نحو ألف حالة بتر، فضلاً عن وجود أعداد غير معروفة من الأطفال ما زالوا تحت الأنقاض أو في عداد المفقودين، فيما تستمر سلطات الاحتلال في احتجاز جثامين 82 طفلاً موثقة حالاتهم في ثلاجات وفي مقابر الأرقام وتحرمهم حتى من الدفن اللائق، في ممارسة تنفرد بها سلطات هذا الاحتلال من بين كل دول العالم.
تداعيات طويلة الأمد
ويبيّن عاروري أن التداعيات طويلة الأمد لا تقل خطورة، إذ فقد نحو 60 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما، في وقت يواجه فيه الأطفال انهيار المنظومة الصحية وغياب التعليم الحقيقي للعام الثالث على التوالي، موضحاً أن أطفالاً بلغوا التاسعة والعاشرة من العمر لم تتح لهم فرصة الجلوس على مقاعد الدراسة أسوة بأقرانهم.
ويرى عاروري أن هذه المعطيات تؤكد أن إسرائيل لا تكتفي بعدم الالتزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها مبدأ التناسب والضرورة، بل إن استهداف المدارس ومراكز الإيواء والجنازات والعائلات بأكملها يفسر الارتفاع الكبير في أعداد الأطفال بين الضحايا.
غياب العدالة لأطفال غزة
ويؤكد عاروري أن تزامن هذه الوقائع مع اليوم العالمي للعدالة الجنائية يسلط الضوء على غياب العدالة لأطفال غزة وللشعب الفلسطيني، منتقداً محاولات تعطيل آليات المساءلة الدولية والتراجع عن تنفيذ أوامر التوقيف بحق متهمين بارتكاب جرائم حرب، ومحذراً من أن آثار سياسات الاستهداف والحرمان والتجهيل، ولا سيما بحق الأطفال غير المصحوبين بذويهم، ستظل تمتد لأجيال قادمة.
المصدر:
القدس